Top
Image Alt

أهداف النظام السياسي في الإسلام، وقواعده

  /  أهداف النظام السياسي في الإسلام، وقواعده

أهداف النظام السياسي في الإسلام، وقواعده

أولًا: أهداف النظام السياسي في الإسلام:

يهدف النظام السياسي الإسلامي إلى غايات نبيلة، وأهداف سامية، أهمّها:

الهدف الأوّل: إقامة الدِّين, وتحقيق العبودية لربِّ العالمين:

إنّ إقامة الدِّين في الأرض مقصد أساسي من مقاصد الحُكم في الإسلام؛ فالحاكم وكلّ نوابه مسئولون عن تحقيق هذه الغاية. ودولة الإسلام تهدف أيضًا إلى تهيئة المجتمع الإسلامي للقيام بالعبادة بالمعنى الشامل؛ فهي المسئولة عن إقامة الصلاة في الناس, وكذلك تشرف على إيتاء الزكاة وتوزيع الصدقات، وإظهار الشعائر، وغير ذلك.

وإذا كان للعبادة أصلان: الإخلاص والمتابعة، فإنه ممّا لا شك فيه: أن الدولة الإسلامية مسئولة عن حماية هذيْن الأصليْن بمحاربة الشرك، ومقاومة البدع والخرافات والتيارات الفاسدة؛ فهي تحسم الشرك، وتحمي الشرع ضدّ مَن يعتدي عليه بابتداع أو تحريف أو تبديل، فإن ذلك يُعين على تحقيق العبودية لله رب العالمين، وعلى حماية الدين من انتحالات المُبطلين وتأويل الجاهلين.

قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج: 41].

ويهدف النظام السياسي الإسلامي كذلك إلى نشر رسالة الإسلام في الأرض جميعها, بكلّ الوسائل المشروعة المُمكنة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28].

الهدف الثاني: إقامة العدل:

يهدف النظام السياسي الإسلامي إلى تحقيق العدالة بأوسع معانيها، وفي شتّى مجالاتها: الاجتماعية والقضائية, والإدارية والسياسية والدولية، ويتضمّن ذلك حماية الحقوق والحريات والمساواة.

إنّ إقامة الدولة الإسلامية, أو المجتمع الإسلامي ليس في ذاته غاية، أمّا الغاية فهي إيجاد أمّة تُوقف نفسها على الخير والعدل، تُحِقّ الحق وتُبطل الباطل.

إنّ دفع الظلم عن الناس، وإقامة معالِم العدل في الأرض هي الغاية التي تستهدفها رسالة الإسلام الاجتماعية، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110].

والدولة الإسلامية ليست هي في الحقيقة سوى الجهاد السياسي لتحقيق هذا المثال الأعلى؛ أن تجعل من شريعة الإسلام القانون المهيمن على شئون الحياة، كيما يسود الحق والخير والعدل, وأن تنظِّم العلائق الاجتماعية والاقتصادية بصورة تتيح لجميع الأفراد, أن يحظوا بالحرية والأمن والكرامة.

 الهدف الثالث: إصلاح دنيا الناس:

ليس الحُكم الإسلامي حدودًا فقط، أو مجرّد إمامة وخلافة تجمع شمل المسلمين؛ فالحُكم الإسلامي مسئول عن إصلاح دنيا الناس في عالَم الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والإعلام، والتعليم، والدفاع، والاختراع، إلى جانب الإصلاح السياسي؛ وهذا هو المراد بالرسالة الإصلاحية للإسلام.

إذًا إصلاح دنيا الناس في كلِّ المجالات, هو هدف من أهداف السياسة الشرعية, فغاية التشريع الإسلامي هي: الإصلاح فيما يحلّ وفيما يحرم؛ لأنه ليس لِمن أنزل هذا التشريع -سبحانه- إرادة بالناس إلا صلاحهم وهدايتهم، والتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم، كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم * وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 26 – 28].

كذلك تستهدف الدولة الإسلامية في سياستها الاقتصادية عمارة الأرض، وتحقيق سُبل العيش الكريم لرعاياها، مع تحقيق تكافؤ الفرص والعدالة في توزيع إنفاق الدّولة وخدماتها، استرشادًا بقوله تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [الحشر: 7].

ومن هنا كان النظام المالي في الإسلام مليئًا, بكثير من التكاليف الشرعية الواردة عن الملكيّة.

وإنّ المتأمِّل لجميع قواعد النظام السياسي الإسلامي وأحكامه، يجدها تهدف إلى مقاصد ثلاثة, هي: درء المفاسد، وجلْب المصالح، والجريُ على مكارم الأخلاق؛ فبإقامة النظام السياسي الإسلامي, وشرع الله سبحانه وتعالى تتحقّق هذه المقاصد الثلاثة، وتصلح دنيا الناس.

ثانيًا: قواعد النظام السياسي الإسلامي:

سأقف عند أربع من هذه القواعد: الشّورى، الطاعة، العدل، الحرية.

القاعدة الأولى: الشّورى:

والشّورى من أهمّ قواعد الحُكم في الإسلام، وهي: الطريقة المُثلى التي يَتوصّل بها وليّ الأمر, والمسئولون إلى أفضل الحلول والآراء فيما تتعرّض له الدولة من مشكلات، أو فيما تريد أن تحقِّقه من مصالح.

فلا غنًى لوليِّ الأمر عن المشاورة؛ فإنّ الله تعالى أمَر بها نبيّه صلى الله عليه وسلم حيثُ قال: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} [آل عمران: 159].

وقد قيل: إنّ الله أمَر نبيِّه بالشورى؛ لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به مَن بَعْده، وليستخرج منهم الرأي فيما لم يَنزل فيه وحي، مِن أمْر الحروب، والأمور الجزئية، وغير ذلك, فغيْرُه صلى الله عليه وسلم أوْلى بالمشورة.

وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين بذلك, في قوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [الشورى: 38].

وإذا استشارهم، فإن بيّن له بعضهم ما يجب اتّباعه من كتاب الله وسُنّة رسوله أو إجماع المسلمين، فعليه اتّباع ذلك؛ ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك.

وإن كان أمرًا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يُستخرج من كل منهم رأيُه ووجهُ رأيه، فأيّ الآراء كان أشبهَ بكتاب الله وسُنّة رسوله عمل به.

قال البخاري في (صحيحه) في باب: قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، قال: “وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابَه يوم أُحُد في المقام والخروج, وشاور عليًّا وأسامة فيما رمى به أهلُ الإفْك عائشةَ، فسمع منهما حتى نزل القرآن، فجلد الرّامين ولم يلتفت إلى تنازُعهم، ولكن حَكم بما أمَره الله”.

وكان الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأُمناء, من أهل العلْم في الأمور المباحة؛ لِيأخذوا بأسهلها, فإذا وضح الكتاب أو السُّنّة لم يتعدَّوْه إلى غيره؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ورأى أبو بكر قتالَ مَن مَنع الزكاة، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتلهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرْتُ أن أقاتل الناسَ حتّى يقُولوا: “لا إله إلا الله”، فإذا قالوا: “لا إله إلا الله”، عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها, وحسابُهم على الله))؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم, فقال أبو بكر: “والله لأقاتِلَنّ مَن فرّق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم“. ثم تابَعه عمر بعد ذلك. وفي رواية أخرى أنه قال: “والله لأقاتلَنّ مَن فرّق بين الصلاة والزكاة! والله لو منعوني عقالًا أو عناقًا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقاتلْتُهم عليه!”, فلم يلتفِتْ أبو بكر إلى مشورة؛ إذ كان عنده حُكم النبي صلى الله عليه وسلم في الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة, وأرادوا تبديل الدِّين وأحكامه، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن بدّل دينَه فاقتُلوه!))، كما كان وقّافًا عند كتاب الله عز وجل.

