Top
Image Alt

أهل السنة يصفون الله بما وصف به نفسه في الكتاب والسنة

  /  أهل السنة يصفون الله بما وصف به نفسه في الكتاب والسنة

أهل السنة يصفون الله بما وصف به نفسه في الكتاب والسنة

أ. بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر أتم بيان:

أود أن أبيِّن أولًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أحكم الباب في هذه المسألة غاية الإحكام؛ لأنها أمر -أعني هذه المسألة- تتعرض لرب البرية سبحانه، وما يجوز في حقه أو يستحيل عليه، وأنصح الناس لهذه الأمة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أقول: إنه لا يمكن أن ينتقل إلى ربه دون أن يبيِّن غاية البيان، وأن يفصل هذه المسألة أتم تفصيل، وأن يحكم القول فيها حتى لا يدع مجالًا لمفترٍ على الله عز وجل أو متقول عليه، وحتى يكون صلى الله عليه وسلم، والأمر كذلك قد نصح للأمة غاية النصح.

وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أفضل من صوَّر منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وبيَّن أن النبي صلى الله عليه وسلم أحكم القول في هذا الباب، وذلك عندما سئل عن قول العلماء في آيات الصفات، فأجاب -رحمه الله تبارك وتعالى- بفتوى سميت بـ(الفتوى الحموية الكبرى) أكتفي بذكر بعضها، وهو يبيِّن هذا وما أنا بصدد الحديث عنه.

قال رحمه الله في الجواب عن هذا السؤال: “الحمد الله رب العالمين قولنا فيها ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره، فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد”.

وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، وأمره أن يقول: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير، الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة.

وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته، محال مع هذا أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشتبهًا ولم يميِّز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس وأدركته العقول.

فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أفضل خلق الله بعد النبيين لم يُحْكِموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا، ومن المحال أيضًا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علَّم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: ((تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك))، وقال فيما صح عنه أيضًا: ((ما بعث الله من نبي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم)).

وقال أبو ذر رضي الله عنه: “لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا”. وقال عمر رضي الله عنه: “قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه” رواه البخاري.

ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت، أن يترك صلى الله عليه وسلم تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مُسكة من إيمان وحكمة ألا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم على غاية التمام.

ثم إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المحال أن يكون خير أمته، وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصين عنه، ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين فاقهين له لم يعرفوا لربهم ما يجب له، وما يتصف به سبحانه وتعالى جل في علاه.

إن هذا في الحقيقة من المحال بمكان، وأنا أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ غاية البلاغ، وأحكم هذا الباب، وأوضحه بما لا مزيد عليه صلى الله عليه وسلم”.

ب. الطريق إلى معرفة أسماء الله وصفاته:

بعد أن بيَّنت سابقًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أحكم باب الأسماء والصفات وبينَّه، لا بد هنا أن أتعرض لمسألة مهمة أطرحها في صيغة سؤال، فأقول: ما الطريق إلى معرفة أسماء الله وصفاته؟

وباختصار أقول: هو كتاب الله، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه سلف هذه الأمة في هذا الباب، وهم لم يخرجوا عن كتاب الله، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم. ولسائل أن يقول: لماذا أتعرض لهذا المبحث، وأقول هذا الكلام؟ فأجيب قائلًا: لم يتوقف البشر عن البحث عن الله ربهم وخالقهم لحظة، فهناك شوق عظيم فوَّار مركوز في أعماق النفوس البشرية، يدفعها إلى معرفة الله والعلم به.

وقد استخدم كثير من الباحثين عقولهم للتعرُّف إلى أسماء الله وصفاته، وتوصلوا من خلال النظر في الكون إلى بعض العلم، فقد هداهم النظر في الكون المحكم الصنع، البديع التكوين الواسع الأبعاد، الهائل الخلق، إلى أن خالقه لا بد أن يكون عليمًا، حكيمًا، قديرًا قويًّا، ولكن أنى للعقول أن تصل إلى القدر الذي يشبع نهمها في معرفة أسماء الله وصفاته، فما غاب عنها من الأسماء والصفات التي تعرّف بالله عز وجل أكثر بكثير مما عرفوه، وما عرفوه لم يقروا فيه على قرار بل كان في كثير من الأحيان مجال أخذ ورد.

