Top
Image Alt

أهل السنة يثبتون الصفات من غير تكييف ولا تمثيل

  /  أهل السنة يثبتون الصفات من غير تكييف ولا تمثيل

أهل السنة يثبتون الصفات من غير تكييف ولا تمثيل

أولًا: بيان معنى قول أهل السنة والجماعة: من غير تكييف ولا تمثيل، لأننا نسمع كثيرًا أن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، فنودّ أن نعرف هنا ما المراد بهذه العبارة، وهذه العبارة عبارة مهمة، وفيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة؛ لأن التكييف هو جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل.

مثال ذلك قول الهشامية عن الله: طوله كعرضه، أو قولهم: طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه، وعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل، فالتكييف ليس فيه تقيد بمماثل، وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.

ولعلني أقول بأن الصواب في هذا أن التكييف أعم من التمثيل فكل تمثيل تكييف؛ لأن من مثَّل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة، أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة، وليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل لصفات المخلوقين كقولهم: طوله كعرضه.

أما معنى قول أهل السنة: من غير تكييف، أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: من غير تكييف أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف؛ إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته عز وجل؛ لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.

وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك -رحمه الله تبارك وتعالى-: “الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة”. أخذ العلماء من هذا القول قاعدة ساروا عليها في هذا الباب، وهو أننا لا نعرف كيفية الصفات. هذا هو معنى قول أهل السنة: من غير تكييف.

وأما معنى قولهم: ومن غير تمثيل، فالمثيل لغة هو الند والنظير، والتمثيل هو الاعتقاد في صفات الخالق أنها مثل صفات المخلوقين، وهو قول الممثل مثلًا: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عز وجل عن قولهم علوًّا كبيرًا.

والتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة، فالمماثلة هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه، والمشابهة هي مساواة الشيء بغيره في أكثر الوجوه، ولكن التعبير كما أشرت سابقًا بنفي التمثيل أولى لموافقة لفظ القرآن، وذلك في قول الحق تبارك وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} ولقوله جلا في علاه: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74]، وقد وقع في التمثيل والتكييف المشبهة الذين بالغوا في إثبات الصفات، إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق، والله عز وجل منزَّه عن ذلك.

ب. بيان أن المعطلة ممثلة:

وهذه حقيقة يجب أن يقف عليها طالب العالم، وسأبيِّنها فيما ذكره أهل العلم؛ لأن أهل العلم -رحمهم الله تبارك وتعالى- ذكروا قاعدة مهمة في ذلك قالوا فيها: إن كل معطل ممثل وكل ممثل معطل، فكل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل، وسأبيِّن ذلك الآن في هذه النقاط، وهي: كيفية جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل، كيف جمع المعطلة وهم معطلة نافون للصفات، كيف جمعوا بين التعطيل وهو نفي الصفات، وبين تمثيل الخالق بالمخلوق جل في علاه؟

أقول: أما تمثيل المعطلة أو التمثيل الواقع من المعطلة، فإنهم لما لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، شرعوا في نفي تلك المفهومات، وهذا في الحقيقة منهم تشبيه وتمثيل للمفهوم من أسماء الله تبارك وتعالى، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاته. هؤلاء المعطلة لما سمعوا الصفات لم يفهموا منها إلا ما هي قائمة بالمخلوق، فإذًا وقعوا في التشبيه والتمثيل بناءً على ذلك، فأرادوا أن يفروا من هذا فوقعوا في التعطيل، وتعطيلهم كان في نفيهم لما يستحقه ربنا سبحانه وتعالى من الأسماء والصفات اللائقة به.

وبذلك يكون هؤلاء المعطلة قد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، فمثلوا أولًا وعطلوا آخرًا، وامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات. مثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل لأن بالمثال يتضح المقال، فأضرب هنا مثالًا لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل فأقول مثلًا: نصوص الاستواء التي جاء فيها مثل قول الحق تبارك وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].

نجد أن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال ونحو ذلك من الكلام، فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم، وكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء أن يليق بجلاله وكماله ويختص الله به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله تعالى، وهنا أقول بناءً على هذا المثال: إن أهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:

الأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.

الثاني: أنهم عطلوا النصوص عن ما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.

الثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.

الرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات والمعدومات.

كيف جمع أهل التمثيل بين التعطيل والتمثيل؟

هو ممثل ومشبه ولكنه عطل من وجوه ثلاثة:

أحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله، لا على مشابهة الله -تبارك وتعالى- لخلقه.

الثاني: أنه إذا مثَّل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل بالمخلوق الناقص.

الثالث: أنه إذا مثَّل الله تبارك وتعالى بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه، وذلك كمثل قول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وكقوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد} [الإخلاص: 4] إذًا تعطيل الممثل وقع منه من خلال هذه الوجوه الثلاثة.

أما تمثيله فأقول في بيانه بأنهم يقولون: إن الله عز وجل لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فلا بد أن يكون استواؤه كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يُعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.

والقول الحق في ذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة الأمة الوسط، من أن الله -تبارك وتعالى- مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله وكماله سبحانه ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، سبحانه جل في علاه وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراب التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها؛ لأن صفات رب العالمين سبحانه على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وكماله، بخلاف صفات المخلوقين، وسيأتي لذلك بيان واضح شافٍ إن شاء الله تبارك وتعالى.

غير أنني أود أن أدفع هنا التهمة عن أهل السنة والجماعة بأنهم يقعون في التشبيه أو التمثيل، فهم والله أثبتوا الصفات على ما يليق بجلال الكريم الباري، سبحانه وتعالى جل في علاه، دون تشبيه لهذه الصفات بصفات المخلوقين، أو ذكر كيفية لهذه الصفات؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يعرفون ما هو عليه سبحانه وتعالى في نفس الأمر، ولأنهم وقفوا عند قول الحق تبارك وتعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}[طه: 110].

فالله عز وجل كما ذكر أئمة أهل السنة والجماعة ومنهم الإمام العلامة ابن القيم -رحمه الله- قال: “إن الله هدى أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى، فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين وهديًا بين ضلالتين فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف.

بل طريقتنا -أعني طريقة أصحاب سواء السبيل، أعني طريقة أهل السنة والجماعة- إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات، فهم لا يعطلون ولا يؤولون ولا يمثلون ولا يجهلون على رب العالمين جل في علاه، ولا يقولون أيضًا بأن الله ليس له يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استوى على عرشه، كما أيضًا لا يقولون: له يدان كأيدي المخلوقين ووجه كوجوه المخلوقين، وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.

ولكنهم يقولون وهو الحق: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين، وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين، وكذلك يقولون في سائر الصفات كوجه الله تبارك وتعالى ويديه وسمعه وبصره وكلامه واستوائه”.

وهنا أقرر بأننا عندما نقول بأن رب العالمين سبحانه وتعالى لا يشبه أحدًا من خلقه، وأن أهل السنة لم يقع واحد منهم في التشبيه ولا التكييف، أود أن أقول بأنهم أثبتوا الصفات مع ذلك، فلا يمنعنا من ألا نشبه الله بخلقه أن ننفي عنه صفات الجلال والكمال سبحانه وتعالى جل في علاه؛ لأن هذه الصفات ثابتة له على ما يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى جل في علاه.

جـ. ذكر قاعدة عظيمة في امتناع التمثيل في صفات الله تبارك وتعالى:

وأنا أرى أن ذكر هذه القاعدة في هذا الموطن مهم؛ لأن التمثيل أيضًا ضرره بالغ، وقد وقع من قوم في الأصل لا يدينون بدين الإسلام، كما أشرت إليهم آنفًا وهم اليهود، وقد تبعهم على ذلك الرافضة، ومعلوم فساد معتقد هؤلاء القوم في الله وفي النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصحابة رضي الله عنهم وفي أولياء الله الصالحين وأئمة وآل بيت النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

فلا بد من التأكيد في هذا الموطن على ذكر مثل هذه القاعدة المهمة، التي اتبعها أهل السنة وقالوا بها وعملوا بمقتضاها، ولم يقع واحد منهم بفضل رب العالمين سبحانه وتعالى -جل في علاه- في أي لون من ألوان التمثيل أو التشبيه، وإن نسبهم البعض إلى ذلك فهو من الزور والبهتان، وأنا أذكر هذه القاعدة لأدفع بها أيضًا عن أهل السنة ما نسب إليهم من أنهم وقعوا في أي لون من ألوان التمثيل، أو ما نسب إليهم من تشبيه أو تجسيم.