والأخبار الواردة عن عمر بن الخطاب في المشاورة كثيرة.

أمّا عن حُكم الشورى، فإنّ الراجح من أقوال أهل العلْم هو القول بوجوب الشورى؛ لأنّ الأمر في الآية يدلّ على الوجوب، ولم تأتِ قرينة تَصْرفه إلى الندب أو الاستحباب, وإليه ذهب جمهور الفقهاء.

وترْك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر, والفوات.

نظام الشورى, أو كيفية الشورى:

ليس هناك نص من الكتاب أو السُّنّة, يُلزم الدولة الإسلامية بكيفيّة معيّنة للشورى، أو بنظام محدّد لأهل الشورى، فإنّ ذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان؛ فكان مِن الحِكمة أنْ ترَك الشارع الشريفُ لوليِّ الأمر تفصيلَ نظام الشورى, بما يتلاءم مع ظروف الزمان والبيئة، وبما تُحقِّقه المصلحة.

وينبغي أن يكون أعضاء مجلس الشورى من المسلمين العدول، لا من غيرهم، ومن ذوي الاختصاص والخبرة في كل فنّ من الفنون، ومن أصحاب الرأي وأرباب السياسة الشرعية.

إذًا، لا يمكن القول بأنّ في الإسلام قصورًا عن مسايرة الزمن في شكل الحكومة الملائمة؛ لأن الإسلام أقرّ أسُسًا عادلة لا تختلف فيها أمّة عن أمّة، وأفسح للناس في أن يقرِّروا على هذه الأسس ما يرَونه من التفصيلات كفيلًا بمصالحهم وملائمًا لأحوالهم، وبما لا يخالف نصًا من النصوص الشرعية.

وجْه الشّبَه أو الاختلاف بين “الشورى” و”الديمقراطية”:

ذلك أنه قد يقال: إنّ “الديمقراطية” هي: التطبيق العصري للشورى العصرية. لكن بعض الباحثين يرَوْن البَوْن شاسعًا بين الثرى والثريا، فبيْن النظاميْن فرْق كبير وبوْن شاسع من جهة ما يأتي:

أوّلًا: الشورى مقيّدة فيما لم ينزل فيه وحي، وملزَمة بعدم مخالفة نصوص الكتاب، والسُّنّة، وإجماع الأمّة، وقواعد الشريعة وأصولها العامة.

والديمقراطية كما نراها في الغرب والشرق مُطْلَقة, متعدِّية على أحكام العلي الكبير أحيانًا. فبأغلبية الأصوات مثلًا تبيح ما حرّم الله من الزِّنا والشذوذ وزواج الرجل بالرجل، وتحرّم ما أحلّ الله من تعدّد الزوجات والتّمتّع بالطيبات وغير ذلك.

ثانيًا: أعضاء مجلس الشورى من المسلمين العدول، أهل العلْم وأصحاب الرأي، وذوي الخبرة والاختصاص في كل فنّ من الفنون.

أمّا مجلس النواب في النظام الديمقراطي فيجمع الحابِل والنّابل، والعالِم والجَاهل، والحكيم والسفيه، والممثِّل والراقصة مثلًا، ممّن يستطيع أن يربح أصوات الناخبين؛ فهؤلاء أجمعون هم الذين يشرِّعون ويحلِّلون ويحرِّمون.

ثالثًا: لا يُعرف الحق في نظام الشورى بالأكثرية دائمًا أبدًا, كما قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنعام: 116]؛ بل بالدليل والبرهان، والحُجّة والإقناع، ومراعاة الأصول الشرعية، وتحقيق مصلحة الأمّة.

وبأغلبية الأصوات في النظام الديمقراطي، يُفصل في المشكلات والمهمّات، بغضّ النظر عن الحُجج الشرعية والبراهين العقلية.

وهذا لا يمنع من الإفادة بالنظام الديمقراطي, وأساليبه إذا كان كلّ ذلك في إطار من المشروعية, وعدم الخروج على مبادئ الإسلام ومقرّراته ونصوصه.

والشورى ليس لها شكل ثابت في الإسلام؛ فأيّ نظام لها ترتضيه الأمّة فهو مقبول شرعًا، شريطة أن تكون الوسائل والغايات إسلامية.

القاعدة الثانية: السمع والطاعة, والتقيّد بالأنظمة والقوانين:

انعقد إجماع أهل السُّنّة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لوليِّ الأمر وللمسئولين، والتقيّد بالأنظمة والقوانين فيما ليس فيه مخالفة للنصوص الشرعية، فـ((لا طاعة في المعصية؛ إنما الطاعة في المعروف))، هذا حديث متفق عليه رواه البخاري ومسلم.

قال القرطبي في (المفهم): ويعني بـ”المعروف” هنا: ما ليس بمنكَر ولا معصية؛ فيدخل فيها الطاعات الواجبة، والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا. فلو أمر بجائز أو مباح؛ لصارت طاعته في كلّ ذلك واجبة، ولما حلّتْ مخالفتُه.

ولعلّ أصرح دليل على ذلك: آية الأمراء في كتاب الله عز وجل، وهي قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء: 59].

وهناك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحبّ وكرِه، إلا أن يُؤمَر بمعصية؛ فإن أمَر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) وهو حديث رواه الشيخان البخاري ومسلم، وقوله: ((فيما أحبّ وكرِه)) أي: فيما وافق غرضَه أو خالَفَه.

وكذلك حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا طاعة لبشَر في معصية الله جلّ وعلا)).

فعلى الرعية أن يُطيعوا أولِي الأمر، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, فإن تنازعوا في شيء رَدّوه إلى كتاب الله وسُنّة رسوله, وإن لم يَفعل ولاة الأمر ذلك أُطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأُدِّيَتْ حقوقُهم إليهم كما أمر الله ورسوله.

والسمع والطاعة لولاة الأمور والمسئولين, ليست في حال دون حال، بل دائمًا أبدًا في العسر واليسر، وفي الرضا والسخط، وفيما تكرهه النفوس ويشقّ عليهم، وغير ذلك.

وبرهان ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكَ السّمع والطاعة، في عُسرك ويُسرك، ومَنشطك ومكرهك، وأثَرَةٍ عليك)) أخرجه مسلم.

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمِل عليكم عبْدٌ حبشيّ كأن رأسَه زبيبة)) رواه البخاري.

أيضًا تجب الطاعة للحكّام والمسئولين وإن منعوا حقوق الرعية؛ لأن معصيتهم حرام لحقّ الله تعالى، ولأنّ الشارع الشريف لم يجعلْها لهم في مقابل شيء يبذلونه للرعية, فلم يقيِّدها إلا بأن تكون في المعروف، وفي حدود الاستطاعة؛ وهذا من كمال الحِكمة وتمام المصلحة.

عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقّهم، ويمنعونا حقّنا، فما تأمرنا؟ فأعرَض عنه. ثم سأله فأعْرض عنه. ثم سأل في الثانية أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس, وقال صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا؛ فإنّما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلْتُم)) هذا الحديث رواه مسلم.