والعلم بالله إن لم يقم على يقين ثابت لا يعطي ثماره الطيبة، ولقد تشكك الباحثون بالعقل المجرد في إحاطة علم الله -تبارك وتعالى- بكل شيء، وأخطئوا عندما قالوا: إن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، وسمّوه -تبارك وتعالى- بواجب الوجود كما سموه بالعقل الفعال. كل هذا ضلال وانحراف؛ لأنهم لم يهتدوا بهدي كتاب الله، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأضيف إلى هذا أيضًا فأقول: إن بعضًا من صفات الله وأسمائه لا يمكن أن يدركه الناس بعقولهم، وليس لنا طريق للعلم به إلا السمع الوارد من عند رب البرية سبحانه، وذلك كالخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الله -تبارك وتعالى- في ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، واستوائه على العرش، وإثبات السمع والبصر واليدين والوجه له.

إن التعرُّف إلى أسماء الله وصفاته عن طريق العقل وحده طريق دحض مذلة، وما يتوصل إليه الإنسان من حق قد لا يصفو لصاحبه، وقسم عظيم من هذا الباب لا يمكن أبدًا، ولا تستطيع العقول البشرية أن تدركه بعيدًا عن العلم السماوي.

يقول ابن بدران -رحمه الله -تبارك وتعالى-: “إن صفاته تعالى لا تخلو من أنها إما أن تعلم بطريق العقل أو بطريق النقل الصادق، فإن قلنا بالأول وقفنا موقف الحائر؛ لأننا نرى العقلاء قد اضطربوا اضطرابًا شديدًا في إثبات الصفات له تعالى، فبعضهم ادعى الأثنينية، يعني أن الله اثنين تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

ذهب البعض إلى أن خالق الكون ليس إلهًا واحدًا، وإنما يتعدد، ومن هنا قالت الثانوية بإلهين اثنين إله للخير، وإله للشر، وآخرون ادعوا التثليث، وقوم ادعوا الحلول، يعني أن الله عز وجل حل في مخلوقاته، وكل هذا من أوصاف المخلوق، ولا يليق بواحد منها أن يكون من أوصاف الخالق.

وكذلك القول في الكلام والسمع والبصر، فإن العقل ربما ينكر اتصاف الخالق بهذه الصفات، كما حدث للمعطلة الذين عطلوا الله عن صفاته، وسيأتي حديث عنهم بتفصيل إن شاء الله -تبارك وتعالى- في كتب أخرى.

فالعقل إما ينكر اتصاف الله بهذه الصفات، وإما أن يثبتها على وفق ما هي للمخلوق، كما حصل من المشبهة المجسدة، وإما أن يتردد بين النفي والإثبات، فيبقى حائرًا لا يدري إلى أي طريق يذهب.

إن الله -تبارك وتعالى- غيْبٌ لم نشاهده ولم نره، وقد أمرنا سبحانه وتعالى بالإيمان به وخشيته بالغيب، وطريقه معرفة الغيب، أعني الخبر الصادر والصادق عن الله -تبارك وتعالى- وتقدس، فليس لنا طريق إلى معرفة ما غاب عنا، وما يتعلق بصفات ذي الجلال والكمال سبحانه وهو غيب جل في علاه، إلا أن نرجع في خبر الله عز وجل.

وقد يسأل سائل: لماذا؟ أقول: لأنه لا يجوز لنا أن نتحدث عن الغيب بغير دليل ولا برهان، والله -تبارك وتعالى- نهانا أن نتحدث أو أن نخوض في أمر بلا علم.

قال تبارك وتعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} [الإسراء: 36] وقد ذم الله -تبارك وتعالى- قومًا زعموا أن الملائكة إناثًا، وجعل هذه المقالة منهم شهادة سيسألهم عنها عندما يوقفهم بين يديه، وذلك لأنهم وصفوا الله بما لا يليق به. قال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُون} [الزخرف: 19].

فإذا كان القول بغير علم في الملائكة هذا شأنه، فكيف بالقول على الله بغير علم؟! إن القول على الله بغير علم جريمة توضع في مصاف الجرائم الكبرى في ميزان الحق وشرعه، والله عز وجل قد حذَّر من ذلك أشد التحذير، ونهى عنه سبحانه وبيَّن عاقبة مرتكبيه، ومن ذلك ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [الأعراف: 33].

إذًا الطريق الآمن بعد فساد الطرق كلها، طرق العقل أو القياس أو الشك أو الترديد، كل هذه الطرق طرق فاسدة لا توصل بحال إلى معرفة ما عليه صاحب الجلال والكمال -سبحانه جل في علاه، والطريق الصحيح الآمن الذي يقودنا إلى معرفة الباري -جل وعلا- هو طريق الوحي، الذي جلى لنا هذا العلم أعظم تجلية، وهذا السبيل سبيل نير مأمون العواقب؛ لأن مصدره العليم الخبير سبحانه، وهو أعلم بنفسه من نفسه، ثم رسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو أعلم الخلق بالله والذي يوحي ربنا إليه.