ونص هذه القاعدة كما يلي: قد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلًا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق يجب وجوده وقِدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه بل يجب حدوثه وإمكانه.

هذه في الحقيقة كما ذكرت قاعدة عظيمة، تحتاج إلى شرحها وبيانها وتحليلها، وأشرح وأحلل وأبيِّن هذه القاعدة بتوفيق الله عز وجل فأقول: هذه القاعدة أصل عظيم شريف من أصول البحث والمناظرة، يرجع المقصود منه إلى عدة أمور:

أولًا: إبطال تمثيل الخالق بالمخلوق.

ثانيًا: إبطال التعطيل، فقيامه على فرض التشبيه، يعني أن التعطيل قام على التشبيه، بمعنى أن المعطل لما شبه الله بخلقه، ولم يفهم من صفات الخالق إلا ما يلاحظها في المخلوق، فهنا وقع في التعطيل، ونحن بذكرنا لهذه القاعدة العظيمة، التي فيها امتناع لتمثيل رب العالمين ولصفاته بصفات خلقه -نبطل التعطيل أيضًا.

ثالثًا: الرد على من نفى صفة من الصفات أو نفى اسمًا من الأسماء، بناءً على ملازمة الإثبات للتشبيه، أو كونها من خواص المحدثات.

رابعًا: الرد على من ادعى أن مذهب السلف مبناه على ركود الفكر، وعدم استعمال موازين العقل، وهذا أيضًا فيه سخافة ممن يقول ذلك، كيف نرمي سلف هذه الأمة الصالحين بأنهم ليس عندهم فقه وعندهم قلة في العقل، وأنهم لا يستخدمون موازين العقل؟! هذه القاعدة نرد بها على من ذهب إلى ذلك.

خامسًا: الذي نستفيده وتدل عليه هذه القاعدة إيضاح تناقض أرباب الكلام في باب موازين العقل، وذلك لأن مؤداه أن كل شيئين انعقدت بينهما صلة التماثل الكاملة، فلا بد أن يتفقا في ثلاثة أحكام:

الأول: أن يجوز على أحد المثلين ما يجوز على الآخر.

الثاني: أن يجب لأحدهما ما يجب لمثيله.

الثالث: أن يستحيل على أحدهما ما يستحيل على نظيره، وذلك مقتضى التشابه والتماثل عقلًا وشرعًا، ومن هذا المنطلق كان لا بد لكل من شبه أو عطل أو نفى شيئًا من الأسماء والصفات، أن يثبت هذه الأحكام العقلية بين الله وخلقه، وهي أنه يجوز على المخلوق ما يجوز على الله، أنه يجب له ما يجب لله، أنه يستحيل عليه ما يستحيل على الرب جل في علاه، ولا شك أن هذا باطل، فبطل إذًا التمثيل في صفات الله -تبارك وتعالى.

وبعد أن ذكرت المقصود من هذه القاعدة العظيمة، أذكر ما نفهمه نحن من هذه القاعدة، أو ما يمكن أن أطلق عليه فقه هذه القاعدة. أقول بناء على ما تقدم: أذكر هنا على وجه التفصيل النقاط التالية:

أولًا: يقال للمشبه: إنك تدعي أن الله -تبارك وتعالى- مشبه للمخلوق من كل وجه، فيلزمك بناء على هذا القول أن تقول: إنه يجب لله ويجوز عليه ويستحيل عليه ما يجب ويجوز ويستحيل على المخلوق، فيرجع قولك إلى أنه لا خالق ولا مخلوق؛ إذ ما عُهد في طباع بني آدم أن يكون المصنوع هو الصانع من كل وجه؛ لأن الشيء لا يخالف نظيره وإن منعْتَ هذا ويجب أن يُمنع ولا بد، فلا بد لك من تمييز بين المتشابهين، وهو أن أحدهما خالق والآخر مخلوق.