ومعناه كما يقول النووي: “أي: هم يجب عليهم ما كُلِّفوا به من إقامة العدل وإعطاء حق الرعية؛ فإن لم يفعلوا فعليهم الوزر والوبال. وأمّا أنتم فعليكم ما كُلِّفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق, فإن قمتم بما عليكم يكافئكم الله سبحانه بأحسن المثوبة”.

وأيضًا يجب السمع والطاعة للحكام والمسئولين, وإن فسقوا وفجَروا وجاروا وظلموا. فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، لا نسألك عن طاعة من اتّقى، ولكن مَن فَعل وفَعل؟ فقال: ((اتّقُوا الله، واسمعُوا وأطِيعوا)). هذا الحديث رواه ابن أبي عاصم في (السُّنّة) وصحّحه الشيخ الألباني.

يقول ابن أبي العز الحنفي: “أمّا لزوم طاعتهم وإن جاروا؛ فلأنه يترتّب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعافُ ما يحصل من جوْرهم؛ بل في الصبر على جوْرهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور”.

وأيضًا تجب طاعة الحاكم المسلم إذا قيّد المباح من الأمر، ورأى في ذلك مصلحة؛ فقد منع عمرُ رضي الله عنه خروج أكابر الصحابة من المدينة النبوية, وأمر عثمانُ أبا ذر أن يخرج من الشام ويقطن المدينة، فاستأذنه أن يخرج إلى الربذة فأذن له.

بل لو أمر بجائز أو مباح؛ لصارت طاعته واجبة ولَمَا حلّت مخالفتُه. بل لو أمر بواجب من الواجبات المخيّرة, أو ألزم بعض الأشخاص الدخول في واجبات الكفاية؛ لزِم ذلك, فهذا أمر شرعي وجب فيه الطاعة، ويتحوّل من فروض الكفاية إلى فروض الأعيان. 

وطاعة الأمراء في المعروف مع القيام بأركان الإسلام، سبب لدخول الجنّات. هذا منطق الإسلام.

روى أبو أُمامة رضي الله عنه قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا في حجّة الوداع وهو على ناقته الجدعاء، يقول: أيها الناس، فقال رجل في آخِر الناس: ما تقول -أو ما تريد؟ فقال: ألا تسمعون؟ إنه لا نبيّ بَعْدي ولا أمّة بَعْدكم. ألا فاعبدوا ربّكُم، وصلّوا خمْسَكم، وصوموا شهرَكم، وأدُّوا زكاة أموالكم طيِّبَة بها أنفسكم، وأطيعوا أمراءَكم، تدخلوا جنّة ربِّكم)) حديث صحيح، رواه أحمد والترمذي والطبراني والحاكم وغيرهم.

وقد طبّق السلف الصالح مبدأ السمع والطاعة خير تطبيق, وفي كتاب (فقْه السياسة الشرعية) لخالد العنبري بعض هذه التطبيقات.

القاعدة الثالثة: العدل والمساواة:

قال الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابه (السياسة الشرعية): المساواة شعار من أظهر شعائر الإسلام، ونصوصه وأحكامه ناطقة بتقريرها على أكمل وجوهها؛ وذلك أن الإسلام لا يفرِّق بين واحد وآخَر في الخضوع لسلطان قانونه، وليس فيه فردٌ فوق القانون مهما علَت منزلته…

وكذلك لا يميِّز الإسلام واحدًا عن واحد في التمتع بالحقوق؛ فلم يَجعل منزلة أو ميزة حقًّا لأحد، بحيث لا يستمتع بها سواه، بل ناط الأمر بالعمل له، ومهّد السبيل لكل عامل توافرت فيه شروط معيّنة. فكلّ مناصب الدولة من إمارة المؤمنين إلى أصغر منصب فيها، حق مُشاع بين أفراد الأمة، لا يحول بينه وبينها نسَب أو عصبية؛ وينطق بهذا قولُه صلى الله عليه وسلم: ((لا فضْل لعربيٍّ على عجمي إلا بالتقوى)).

وفي كثير من النصوص تقرير المساواة، وجعْلها من شعائر الإيمان، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحُجُرات: 10]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إخوانكم خدَمكم))، وقوله عليه السلام: ((الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحمر على أسود، ولا لعربيٍّ على عجمي)).

وفي كثير من الأحكام تحقيق هذه المساواة؛ ففي الحجّ كلّهم بلباس واحد، عراة الرءوس، لا يلبسون مخيطًا؛ وفي الصلاة كلّهم في صفوف متساوية؛ وفي الجنايات، النفس بالنفس والعين بالعين والجروح قصاص, وهكذا في سائر الأحكام الإسلامية، الناس سواسية.

وقد كانت المساواة في صدر الإسلام شعار المسلمين في حرْبهم وسِلْمهم، وكان الذِّمّيون والمعاهدون يستمتعون في بلادهم بنعمة هذه المساواة؛ عملًا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لَهُم ما لَنا, وعليهم ما علينا)).

ومن جهة أخرى، فإنّ نظرية العدالة الاجتماعية تُعتبر من أهمِّ النظريات السياسية في الفكر السياسي الإسلامي، وهي ذات مفهوم واسع، يشمل جميع جوانب الحياة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والخُلُقية.

وقد تحدّث عنها كثير من الباحثين، حتى جعَلها بعضهم هي نظرية الحُكم العربي الإسلامي، والتي تقوم على أركان ومقوّمات أساسية.

أركان ومقوّمات “نظرية العدالة الاجتماعية” في الفكر السياسي الإسلامي:

أوّلًا: الحرية السياسية، وتُعتبر الحرية في نظرية الحُكم العربي الإسلامي الركيزة الأولى لإحلال العدالة الاجتماعية والسياسية.

ثانيًّا: المساواة، والمساواة تعني عدم التمييز بين الأفراد على أساس اللون أو العنصر.

وليس هناك فرْق بين الإنسان والإنسان في الحياة الاجتماعية والسياسية، إلا بما يمتازون به عن غيرهم من كفاءةٍ وخدمة للمجتمع.

ثالثًا: المسئولية؛ وهي ركن أساسي من أركان نظرية الحُكم العربي الإسلامي, ولا يمكن تفهُّم المسئولية السياسية في المفهوم العربي الإسلامي إلا بالنظر إليها كسلسلة متكاملة الحلقات.

رابعًا: القيادة الجماعية، وتتمثل في نظرية الحُكم العربي الإسلامي في مبدأ الشورى؛ ومبدأ الشورى يعني أدبيًّا: تبادل الرأي. أمّا معناه السياسي فهو: التفكير الجماعي في معالجة وحلّ المشاكل السياسية.

ولا شك أنّ من أهم الأهداف التي يجب أن يهتمّ بها الحُكم في نظر الإسلام: تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس. وإذا كانت الحريات ضرورية لبناء المواطن الصالح؛ لأنها حق أساسي من حقوقه، فإن العدالة الاجتماعية مطلب رئيسي من المطالب, التي يتطلّع إليها المجتمع.

ولا تقتصر العدالة الاجتماعية على تحقيق التوازن المادي بين طبقات المجتمع، وإنما تشمل نواحيَ أخرى تُحقّق التكافؤ الصحيح بين جميع أفراد المجتمع في مجال الحقوق والواجبات.