ولا يوجد بحال أحد أعلم بالله من الله، كما لا يوجد في خلق الله أحد أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا فإن مجال الحديث حول هذه الموضوعات سيقتصر على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وسأستعين في فهم هذه النصوص بما تركه لنا وذكره لنا أهل العلم من تفسير وتوضيح، وقد أحببت أن أذكر هذا هنا، وأنا أتحدث في بداية الكلام عن أسماء الله وصفاته؛ لأبيِّن في أول حديثي عن الصفات المنهج الحق الذي يجب أن يُتَّبع، وأنه هو الطريق الصحيح، وأن ما عداه لا يؤدي إلى معرفة صحيحة بعلام الغيوب، سبحانه وتعالى جل في علاه.

جـ. أهل السنة والجماعة يثبتون الصفات لله على وجه الحقيقة:

هذه مسألة أيضًا مهمة لا بد أن أبيِّنها قبل أن أدخل في خلاف حول هذه الموضوعات، فأقول: الحقيقة أن الله -تبارك وتعالى- وصف نفسه بصفات كما سمى نفسه بأسماء، وما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه هو حق على حقيقته، كما يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى جل في علاه؛ لأن الصفات التي يتصف بها المخلوق الجميع يوقن ويعلم أنها تقوم به على وجه الحقيقة، فالخالق أعلى وأعظم، وأجل أن تقوم صفاته به على وجه الحقيقة، ولكن على وجه يليق بجلاله سبحانه وتعالى وكماله.

ولهذا سأذكر هنا بعض الصفات الثابتة لله عز وجل وقد وصف الله -تبارك وتعالى- بها نفسه، وقد يوصف بها المخلوق، ولكن ما يضاف منها للمخلوق لا يشبه فيه هذا المخلوق رب العباد سبحانه وتعالى جل في علاه، فالله عز وجل مثلًا وصف نفسه بالقدرة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما وصف بعض المخلوقين بالقدرة. قال تعالى: { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] فأسند القدرة لبعض الحوادث ونسبها إليهم.

ونحن نعلم أن كل ما في القرآن حق، وأن للمولى جل وعلا قدرة حقيقة تليق بجلاله وكماله، كما أن للمخلوقين قدرة حقيقية، ولكنها تناسب حالهم، وعجزهم، وفناءهم، وافتقارهم، وبين قدرة الخالق والمخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، وحسبك بونًا شاسعًا بذلك.

والله -تبارك وتعالى- أيضًا وصف نفسه بالسمع والبصر في غير ما آية من كتابه، فقال عن نفسه جل في علاه: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} [الحج: 75]، وقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11] ونجد مع هذا أنه سبحانه وتعالى وصف بعض الحوادث بالسمع والبصر، فقال جل في علاه: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، وقال سبحانه: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: 38].

ونحن لا نشك أن ما في القرآن حق، فلله -جل وعلا- سمع وبصر حقيقيان لائقان بجلاله وكماله، كما أن للمخلوق سمعًا وبصرًا حقيقيين مناسبين لحاله من فقره وفنائه وعجزه، وضعفه، وبين سمع وبصر الخالق، وسمع وبصر المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق.

ولكي أوضح هذه المسألة في صفة السمع مثلًا أذكر هذه المسألة، فأقول: الله -تبارك وتعالى- أخبر في كتابه أنه سمع امرأة كانت تجادل النبي صلى الله عليه وسلم والتي نزل بشأنها آيات في سورة المجادلة، هذه المرأة أتت لتخاصم وتجادل النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها الذي قال لها: “أنت عليَّ كظهر أمي” وتقول للنبي صلى الله عليه وسلم: “إن لي منه أولادًا إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن تركتهم إليه ضاعوا” والنبي صلى الله عليه وسلم لا يخبرها بشيء؛ لأنه ينتظر الوحي من عند ربه؛ لأنه لم يكن عنده حكم في هذه المسألة.

