Top
Image Alt

أهل الشورى

  /  أهل الشورى

أهل الشورى

من أعوان القاضي: أهل الشورى:

الشورى معناها: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، والشورى في القضاء وفي غير القضاء في غاية الأهمية، وهي في القضاء أكثر أهمية من غيرها من الأمور، وترجع أهميتها إلى أن الإنسان مهما بلغ علمه لا يمكن أن يحيط بكل شيء؛ فهذا محتاج إلى سنوات طويلة يحصل فيها المعرفة، والإنسان بطبعه لا يستطيع أن يحيط بكل الأشياء، فهو محتاج إلى من هو أكثر منه علمًا وخبرة، ولما كان في الشورى من تعدد الآراء وتمحيص للأفكار؛ لذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه, مع رجاحة عقله؛ فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} [آل عمران: 159].

ولأهمية الشورى في الحياة بوجه عام, وفي القضاء على وجه الخصوص جعل الله الشورى من سمات المجتمع المسلم؛ فقال تعالى عن المجتمع المسلم: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].

قال المازريُّ وهو أحد علماء المالكية: القاضي مأمورٌ بالاستشارة ولو كان عالمًا؛ لأن ما فكر فيه الفقهاء, وبحثوه تثق النفس به ما لا تثق بواحد إذا استبدَّ برأيه. وهو كلام دقيق وصحيح؛ لأن النفس تطمئن إلى ما تداولته الأفكار، ومحصته الآراء, واشترك في الوصول إليه أكثر من واحد؛ فالنفس تطمئن إلى ذلك أكثر مما تطمئن إلى مجرد رأي واحد استبدَّ بهذا الرأي؛ فقد يخطئ كثيرًا، وقد يصيب قليلًا.

من هم أهل الشورى الذين يستعين بهم القاضي، فيستشيرهم فيما يعرض له من أمور، ويعرض عليه من قضايا؟

إنهم أهل العلم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومن يكون لديه علم بالآثار عن الصحابة، ولديه خبرة وحفظ وضبط لأقوال الفقهاء السابقين والأئمة المجتهدين فيستشيرهم القاضي، ويستعين بآرائهم في الكشف عما غمض عليه من القضايا الشائكة، ويختار من آرائهم ما يراه أقرب إلى الصواب.

إذًا: شورى العلماء في غاية الأهمية، وامتاز قضاة الأندلس خلال ثمانية قرون بوجود مكاتبات بعضهم إلى بعض، واستشارة بعضهم بعضًا حتى يقال: إن وظيفة المستشار الموجودة، والدرجة الموجودة في سلك القضاء مأخوذة عن هذه الاستشارة.

إذًا: القاضي يستعين بأهل الشورى, لكن هل لهم شروط غير أن يكونوا من أهل العلم -أي: من أهل الفقه في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفي أقوال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين؟

نعم، يشترط في أهل الشورى:

– أن يكونوا مع العلم عدولًا، عدالة المخبر لا عدالة الشاهد, أي: المخبر عدل له شروط العدالة؛ لأنه يوجد عند علماء الحديث تحديد لمن هو العدل، فعلماء الحديث يقولون عن العدل: هو الشخص الذي يلتزم بتقوى الله، ويتصف بالمروءة؛ لكن العدالة في الشاهد تعني أن يكون غير فاسق بل يكون مستقيمًا، معروفًا بين الناس بأنه يؤدِّي الفرائض والنوافل، ولا يُعرف عنه أيُّ انغماس في المعاصي؛ فهذا ولو كان مستورًا تُقبل شهادته, لكن المخبر علماء الحديث وضعوا له شروطًا أشدّ.

– وأن يكونوا من أهل الاجتهاد في النوازل، وذلك أن القاضي إنما يُشاور أهل العلم؛ فوجب أن يكونوا من المجتهدين, لكن له أن يشاور من أهل العلم الأعمى، والمرأة، والعبد أيضًا؛ فلا يشترط أن يشاور الرجال، ولا أن يشاور المبصرين، ولا أن يشاور الأحرار؛ لأن هؤلاء تُقبل أخبارهم.

أما موضوع الشورى, فإن القضايا التي تُعرض على القاضي نوعان:

النوع الأول: القضايا السهلة الواضحة التي وردت فيها النصوص -نصوص الكتاب، أو نصوص السنة- أو سبق للعلماء أن حسموها وكان فيها إجماع أو اتفاق, وهذه لا تحتاج إلى شورى.

النوع الثاني: نوازل مستجدات حادثة لم يرد فيها نص من كتاب الله، ولا نص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ورد فيها ذلك, ولكن اختلف فيها العلماء؛ لأنها من مسائل الاجتهاد, فهنا تكون المشورة ليتنبَّه القاضي بمذاكرة العلماء إلى ما يجوز أن يخفى عليه من وجه الدلالة في النصوص، فيتضح له الأمر، ويُنار له الطريق -طريق الاجتهاد- فيسلكه وهو آمن مطمئن، فيأتي حكمه صائبًا أو قريبًا إلى الصواب.

إذًا: أهل الشورى من الأعوان الذين يستعين بهم القاضي حتى يصل بهم، ومعهم إلى الطمأنينة؛ فيحكم بالعدل، والقسطاس المستقيم.

error: النص محمي !!