ويدخل ضمن العدالة الاجتماعية ما يأتي:

أوّلًا: إيجاد التوازن المادي بين طبقات المجتمع، حيث ينظر الإسلام إلى المجتمع الإسلامي على أنه وحدة متماسكة متعاونة، تقوم على أساس التعاون والمحبّة والإخاء؛ وهذه العناصر لا يمكن أن تتوفّر في مجتمع من المجتمعات, ما لم يكن هناك قَدْر من التوازن المادي بين أفراد ذلك المجتمع.

ولو رجعنا إلى التشريع الإسلامي، لوجدْنا أنه كان يحرص كل الحرص على تحقيق هذا التوازن المادي في مجاليْن:

أحدهما في مجال الأسرة: والأسرة هي الخلية الأولى التي يتكوّن منها المجتمع الكبير, ويبتدئ الإصلاح من الخلية الأولى، حيث تُبنى بناء صحيحًا متوازنًا في الفكر الإسلامي. ويُعتبر نظام النفقات في التشريع الإسلامي من أهم النُّظم المالية, التي تهدف إلى تحقيق التوازن المادي بين أفراد الأسرة الواحدة، وبمقتضى هذا النظام يجب على الموسِر أن يقوم بمساعدة قريبِه المُعسر بسبب قرابته له؛ إذ لا يجوز أن يرتَع أحد أفراد الأسرة في المال الوفير, في الوقت الذي يتضوّر أقرباؤه من الجوع والحاجة والفاقة.

ومهمّة الدولة في هذا المجال تظهر من حيث إعطاء هذا الواجب على الموسِرين صفة الالتزام؛ فإذا امتنع الموسِر عن الإنفاق على قريبه المعسر، فإن الدولة تُلزمه وتُجبره على ذلك، وتتّخذ بحقّه كل الوسائل التي تضمن تنفيذ هذا الواجب، عملًا بقاعدة: “الغُنم بالغُرم” مثلًا. فإذا لم يكن للفقير قريب موسر، عندئذ تجب نفقته في بيت المال؛ فتُعتبر الدولة مسئولة عن رعاية هؤلاء الفقراء والمحتاجين. وكتب الفقه الإسلامي مليئة بالنصوص التي تنصُّ صراحةً على هذا الواجب الديني والأخلاقي والاجتماعي. 

الثاني في مجال المجتمع: لا يكتفي الإسلام بتحقيق التوازن المادي بين أفراد الأسرة، وإنما ينتقل إلى الأسرة الكبيرة وهي المجتمع، ويضع الإسلام النظم المالية التي تكفُل تحقيق التوازن بين الطبقات المختلفة، عن طريق فرض المشاركة الفعلية بين الفقراء والأغنياء.

وتتمثل هذه المشاركة في إيجاب الإسلام الزكاة, التي تُعتبر الركن الثالث من أركان الإسلام؛ وهي عبادة دينية وواجب اجتماعي في آن واحد.

القاعدة الرابعة: الحرية بمفهومها الواسع الشامل: الحرية من أهم مقوّمات الشخصية الإنسانية التي فطر الله الناس عليها؛ فبها يتميّز الإنسان على سائر الحيوانات. بل قد جاء الإسلام ليضمن الحريات بجميع أنواعها، ولكي يحميها من العبث والإكراه وتعدي الآخَرين.

ومن جهة أخرى، فإنّ من الأسس التي تَبني عليها النظم الدستورية: كفالةَ حقوق الأفراد، والمساواة بينهم في التمتع بها، ولا يخلو قانون أساسي لحكومة دستورية من تقرير الحرية والمساواة, وتشريع الأحكام الكفيلة بتحقيقها وصونها.

وجميع الحقوق على تعددها, ترجع إلى أمريْن عاميْن:

الأوّل: الحرية الشخصية.

والثاني: المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية.

وتبقى الإشارة إلى أنّ فكرة الحرية في الإسلام, لم تمُرّ بنفس المراحل التي مرّت بها في الفكر السياسي المعاصر؛ نظرًا لأنّ الفكر السياسي المعاصر لم يعترف بفكرة الحرية إلا بعد صراعٍ عنيف, وثورات دامية استمرت قرونًا متعدِّدة، ودفعت الشعوبُ المختلفةُ ثمنًا غاليًا من دمائها وأرواحها لتُنمِّي فكرة الحرية, حتى أصبحت الآن فكرةً مسلَّمة في الدساتير المعاصرة.

ومثل هذا الصراع لا نجدُه في الفكر الإسلامي؛ لأنّ فكرة الحرية في الإسلام فكرة مُسلِمة من جهة ومُسَلَّمة من جهة أخرى، بوصفها في الحالتيْن حقا طبيعيا يجب على الدولة أن توفِّره للأفراد.

وليس هناك في نظر الإسلام سلطة مُطلَقة للحكّام في مواجهة الشعب، كما كان الحال في الفكر السياسي عند الأمم الأخرى.

الحريات التي أقرَّها الإسلام:

وتشمل الحرية التي أقرَّها الإسلام مجموعة من الحريات، نحاول الإشارة إليها بإيجاز فيما يلي:

أوّلًا: الحرية الشخصية:

تعتبر الحرية الشخصية من أهمّ الحريات التي ينبغي أن يتمتّع بها الفرد, ولا يمكن إقرار أيّ نوع من الحريات الأخرى، ما لم تكن الحرية الشخصية مصانة ومعترفًا بها.

وتشمل الحرية الشخصية عند علماء القانون الدستوري, وعند علماء الاجتماع والفقه السياسي وغيرهم حقوقًا مختلفة، نذكر منها:

1. حرِّيّة التّنقل:

فيحق للفرد بمقتضاها أن يتنقل من مكان إلى آخَر، وأن يخرج من البلاد وأن يعود إليها، دون أن يكون هناك أيّ قيْد على هذا التّنقل إلا وفقًا لِما تقتضيه مصلحة البلاد، ولِما يُقرِّره القانون وأمْر البلاد. ويملك القانون في هذه الحالة أن يضع بعض القيود من السفر إلى خارج البلاد، إذا وجد أن مصلحة البلاد وسلامتها واقتصادها تقتضي وضْع مثْل هذه القيود.

ولم يصل إلينا من العلماء المسلمين ما يُفيد تقييد حرِّيّة التنقل؛ بل لقد اعتُبر النّفي والإبعاد عقوبةً في نظر القرآن، تُطبّق على الذين يحاربون الله ورسوله ويَسعون في الأرض فسادًا. يقول الله عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} [المائدة: 33].

وروي عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه كان يمنع بعضَ كبار الصحابة من الخروج من المدينة؛ حتى يتيسّر له الرجوع إليهم ومشاورتهم في شئون الدولة، أو فيما يستجدّ من حوادث ونوازل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبِه أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه. ومثْل هذا التصرف يَدخل ضِمن تقييد حريّة التنقل، للمصلحة العامة.

وإذا أخذنا بمبدأ تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، جاز لنا أن نضع على حرية التنقل من القيود ما يُحقِّق المصلحة، ويَدرأ الضّرر والمفسدة عن الدولة والمجتمع.

أمّا إذا كان الدافع لتقييد حُرِّية التّنقل مجرّد رغبة انتقامية من حاكم؛ للتضييق على فرد أو طائفة من الناس، لخلافٍ شخصي مثَلًا، أو لِصراع حزبي، أو لتنافسٍ على السلطة والحُكم، فلا شكّ أن مثْل هذا التقييد مخالِفٌ لأحكام الشريعة؛ لأن الخروج عن مبدأ الحرية وإباحة التقييد إنما يكون لضرورة، والضرورة تُقدّر بقَدْرها.

