Top
Image Alt

أهمية الخطابة

  /  أهمية الخطابة

أهمية الخطابة

للخطابة أهمية كبيرة، وتنبثق أهمية الخطابة من أمور:

أولًا: أنها حاجة نفسية.

ثانيًا: أنها ظاهرة من ظواهر المجتمع البشري.

ثالثًا: وحدتها الكلمة بسحرها وفاعليتها.

رابعًا: أنها سلاح من أسلحة الدعوة إلى الله  عز وجل ونتناول كل نقطة من هذه النقاط:

أولًا: كونها حاجة نفسية نقول: يولد الإنسان فيستقبل الحياة بما فيها ومن فيها، وميلاد الإنسان بداية لمرحلة من مراحل الصراع مع نفسه، ثم مع بيئته في محاولة إثبات ذاته، وفي دوامة هذه المعاناة يحاول التعبير عن دوافعه وآلامه وآماله، بمختلف الصور بالفلسفة أو الشعر، بالصورة أو بالحركة، وبالخطابة التي هي أبرز أدوات التعبير جميعًا، وإذا احتاج الإنسان إلى الطعام فإنه أيضًا في حاجة إلى الكلام؛ لينشئ عن طريق التعبير علاقات اجتماعية مع الآخرين تستمر بها الحياة.

إن الخطابة تهدف أبدًا إلى التأثير والإقناع، معبرة عن عقيدة الخطيب ورأيه في مشكلات الحياة، تشتد باشتداد الأزمات التي ترتبط ارتباطًا جذريًّا بمصير الجماعة، وتقرير مستقبلها فهي ربيبة السلاح تواكبه، وتعوض عنه وأحيانًا كثيرة تشحذه وتحفزه، وتقتحم ملاحم الدمار، وإذ يسرد المؤرخ مثلًا حقائق التاريخ بهدوء، وصوت خفيض بعيدًا عن الانفعال، فإن وطأة الإحساس بالانحراف في ميزان الخطيب تفجر الانفعال، الذي يجعل من التعبير عنه أمرًا ملحًا لا يحتمل السكوت أو المهادنة، أو الهدوء أو التأجيل ومن ثم فحاجته إلى التعبير أشد وألزم.

ثانيًا: الخطابة ظاهرة اجتماعية من ظواهر المجتمع البشري؛ ذلك أن الإنسان مدني بطبعه لا يعيش وحده، ولا بد من جماعة ينتسب إليها ويتفيؤ ظلالها، ويستثمر طاقاته بالتفاعل معها، ومن سنن الله في هذا الاجتماع البشري الاختلاف، يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين} [هود: 118، 119] وقد يكون هذا الاختلاف:

أ. حول فكرة أو رأي.

ب. على مال أو متاع دنيوي.

ج. من أجل منصب ومن مضاعفات ذلك محاولة الإنسان إقناع غيره واستمالته، إقناعه عن طريق البرهان، واستمالته بوسيلة الوجدان، وتأخذ الخطابة هنا دورها القيادي حين يأخذ الفرد موقعه في المعارك الدائرة مهاجمًا أو مدافعًا عن طريقها.

يقول الدكتور الحوفي: منذ اجتمع الناس في مكانٍ واحد، واستوطنوه وتكلموا بلسان واحد؛ عرفوا الخطابة؛ لأنه من الطبيعي أن يختلفوا في رأي أو عقيدة، ومن الطبيعي أن يتنافسوا على غنيمة، أو متاع أو سلطة فيحاول المتغلب أن يستميل من يخالفونه، وأن يقنعهم فإذا ما أقنعهم واستمالهم فهو خطيب، وقوله خطبة.

وقد ذهب ابن رشد إلى جعل الخطابة قاسمًا مشتركًا، وجاريًا على كل لسان مهما كان مستواه الثقافي ضئيلًا، كل واحد من الناس يوجد مستعملًا لنحو من أنحاء البلاغة، ومنتهيًا منها إلى مقدارً، وذلك حق فالتاجر ينادي لسلعته بشيء من البيان بلغتهن يستعمل فيه كل وسائل الإغراء، وكل ذلك رغبة في أمر، يجتهد في استعمال عبارات خاصة؛ يجتذب بها من يريد حمله على ما يبغي ويريد. ولو تسامحنا لسمينا ذلك النحو من الكلام خطابة، هذا بالنسبة لأهمية الخطابة في كونها ظاهرة اجتماعية من ظواهر المجتمع البشري.

ثالثًا: من دلائل أهمية الخطابة: أن الخطابة وحدتها الكلمة بسحرها وفاعليتها، فالكلمة تواكب السيف وتؤازره، في غزوة أُحد ومع تفوق المشركين على المسلمين عُدةً وعددًا إلا أن قريشًا لم تكتف بهذا التفوق، بل أضافت إليه الكلمة الموحية، وذلك حين أنشدت النساء بين يدي الحرب الفاصلة قائلين:

إن تقبلوا نعانق

ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

ولذا قال نابليون: إن نسبة القوة المادية إلى القوة المعنوية كنسبة واحد إلى ثلاثة.