هذه المرأة أتت، وتحدثت مع النبي صلى الله عليه وسلم وتكلمت معه في غرفة أم المؤمنين عائشة، ومع هذا فأم المؤمنين عائشة لم تسمع من كلامها شيئًا، رغم أن أم المؤمنين عائشة تتصف بصفة السمع إلا أن سمعها محدود، أما رب العباد سبحانه وهو مستو فوق عرشه سمع كلامها وحوارها مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأنزل قوله سبحانه: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة: 1].

فأثبت أنه يسمع سبحانه، وأنه يتصف بصفة السمع العظيمة، وأنه سمع صوت هذه المرأة مع مخافتتها، أعني: كلامها بصوت منخفض للغاية مع النبي صلى الله عليه وسلم لدرجة أن أم المؤمنين عائشة وهي قريبة منها لم تسمع من كلامها شيئًا، ولذلك لما نزلت هذه الآية قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “سبحان من وسع سمعه الأصوات؛ لقد كانت المجادلة بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم ولم أسمع من كلامها شيئًا، وسبحان من سمع صوتها من فوق سبع سموات”.

أيضًا رب العباد يتصف بالحياة، وقد ذكر ذلك في أكثر من آية، فقال جل في علاه: {اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} [آل عمران: 2]، وقد تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} [الفرقان: 58]، وقال سبحانه: {هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو} [غافر: 65]، ووصف أيضًا بعض المخلوقين بالحياة، فقال جل في علاه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]، وقال تبارك وتعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15]، كما قال أيضًا: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: 19].

ونحن نقطع بأن لله -جل وعلا- صفة حياة حقيقية لائقة بكماله وجلاله، كما أن للمخلوقين حياة مناسبة لحالهم، وعجزهم وفنائهم، وافتقارهم، وبين صفة الخالق والمخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، وذلك بون شاسع بين الخالق وخلقه سبحان ربي جل في علاه.

أيضًا لو جئنا إلى صفة العلم نجد أن الله -تبارك وتعالى- وصف نفسه بالعلم فقال: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [الحجرات: 16]، كما قال سبحانه: {لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]، وقال سبحانه: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِين} [الأعراف: 7]، هذه آيات هي نسبة العلم إلى رب العالمين جل في علاه اسمًا ووصفًا، ومع هذا نجد أن الله -تبارك وتعالى- وصف بعض المخلوقين بالعلم، فقال: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيم} [الذاريات: 28]، وقال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68].

ولا شك أن للخالق -جل وعلا- علمًا حقيقيًّا لائقًا بكماله وجلاله محيطًا بكل شيء، كما أن للمخلوقين علمًا مناسبًا لحالهم، وفنائهم وعجزهم، وافتقارهم، وبين علم الخالق والمخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق.

وإذا جئنا إلى صفة أخرى كصفة الكلام نجد أن الله عز وجل وصف نفسه بصفة الكلام فقال: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقال تبارك وتعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} [التوبة: 6] والله عز وجل يتصف بهذه الصفة على ما يليق بجلاله وكماله جل في علاه.

ولعل أخي الطالب قد عرف أن الله عز وجل يتصف بهذه الصفة على ما يليق بجلاله وكماله، وأن الله عز وجل يتكلم بحرف وصوت، وأن كلامه بصوت يسمع، وأنه سبحانه لا يشبه أحدًا من خلقه في صفة الكلام أبدًا؛ لأن الله عز وجل وصف بعض المخلوقين بالكلام فقال: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِين} [يوسف: 54].

ولا شك أن للخالق تعالى كلامًا حقيقيًّا لائقًا بكماله وجلاله، كما أن للمخلوقين كلامًا مناسبًا لحالهم، وفنائهم وعجزهم، وافتقارهم، وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، ولو أردت أن أستعرض كثيرًا من الصفات في ذلك لاستعرضت، ولكن حسبي بما ذكرت في أن الله عز وجل عندما ينسب إلى نفسه الصفات اللائقة بجلاله وكماله، فعلينا أن نوقن أن رب العالمين يتصف بها على وجه الحقيقة، ولكن اللائقة بجلاله وكماله، ونحن لا نعرف كنه هذه الصفة، وما هي عليه في حقيقة الأمر؛ لأن هذا مما استأثر الله عز وجل به، وسنذكر هذا في درس تالٍ إن شاء الله تعالى.

ولكني أردت هنا أن أبيِّن فقط أن ما أضافه الله إلى نفسه من أسماء وصفات، يجب أن نؤمن به على وجه الحقيقة، وأن الله -تبارك وتعالى- عندما يتصف بهذه الصفات لا يشبه فيها ربنا سبحانه أحدًا من المخلوقات.

error: النص محمي !!