2. حقّ الأمن:

بمقتضى هذا الحق لا يجوز للدولة, أو جهاز من أجهزتها أن تقبض على أحد الأشخاص أو أن تعتقله، إلا بمقتضى أحكام القانون؛ فلا اتّهام إلا بدليل، ولا عقوبة إلا بنص؛ ومن ثَمّ فلا يجوز في نظر الشريعة الإسلامية إلقاء القبض على أي فردٍ, وحبْسه ما لم يكن ذلك بسبب جريمة تستحقّ عقوبة الحبس.

والعقوبات لا تثبت بمجرّد الرأي والاجتهاد؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات, والأصل في هذه الحالات البراءة ما لم تثبت الجريمة على المتّهَم, وفي هذه الحالة يجوز تطبيق الحُكم الشرعي المناسب للجريمة، ولا يمكن تطبيق العقوبات إلا على الجرائم الثابتة بشكل قطعي وجازم.

3. حرمة المسكن أو المأوى:

ويُطلق اسم “المسكن” على المكان الذي يسكن فيه الفرد بشكل دائم أو مؤقّت, وللمساكن الخاصة حُرمة لا يجوز اقتحامها أو تفتيشها إلا عند الضرورة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27].

ثانيًا: الحرية الفكريّة:

تُعتبر الحرية الفكرية من أهم الحريات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته؛ وإذا كانت الحرية الشخصية تُمثّل الجانب المادي، فإن الحرية الفكرية تُمثِّل الجانب المعنوي. وهذه الحرية تُمثِّل الدعامة الأساسية التي تُبنَى عليها الشخصية المتكاملة؛ لأن شخصية الإنسان تحتاج في الدرجة الأولى إلى توفير المناخ الصحي, الذي يفتح أمامها طريق النمو الطبيعي؛ لتتحرر تدريجيًّا من قيود التخلف والجهل، وذلك عن طريق إعطاء الفكر والعقل حرية الانطلاق والتعبير.

ومن الطبيعي أنّ هذه الحرية, وكلّ حرية لا يمكن أن تكون مطلقةً كلّ الإطلاق، وإلا أدّت إلى الفوضى والضياع. وإنما هي محكومة بقيود محدّدة، تعطي للفكر حرية الانطلاق في الحدود التي تُحقِّق فيها تلك الحرية أهدافها؛ بحيث تكون الحرية وسيلة للانطلاق والبناء, لا وسيلة للعبث والفوضى والضياع.

والحرية الفكرية أيضًا تشمل أنواعًا من الحريات المتفرِّعة عنها؛ وأهمّها ما يلي:

1. حرية العقيدة:

والمقصود بحرّيّة العقيدة: إعطاء الفرد الحرية الكاملة في عقيدته، بحيث لا يُجبر ابتداء على اعتناق عقيدة مخالِفة لما يريد.

وإنما قلت: “ابتداء”؛ لأنه إذا دخل في الإسلام مثلًا بإرادته ثم عدل عنه إلى الكفر ثانية؛ يكون مُرتدًّا، وهذا المرتد له أحكامه الخاصة.

ونحن لو تتبّعنا التاريخ البشري؛ لوجدْنا أنّ الحرية الدينية كانت مضطَهَدة، ولم تتوفّر للإنسان الحرية الكاملة في اعتناق ما يريد, وكثيرًا ما كان الأفراد يُجبَرون على اعتناق عقائد معيّنة. ولا زلنا اليوم نرى أنّ حرية العقيدة غير متوفّرة في كثير من الدول المعاصرة، بما فيها تلك الدول التي تدّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ إذ يُجبَر كثير من الأفراد على ترْك دينهم، أو لا يُسمح لهم -على أقلّ تقدير- بإقامة شعائرهم الدينية، وربّما يُلاقون أشدّ أنواع العنف والاضطهاد بسبب تمسّكهم بِما يؤمنون به من عقائد، أو حتى المظاهر أو الزي الذي يُشير إلى ذلك.

ولو رجعنا للإسلام، لوجدْنا أنه قد أعلن منذ نشأته الحرية الدينية، ولم يسمح بإجبار أحد على الدخول في الإسلام، بالرغم من القوة التي كان يتمتّع بها المسلمون في ذلك الحين. والقرآن الكريم والسُّنّة المطهّرة مليئان بالنصوص التي تؤيِّد ما نقول، نذكر منها:

قول الحق سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [البقرة: 265], وقال أيضًا مٌخاطبًا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِين} [يونس: 99].

بل دعا الإسلام إلى التأمّل والتّفكّر، ونبْذ التقليد الأعمى؛ حتى تكون العقيدة منبثقَة عن قناعةٍ وجدانيةٍ, مستمَدّة من التّأمّل الواعي والتفكير الناضج؛ ولذلك جاء القرآن الكريم مندِّدًا بعقيدة المشركين, المنبثقة عن مجرّد التقليد للآباء والأجداد، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون} [البقرة: 170].

وقد أقرّ الإسلام القتال للدفاع عن حرية العقيدة؛ نظرًا لأنّ المشركين كانوا يَمنعون المسلمين من الإعلان عن إسلامهم، ويضطهدونهم بسببه، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز} [الحج: 39، 40].

وقد بيّن القرآن الكريم في كثير من آياته: أنه لا يجوز إجبار الناس على الإسلام، وأنّ مهمّة الرسول والمسلمين تنحصر في دعوة الناس إلى الإسلام بالحِكمة والموعظة الحسنة، وبالإقناع المنبثِق عن وعي وإدراك وتفكّر، قال تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [آل عمران: 20].

لقد سمح الإسلام لأهل الذِّمّة الذين يعيشون في الدولة الإسلامية أن يقوموا بشعائرهم الدينيّة، ولم يسمح الرسول صلى الله عليه وسلم لقُواده بالتّعرّض للأدْيِرة ورجال الدِّين. وكان الخلفاء الراشدون يُوصون قُوادَهم بِعَدَم إكراه أهل الذِّمّة على ترْك دِينهم, أو منْعهم من ممارسة شعائرهم الدينية، أو هدم أدْيِرتهم وأماكن العبادة لديهم.

ويعترف المستشرق البريطاني السير أرنولد، بالتسامح الديني عند المسلمين, ويؤكِّد أنّ القبائل المسيحية التي دخلت في الإسلام، إنّما فعلت ذلك عن إرادة واختيار؛ ثم يقول: “إننا لو نظرنا إلى التسامح الذي امتد إلى رعايا المسلمين, من المسيحيِّين في صدر الحكم الإسلامي؛ لظَهر أنّ الفكرة التي شاعت بأنّ السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام, بعيدة عن التصديق”.

ونحن لو رجعنا إلى تاريخ أهل الذِّمّة الذين كانوا يعيشون في داخل الدولة الإسلامية، لوجدنا أنهم كانوا يعامَلون أجمل معاملة وأعدلها. وكثيرًا ما كان الخلفاء المسلمون يُقرِّبون إليهم بعضَ أهل الذِّمّة من اليهود والنصارى، ويعاملونهم معاملة كريمة، بل ويُسندون إلى بعضهم الوظائف الكبيرة في الدولة أحيانًا؛ حتى إن الخليفة هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة يوحنّا بن ماسويه.