وعندئذ أوجبت لأحدهما صفة لم توجبها للآخر، وجوزت صفة لم تجوزها للآخر، وقلت باستحالة اتصاف أحدهما بصفة في الآخر، فأما ما أوجبت فكون الله خالقًا وغيره مخلوقًا، وأما ما استحلته فكون المخلوق خالقًا والخالق مخلوقًا، وأما ما جوزته على العبد فإمكان العدم على المخلوق إذ هو كان معدومًا، فما جاز عليه في ابتدائه يجوز عليه في انتهائه.

ثانيًا: يقال للمعطل: إن ما نفيته وادعيت فيه التشبيه والتمثيل نقول لك فيه: إن المتماثلين يجوز ويجب ويستحيل على أحدهما ما يجوز ويجب ويستحيل على الآخر، ونحن وأنتم متفقون على أن الله لا يماثله شيء، وإثبات الصفات لا يستلزم ذلك؛ نظرًا لأنه لو جاز للمخلوق أن يتصف بصفات الخالق، للزم أن يجوز عليه ما يجوز عليه، ويجب له ما يجب عليه، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، وهذا لا نقول به ولا تقولون أنتم أيضًا به، وعليه فيجب إثبات الصفات لله مع نفي مماثلة أحد له فيها.

ثالثًا: أن يقال لمن نفى شيئًا وأثبت شيئًا: إن ما نفيته أو ادعيت فيه التمثيل والتشبيه، معلوم أنه قد بني على قولك بأن هذه الصفات التي أثبتتها النصوص فيها تشبيه للخالق بالمخلوق، ولو كان الأمر كذلك للزم أن يجب ويجوز ويستحيل على الله -تبارك وتعالى، ما يجب ويجوز ويستحيل على المخلوق، وهذا ما لا نقوله ولا تقوله أنت، وبناء على ذلك ومن خلال هذه القاعدة وهذا التحليل والفقه، يجب إثبات الصفات التي نفيتها مع نفي المماثلة، وإلا لزم نفي الصفات كلها بهذه الدعوى.

رابعًا: أن في اعتبار السلف لمثل هذا الأصل في باب الأسماء والصفات، دلالة على أن السلف لا ينكرون موازين العقول السليمة، ولكنهم يبنون نظرتهم إلى مقاييس العقل على عدة أمور. في الحقيقة يظن بعض الناس أو الخلف أن السلف ليس عندهم فقه في هذه المسائل، وأنهم لا يستخدمون مسائل العقل، وفي هذا في الحقيقة طعن على سلف الأمة الصالحين.

والحقيقة والصواب أن السلف يعطون العقل حقه ويعرفون له منزلته، ولا يتخطون بالعقل إلى حد فوق حده، وعندما ينظرون ويبحثون في المسائل العقلية يبنون نظرتهم -كما ذكرت- إلى مقاييس العقل التي وضعوها على عدة أمور، وهي كالتالي:

  • أن في النصوص غناء عنها فلا يحتاج إليها مع ورود الشرع؛ إذ هو المأمور بالرجوع إليه. قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [التغابن: 12].
  • أن العقل الصحيح لا يخالف نصوص الشرع وموازينه، بل يوافقها من كل وجه، ولذا فإن العقل من شواهد الشرع، فالعقل الصحيح لا يتناقض أبدًا مع النقل الصريح الصحيح الوارد عن الله، أو الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • أن الشرع ربما جاء بما تحار العقول في تصوره، فلا يرجع إليها في مثل ذلك، ولكن الشرع لا يأتي أبدًا بما يخالف العقول السليمة والمقاييس الفكرية المستقيمة، وإنما لم يرجع إليه في الأول لعدم قدرته على تصورها، والعلم بالشيء فرع عن تصوره، وبذكري لهذه الأمور المهمة والمقاييس العقلية الدقيقة يظهر لنا أن السلف يفهمون هذه الأقيسة العقلية، ويتعاملون معها تعاملًا صحيحًا من منطلق سليم.

خامسًا وأخيرًا: تناقض هؤلاء في موازين العقل ظاهر وبيِّن؛ لأنهم لما شبهوا الله بخلقه وقعوا في الصفات، ثم بعد ذلك لما شبَّهوا الله بخلقه نفوا الصفات، ثم بعد ذلك ذكروا التشبيه أو لوازم التشبيه إلى سلف هذه الأمة الصالحين، وهذا كله باطل لا يتلاءم ولا يستقيم مع منهج السلف الصالح.

error: النص محمي !!