Top
Image Alt

أن يكون في نفسه قدوة حسنة

  /  أن يكون في نفسه قدوة حسنة

أن يكون في نفسه قدوة حسنة

كما أن من أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية: أن يحرص الداعية أن يكون في نفسه قدوة حسنة للذين يدعوهم إلى هذا الدين، فإن الداعية إنما يكسب لدعوته بسلوكه أكثر مما يكسبه لها بخطبه ومواعظه؛ ذلك لأن الناس ينظرون دائمًا إلى الدعاة كنماذج حية لما يدعون إليه، ويتأثرون بسلوكهم العملي أعظم مما يتأثرون بكلمات حُلوة وخطب مؤثرة وندوات مثيرة، ولو أننا رأينا داعية نحريرًا، وخطيبًا مفوهًا، ومحدِّثًا لبقًا يحاضر الناس عن أضرار التدخين، وقد دعم محاضرته بكل الأساليب العلمية التي تثبت ضرر التدخين وتُظهر آثاره السيئة، وأحضر النماذج الملموسة التي توضح ذلك، وتدل على صدق ما يقوله، واجتمع الناس عليه يسمعون في دهشة لما دعّم به محاضرته وقد ملكت عليه المحاضرة قلوبهم، واستولى بحديثه على نفوسهم، وبينما هم مشدودون إليه لقوة حديثه وتأثير بيانه إذا بهم يفاجئون أنه قد أشعل سيجارة، فماذا تكون النتيجة، بعد أن رأوا فعله وقد سمعوا قوله؟ أيُصدقون ما يسمعون ويكذّبون ما يشاهدون؟ ألست معي ترى أن هذا الذي فعله بإشعاله السيجارة قد أفسد كل ما دبّجه وأن هذه السيجارة قد أفقدت القيمة الحقيقة لكل ما حبَّره وزينه! لا شك أن حديثه مع حلاوته وطلاوته لا يمكن أن يتجاوز المقاعد التي كانوا يشغلونها، ولكن صورته وهو ممسك بسيجارته لن تفارق أذهانهم، وستظل معهم يتفكهون بها ويتندرون بالحديث عنها لكل من يقابلون، إنه بذلك قد كذّب نفسه وكأني بالسيجارة التي أشعلها في محاضرته وهي تصرخ في الناس تقول: لا تصدقوه؛ لو كان صادقًا في قوله ما كذب في فعله.

إن سلوك الداعية هو الصورة الحية العملية لدعوته، يراها الناس في سكونه وحركته ووقوفه ومشيته وبكائه وضحكه، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، إن القدوة العملية تُصيب من قلوب الناس أكثر مما تصيب الكلمة مهما كانت الكلمة طيبة وجيدة ومؤثرة، ولقد حدث ذلك مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم حين أمر أصحابه بعد صلح الحديبية أن يتحلّلوا من العمرة بنحر الهدي وحلق الرءوس، يقول ابن القيم: “فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا))، فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة -رضي الله عنها-فذكر ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك، أتحب أن ينحر الناس هديهم ويحلقوا رءوسهم؟ قال: ((نعم)) قالت: فاخرج إليهم، ثم لا تكلم أحدًا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمّا”.

حين نتأمل في هذه الواقعة نلاحظ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم وهو من هو أمر أصحابه بالنحر ثم الحلق، فلم يستجب أحد، وكرّر الأمر عليهم ثلاثًا، ولم يفعل أحدٌ شيئًا مما دعاهم إليه، فلما أشارت إليه أم سلمة -رضي الله عنها-بما أشارت به؛ أن يخرج هو فينحر بدنه ويحلق رأسه، ورأوا ذلك منه -صلى الله عليه وسلم بادروا إلى النحر والحلق؛ اقتداءً بفعله -صلى الله عليه وسلم، وهكذا نرى أن القدوة العملية تؤثر في الناس مع الصمت أكثر مما تؤثر الخطب البليغة والعبارات المنمّقة؛ ولذلك قيل: عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل.

فعلى الدعاة أن يكونوا عمليين أكثر منهم قوّالين، حتى تثمر دعوتهم وتؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها، وعليهم أن يجعلوا بيوتهم قبلة، يؤمها القاصدون يجدون فيها الإسلام حيًّا يتحرك ممثلًا في الزوجة والأولاد والآباء والأحفاد والخدم والأتباع، وعليهم أن يعلموا أن أي تقصير في تطبيق ما يدعون إليه يجعلهم عُرضة للقيل والقال والسخرية والاحتقار، ثم لا يكون لدعوتهم أيّ أثر في القلوب.

من أجل هذا كان إنكار القرآن الكريم على الذين تخالف أفعالهم أقوالهم، إنكارًا عظيمًا، وكان التنديد بهم مقرعًا وعنيفًا، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون} [الصف: 2، 3] ويقول سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [البقرة: 44]، ومن أجل هذا أخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم أن الذين يقولون ما لا يفعلون في عذابٍ شديد يوم القيامة، ففي الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أتيت ليلة أسري بي على قومٍ تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتكم الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به))، وروى الشيخان عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: ((يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فيقولون: يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه)).

ولقد كان السلف الصالح } يتحرجون من الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير قبل أن يحاسبوا أنفسهم وأولادهم وأهليهم، ويأمروهم بالبر والتقوى والعمل الصالح؛ فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-كان قبل أن يأمر الناس بأمرٍ وينهاهم عن نهيٍ كان يجمع أهل بيته ويقول لهم: “إني سأدعو الناس إلى كذا وكذا، وأنهاهم عن كذا، وإني أقسم بالله العظيم لا يبلغني عن أحدٍ منكم أنه فعل ما نهيت الناس عنه أو ترك ما أمرت الناس به إلا نكلت به نكالًا شديدًا”، ثم يخرج -رضي الله عنه-فيدعو الناس إلى ما يريد، فما يتأخر أحدٌ عن السمع والطاعة، وهذا مالك بن دينار -رضي الله عنه-كان إذا حدَّث الناس بهذا الحديث: ((ما من عبد يخطب خطبة، إلا الله سائله عنها يوم القيامة: ما أردت بها؟)) كان يبكي ثم يقول: “أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم وأنا أعلم أن الله سائلي عنه يوم القيامة، يقول: ما أردت به؟ فأقول: أنت الشهيد على قلبي، لو لم أعلم أنه أحب إليك لم أقرأ على اثنين أبدًا”.

ألا فليتأدّب الدعاة بهذا الأدب الإسلامي الرفيع؛ ليستجيب الناس لهم ويأخذوا عنهم ويتأثروا بمواعظهم.

error: النص محمي !!