وإذا كنا نجد في بعض الفترات التاريخية اضطهادًا لغير المسلمين, ومعاملة ليست كريمة لهم أحيانًا، وتجاهلًا لحقوقهم، فإن مثْل هذا التصرف ليس من الإسلام في شيء، ولا يمكن أن يُقرّه الإسلام بشكل من الأشكال؛ لأنه ناتج عن الجهل بالإسلام وبتعاليمه السمحة.

وأسباب ذلك في نظري تعود في الدرجة الأولى إلى أسباب سياسية لا دينية، وبخاصة بعد الحروب الصليبية, التي أعلنت فيها أوروبا المسيحية الحرب الدينية ضد المسلمين.

وإذا كان أعداء المسلمين في الماضي والحاضر يتّهمون المسلمين بالتّعصب الديني، فإن التاريخ المدوّن والثابت يؤكِّد لنا بشكل قاطع أنّ غير المسلمين كانوا يعامَلون في الدولة الإسلامية أكرم معاملة، وتُصان لهم جميع حرياتهم الدينية والفكرية، في الوقت الذي كانت أوربا المسيحية في الأندلس تضطهد المسلمين أبشع اضطهاد، وتمثِّل بهم أسوأ تمثيل، وتُكرِههم على الكفر بالإسلام والدخول في المسيحية، وتعذِّب بكلّ أنواع التعذيب كلَّ مَن تُسوِّل له نفسه أن يبقى على إسلامه، حتى استحالت بلاد الأندلس في فترة وجيزة تحت سياط التعذيب بلادًا مسيحية لم يبق فيها أحد من المسلمين، في الوقت الذي نجد فيه الكنائس القديمة في البلاد الإسلامية، حتى وما يضاف إليها من كنائس حديثة، وهو ما يحمل في طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسات الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحو المسيحيِّين, وأهل الذمة على العموم. 

2. حرية الرأي والتفكير:

حيث جاء الإسلام فكفَل حرية الرأي وحرية الفكر، وشجّع القرآن الكريم الناس على إعمال العقل الذي خلَقه الله للإنسان؛ ليستعمله على الوجه الصحيح، وليقود صاحبَه إلى الحق والصواب، بما في ذلك إلى الإيمان بالله رب العالمين.

ونحن لو تتبّعنا الآيات القرآنية، لوجدْنا ألفاظًا كثيرة تدلّ على التفكير مثل: {يَعْقِلُون }، {يَتَفَكَّرُون }، {يَعْلَمُون}، بالإضافة إلى ألفاظ أخرى تدعو الإنسان إلى النظر والتأمل؛ ليكون الفكر والنظر والمعرفة هو طريق الإنسان للوصول إلى الإيمان بالله, وبما جاء من عند الله، وإلى التمسك بالشريعة التي جاءت من عنده.

يقول تعالى على سبيل المثال: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: 101]، ويقول: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران: 191]، ونحو هذا كثير في القرآن الكريم.

ومن هذا المنطلق، سمح الإسلام بحرية الفكر في المسائل الشرعية الاجتهادية في حدود النصوص الثابتة؛ وبفضل هذه الحرية الكبيرة ازدهر الفقه الإسلامي في القرون الأولى ازدهارًا كبيرًا، واعتبر الإسلام المخطئَ والمصيبَ في الاجتهاد مستحقًّا للأجْر والمثوبة، تشجيعًا للحرية الفكرية، وتضييقًا لحدود التقليد الذي لم يكن شائعًا في القرون الأولى, إلا في حدود ضيِّقة جدًّا.

وكان القضاة في صدر الإسلام يجتهدون في المسائل المعروضة عليهم، ويحكمون بمقتضى اجتهادهم؛ ولم يُلزَم القضاة بتقليد أئمة المذاهب إلا في العصر العباسي؛ بل لم يقتصر الأمر في الفقه الإسلامي على حد المسائل أو النوازل الواقعة في أزمانهم وبيئاتهم، فافترضوا أو قدّروا مسائل غير واقعية, وحاولوا الاجتهاد في معرفة حُكمها, فيما عُرف فيما بعْدُ بـ”الفقه الافتراضي”, أو “الفقه التقديري”.

لكن من أكبر الأخطار التي تعرّض لها الفكر الإسلامي، وبخاصة في مجال التشريع بعد ذلك، دعوى إغلاق باب الاجتهاد ومنع العلماء منه. وكان هذا التضييق في الحقيقة بداية لمرحلة الجمود, التي عانى منها الفكر الإسلامي بعد القرن السادس الهجري؛ حيث اقتصر عمل العلماء والفقهاء على ترديد أقوال الفقهاء الأقدمين، وتخريجها وشرحها، ووضع الحواشي أو التعليقات عليها، دون أن يكلّف الفقهاء أنفسهم مهمّة الاجتهاد والنظر, في المسائل المستحدَثة.

وإذا كان الإسلام قد كفَل حرية الفكر، وبقيت هذه الحرية مُصانة خلال القرنيْن الأوّليْن من الهجرة، فإننا نجد أنّ هذا الفكر قد اضطُهد في بعض فترات التاريخ الإسلامي, وبخاصة عصر العباسيين، حيث اضطُهِِد الإمام أحمد بن حنبل بسبب مخالفته المأمون في مسألة خلْق القرآن، واضطُهد الإمام مالك في عهد أبي جعفر المنصور بسبب فتواه بعدم صحّة بيعة المُكرَه، واضطُهد الإمام أبو حنيفة لعدم تولِّيه القضاء، كما اضطُهد ابن رشد وابن حزم وغيرهما… ولكن هذا الاضطهاد الفكري لا يُمثِّل رأي الإسلام، ولا يَصلح حُجّة على الإسلام، والدافع إليه أسباب فيما نرى قد تكون سياسية، وقد تكون شخصية، لكنها في نهاية الأمر لا تُمثِّل الفكر الإسلامي الصحيح من حُرية الرأي والتفكير المكفولة في الإسلام، بشرط عدم الخروج على المبادئ الأساسية فيها.

وفي هذا الشأن، فإني أعتقد أنّ فتح باب الاجتهاد وتشجيعه لِمَن هو قادر عليه, واجبٌ دينيّ يَفرضه علينا إيمانُنا بهذه الشريعة وحرْصُنا عليها؛ ليستطيع الفكر الإسلامي أن يواكب حركة التطور المستمرة، وليجد الفقهاء المجتهدون الأحكام الاجتهادية الملائمة للمسائل المستحدَثة في جميع الأمور، والتي تتطور بسرعة كبيرة تبعًا لسرعة تطوّر كلِّ الظواهر الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية وغيرها؛ لأنه لا بدّ أن نُثبت للعالَم أجمع أنّ الشريعة الإسلامية بحقّ صالحة لكل زمان ومكان.

ومن الطبيعي أنه لا يجوز أن يتصدّى للاجتهاد إلا مَن توفّرت فيه الشروط الشرعية المنصوص عليها؛ لئلا يَعبث الجهَلة بأحكام الشريعة، فيُحرِّمون ويُحلِّلون بأهوائهم وعقولهم المجرّدة، فتكون الطّامّة الكبرى.

إنّ الإسلام الذي كفَل حرية التفكير والرأي، لا يأذن أن تكون هذه الحرية سبيلًا لتشكيك المسلمين في عقيدتهم الحقة أو إضعاف أخلاقهم الكريمة، بنشر الفاحشة والرذيلة وبث الشكوك والشبهات. والمتتبّع للتاريخ الإسلامي يرى بوضوح أنّ الخلفاء المسلمين كانوا يواجهون بكلِّ حزم, كلّ مَن تُسوِّل له نفسه أن ينال من الإسلام.

وليس هذا من قبيل التطوع، بل من الواجبات اللازمة أن يحفظ الحُكّام والمسئولون الإسلام, قرآنًا وسُنّة عقيدة وشريعة، وأن يأخذوا أو يضربوا على أيدي الذي يُشيعون الفساد العقائدي والأخلاقي والاجتماعي؛ فالإسلام الذي كفل الحريات وضَع لها ضوابط شرعية.

3. حرية التعبير:

إذا كان الإسلام قد كفل حرية التفكير، فإنه قد شجّع حرية التعبير, وأعطى الإنسانَ الحق في التعبير عن رأيه بحرية كاملة وتامة.

وكثيرًا ما كان المسلمون ينتقدون الحكام ويوجِّهون إليهم اللّوم، ويراقبونهم في تصرّفاتهم وأعمالهم؛ لأنهم نواب ووكلاء عن الأمّة؛ فلا يجوز لهم أن يستأثروا لأنفسهم بحق من حقوق الأمّة، كما لا يجوز لهم أن يخرجوا عن الحدود المسموح لهم بها.

ولو نظرنا في تاريخ صدر الإسلام، لوجدْنا أنّ المسلمين كانوا ينتقدون الخلفاء والأمراء، وكان هؤلاء يسمعون ويتقبّلون ما يوجّه إليهم من نقْد، بل ويُشجِّعون هذا النقد؛ لأنه يردّهم إلى الصواب ويُبعدهم عن الخطأ والزلل؛ والصواب هو الضالة التي يبحث الجميع عنها.

ولعلّ قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع المرأة تُعبِّر بصدق عن مدى توافر حرية التعبير في المجتمع الإسلامي الأوّل؛ وذلك عندما وقف عمر بن الخطاب خطيبًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهى عن الغلو في المهور، وأراد تحديدها، فردّت عليه امرأة من أقصى المسجد وبيّنتْ له أنّ فعْله هذا مخالف لنصِّ القرآن، وتلتْ عليه الآية التي تقول: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِينا} [النساء: 20].

عندها وقف عمر بن الخطاب -وهو خليفة المسلمين أو أمير المؤمنين- ليقول لنفسه: “كل الناس أعلَمُ منك يا عمر”، أو “كلّ الناس أفقه منك يا عمر، حتى النساء، أصابت امرأة وأخطأ عمر”.

وقال عمر بن الخطاب في إحدى خُطَبِه: “أيها الناس، من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فلْيُقَوِّمْه”, فقام رجل وقال: “والله! لو رأيْنا فيك اعوجاجًا لقَوّمْناه بسيوفنا”. فقال عمر: “الحمد لله الذي جعَل في هذه الأمّة, من يقوِّم عمر بسيفه”.

وإذا كانت حرية التعبير في المسائل السياسية, قد ضاقت في العصر العباسي، وبخاصة في أيام الخليفة المنصور الذي كان يحاسب الناس حسابًا شديدًا عن آرائهم وأقوالهم، فإن الحرية العلمية قد بقيتْ مزدهرة لفترة طويلة، ما عدا بعض حوادث فردية كانت تقع بين الفيْنة والأخرى.

ولا شك أنّ مِن أهمّ أهداف الحُكم في الإسلام: كفالة الحرية العامة، وتوفيرها للناس، سواء كانت تتعلق بالحريات المادية التي ترتبط بها حياة الناس، أو بالحريات المعنوية التي تشمل الحريات الفكرية، وما يتعلّق بها من فروع توفِّر للفكر الإنساني, الانطلاق البنّاء في مجالات المعرفة المختلفة.

وإذا كان الإسلام يوفِّر هذه الحريات، تطبيقًا لمبادئه العامّة وأحكامه الكلية، فإنّنا نجد خلال التاريخ الإسلامي ما يؤكِّد هذا المعنى، ما عدا بعض الفترات التاريخية المتقطّعة التي تغلّبت فيها الخلافات السياسية على المفاهيم الدينية؛ إذ أباح بعض الحُكّام لأنفسهم أن يقيِّدوا كثيرًا من الحريات ليحافظوا بذلك على استمرار حُكمهم وإرهاب عدوِّهم، كما حدث في العصر العباسي حيث اضطهد بعض الخلفاء العباسيِّين الفكر وقيّدوه، مع أنّ الفكر قد انطلق في عصرهم، وكانت بواعث ذلك سياسيّة محضة, كما هو الحال من مواقف مع الإمام أبي حنيفة، ومع الإمام مالك، ثم مع الإمام أحمد بن حنبل في مسألة خلْق القرآن المشهورة.

لكن -والحق يقال، وإنصافًا للتاريخ وللخلفاء العباسيِّين وغيرهم، وإنصافًا للتاريخ الإسلامي على العموم- في غير هذه الفترات القصيرة, كانت الحريات الشخصية والحريات الفكرية مصونة, لم يتجرّأ أحد على تقييدها أو تحديدها.

ومن الطبيعي أنّ الحرية لا تعني الحرية المطْلَقة؛ لأنها تؤدِّي إلى الفوضى، وإنما هي الحرية البناءة التي تنمِّي الشخصية الإنسانية في حدود المصالح الاجتماعية, والضوابط الشرعية.

ثالثًا: الحرية الاقتصادية:

إذا كان الإسلام قد أباح الحرية الشخصية والحرية الفكرية، فإنه أباح أيضًا الحرية الاقتصادية المتمثّلة في حرية العمل والكسب، وفي حرية التملك، وفي حرية التصرف فيما يملك المرء في إطار من المشروعية، وإلا فكلٌّ منا سيُسأل عن مالِه من أين اكتسبه؟ وفِيم أنفقه؟

والحرية الاقتصادية تُعدّ مكمِّلة للحريات الأخرى التي أقرّها الإسلام؛ لأن الإنسان كما يحتاج إلى الحرية الشخصية والحرية الفكرية، فإنه يحتاج إلى الحرية الاقتصادية التي تمكِّنه من العمل والكسب والتّملّك؛ لينطلق ذلك الإنسان بكل جهْده وطاقته للعمل البنَّاء المثمِر, الذي يعود نفعُه عليه وعلى مجتمعِه وأمّته.

نموذجان للحرية الاقتصادية:

1. حرية العمل والكسب:

حيث دعا الإسلام الناس إلى العمل وحثّهم عليه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور} [المُلك: 15].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يزرع زرعًا أو يَغرس غرسًا، فيأكل منه طيْر أو إنسان أو بهيمة؛ إلا كتب له به صدقة))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

النصوص كثيرة في القرآن والسُّنة، لكني سأكتفي بالإشارة إلى طرف يسير منها، حيث جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم رجل عابد زاهد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من هذا؟)) قالوا: رجل انصرف للعبادة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ومن يُؤكّلُه؟)) قالوا: كلّنا نؤكله. فقال صلى الله عليه وسلم: ((كلّكم خيْر منه)).

وفي رواية مماثلة: أنّ أخويْن جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوان إليه أمْر ثالثِهما، ذلك الرجل أو ذلك الأخ الذي انقطع للعبادة، فلا يفرغ من صلاة إلا ليدخل في أخرى، ويلازم المسجد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: ((مَن يَرعى إبله؟))، قالا: نحن يا رسول الله. فقال: ((ومَن يَسْعى على عياله؟)). قالا: نحن يا رسول الله. فقال: ((أنتما أعبَدُ منه)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

والإسلام لم يُجِز التفاضل بين الناس بسبب العمل، كما لا يجوز لمسلم أن يَحقر أخاه المسلم بسبب عملِه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أكَلَ ابنُ آدم طعامًا خيرًا من عمَلِ يدِه, وإنّ نبيّ الله داود كان يأكل من عمَلِ يدِه)) أو كلامًا قريبًا من هذا.

وإذا كان الإسلام قد دعا إلى العمل وشجّع عليه، فإنه لم يُجز لأحد التدخل في شئون الآخَرين, وللإنسان مُطلَق الحرية في اختيار العمل المناسب له ولِقدراته؛ لأن الناس متفاوتون في كفاءاتهم وإمكاناتهم أو طاقاتهم، وما قد يصلح لفرد ليس بالضرورة يصلح لآخَر, ويجوز لأي فرد أن يختار لنفسه العمل الذي يعود نفعُه عليه.

ويجوز للدولة أن تقيِّد حرية الأفراد في العمل أو الكسب، إذا رأت المصلحة في ذلك؛ في هذه الحالة يجوز لها أن تقيّد بعض حريات الأفراد دفعًا للضرر أو جلبًا للنفع، وذلك عندما يكون الدافع مجرّد المصلحة.

ومثال ذلك: أنه يجوز للدولة أن تنظِّم الزراعة والتجارة والصناعة والصيد مثلًا، بحيث تشجِّع زراعة المزروعات التي تحقّق الربح الوفير، أو المزروعات التي تحتاج إليها الأمّة، كما يجوز لها منْع زراعة الأصناف المضرّة كزراعة الحشيش أو القات، أو منع الاصطياد بوسائل ضارّة بالبيئة أو بالناس أو بالحيوانات.

أيضًا، يجوز للدولة أن تنظِّم الصناعة، حيث تشجّع صناعة بعض المنتجات التي تحتاج إليها الدولة، أو التي تجِد لها أسواقًا خارجية واسعة، وتحدّ في الوقت ذاته من صناعة السِّلع الكمالية أو السِّلع التي لا تعود بالفائدة المرجوّة على الأمّة في اقتصادها, أو في أخلاقها وعاداتها.

وهكذا نجد أنّ الدولة يجوز لها أن تحدّ من حريات الأفراد في مجال العمل والكسب، إذا كان ذلك يُحقِّق المصلحة العامة؛ فالمصلحة العامة مقدّمة على المصلحة الخاصة.

هذا، ولا يقتصر واجب الدولة على مجرّد تشجيع العمل والكسب، وإنما يجب عليها أن توفِّر العمل المناسب للأفراد، وتسهِّل لهم أسبابه عن طريق تشجيع الإنتاج، وإيجاد المؤسّسات الإنتاجية التي تستطيع أن تمتصّ عددًا من العاطلين عن العمل؛ لأنّ البطالة من أكبر الأخطار أو الآفات الاجتماعية, والاقتصادية والسياسية والأخلاقية التي يتعرّض لها المجتمع.

2. حرِّيّة التّملّك:

موضوع المِلكيَة يُعدّ من أهمّ الموضوعات التي اشتدّ حولها الصراع في العصر الحديث، بين أنصار المذهب الفردي وأنصار المذهب الجماعي، في جميع المجالات القانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وبينما نجد المذهب الفردي يُطلق العنان للمِلكيّة الفردية، ويسمح لمالِكها أن يتصرّف فيها تصرفًا مُطْلقًا أحيانًا عن الحدود والقيود، اعتمادًا على السلطة المُطْلقة التي يخوِّلها القانون لصاحب الملك، نجد في الطرف الآخَر المذهب الجماعي الذي يُلغي الملكيّة الفردية إلغاء مطلقًا، ويعتبر القائم عليها مجرّد موظّف لدى الدولة, يتصرف فيها تصرف الوكيل عن موكله.

وقد أقرّ الإسلام الملكية الفردية، وأعطى الفرد الحق في التملك، تلبية لغرائز الإنسان الطبيعية، وحثًّا للأفراد على استثمار الأموال الموجودة في حوزتهم؛ لئلا تكون الأموال في المجتمع شائعة، فتضيع المسئولية وتهدر الأموال، ولا يطمئن أحد على مصير أمواله من بعده.

ولذلك نلاحظ أن الملكية الفردية في الإسلام, تختلف في مفهومها عن الملكية في المذاهب الفردية والجماعية:

فهي ليست ملكيةً مطْلقة كما يذهب إلى ذلك أنصار المذهب الفردي، بدليل الآيات والأحاديث الكثيرة الواردة في تقييد الملكية، وفي أنّ المال مالُ الله ونحن مستخلَفون عليه.

وهي أيضًا ليست ملكية جماعية مُطْلَقة؛ لأن الإسلام أقرّها ووضَع النظم والقوانين التي تَحميها من العابثين والغاصبين، باعتبار الحق الشخصي فيها.

ولقد ربط التشريع الإسلامي إقرارَه للملكية الفردية بالمصالح الجماعية، ورتّب عليها حقوقًا مالية توجَّه للفقراء والمحتاجين وغيرهم, ممّن ورَد ذكْرُهم في مصارف الزكاة في سورة (التوبة)، وغير ذلك… بل لقد وضع على هذه الملكية قيودًا تحدّ من أخطارها، وتُقلِّل من أضرارها.

وأهم الحقوق المالية التي فرضها الإسلام على الملكية: الزكاة، بالإضافة إلى واجبات التكافل الاجتماعي الأخرى؛ وذلك لإيجاد قدْر من التوازن المادي بين طبقات المجتمع.

أمّا القيود المفروضة على المِلْكية، فهي قيود ضرورية تحدّ من أخطار المِلكيّة وتوجِّهها الوجهة الصحيحة, وقد جاءت النصوص من القرآن والسُّنّة تمنع الضرر وتنهَى عنه، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضِرَار)).

وبناءً على هذا، لا يجوز للملكيّة الفردية أن تنمو نموًّا يُلحق الضّرر بالمصالح الجماعية؛ فإذا كانت المِلكيّة تنمو عن طريق الإضرار بالأفراد أو المجتمع، أو بالدّولة كحالات الاحتكار مثلًا، والغشّ والاستغلال، وجميع صوَر أكْل أموال الناس بالباطل، أو حتى عن طريق مخالفة المبادئ الأخلاقية التي أوجب الإسلام رعايتها -فعندئذٍ يَملك وليّ الأمر العادل, أن يقيِّد هذه الملكيّة بالقيود التي تحدّ من أخطارها، ويتّخذ لذلك كل الوسائل التي تؤدِّي لتحقيق المصالح العامة، وترفع الأضرار عن المجتمع، فضلًا عن التكليفات الشرعية الأخرى الواردة على الملكية في الإسلام، مثل: وجوب استثمار المال إذا كان من مصادر الإنتاج، وتوجيه هذا الاستثمار إلى ما تُمليه ضرورات المجتمع، واتّباع أفضل السّبل في استثمار هذا المال، وغير ذلك كثير.

error: النص محمي !!