ونحن نقول أولًا: إنه تأثر بتفوق القوة المعنوية إزاء القوى المادية في غزوة بدر؛ إذ كان عدد المسلمين في هذه الغزوة ثلث عدد الكفار تقريبًا، فكان هذا الحكم.

ونقول ثانيًا: إن هذه الروح المعنوية ذاتها وليدة الكلمة المعبرة المؤثرة، والتي لا بد منها عند النزال، ولقد كان لكلمة نابليون أثرها السحري في قلوب جنوده عند غزو مصر؛ إذ قال: لهم تقدموا أيها الجنود، واعلموا أن أربعين قرنًا من الزمان تنظر إليكم من فوق قمم هذه الأهرام، وعلى مر التاريخ لم تفقد الكلمة فاعليتها إن الكلمات -كما قيل- لا تروي التاريخ فحسب، بل تصنعه أيضًا.

رابعًا: من دلائل أهمية الخطابة: أنها سلاح من أسلحة الدعوة، الخطابة فوق ذلك كله سلاح من أسلحة الدعوة يحق الله به الحق ويبطل الباطل، وعندما يكثر المبطلون في الأرض، ويظهر شرهم في البر والبحر، فإن الخطيب واحدٌ من الذين يتصدون لهذا الشر كسرًا لشوكته مع غيره من رِفاق السلاح على طريق الحق، يقول صلى الله عليه وسلم في بيان موقع الخطيب المجاهد بلسانه مع إخوة له: ((ما من نبيٍّ بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَنْ جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَنْ جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَنْ جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).

ولو تأملنا موقفه صلى الله عليه وسلم في قضية المرأة المخزومية التي سرقت، وجاء أسامة بن زيد ليتشفع لها لتبين لنا دور الخطبة الرئيسي في التربية، لقد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة شفاعته قائلًا: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟)) وكان يكفي هذا الاستفهام المشبع بالمرارة واللوم، ويكفي تغير وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم غضبًا لما حدث، لكنه يسكت صلى الله عليه وسلم مدة، ثم يجمع القوم ليقف فيهم خطيبًا قائلًا: ((أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يده)) فانظر كيف بقي للخطبة دورها في التحذير، والتنفير، وكيف تهز النفوس فرارًا بها من وضع إلى وضع أمثل.

ومن ثَمّ يبدو أن للخطابة أهمية كبيرة، وغاية ذات شأن خطير، وهي إرشاد الناس إلى الحقائق، وحملهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، والخطابة معدودة من وسائل السيادة والزعامة، وكانوا يعدونها شرطًا للإمارة، فهي تُكْمل الإنسان وترفعه إلى ذرى المجد والشرف؛ حيث إن الخطيب يُرشد السامع إلى ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه، ويقيم له مراسيم لتقويم عيشه والاستعداد إلى ميعاده، وحسبها شرفًا أنها وظيفة قادة الأمم من الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ومن على شاكلتهم من العلماء العاملين، وعظماء الملوك، وكبار الساسة، وفوائدها عظيمة، فهي التي تُعرّف صاحبها كيف يمتلك القلوب، ويستميل النفوس، ويحرك العواطف، ويهيج الخواطر نحو ما يريد، وهي التي ترفع الحق، وتخفض الباطل، وتقيم العدل، وترد المظالم، وهي التي تهدي الضال إلى سواء السبيل، وتفض النزاع، وتقطع الخصومات بين المتخاصمين.

ومن هنا تظهر أهمية الخطبة ومكانتها في الإسلام، فهي تدور في فلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله  عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، كما أنها تبغي السعادة للمدعوين في الدنيا والآخرة بهدايتهم إلى طريق الله المستقيم، كما أنها تتعلق بأشرف أجزاء الإنسان: روحه، ونَفْسِه، وعقله، وضميره، فغاية الخطابة: صلاح المعاش والمعاد، والفوز بسعادة الدارين، وفضلها عظيم، وشرفها جسيم؛ إذ هي تتعلق بطب الأرواح وعلاج النفوس لتصل إلى السعادة، وذلك لأن الإنسان مُركبٌ من جسم وروح، وكلاهما عُرضة للأمراض والعلل، فهو محتاج إلى طبيبين، ومتشوف إلى علاجين؛ علاج لجسمه وعلاج لروحه، وأفضل الطِّبَيْن ما أصلح أشرف الجزأين من هذا الإنسان.

كما أن الخطابة هي الدعامة التي قامت الانقلابات العظيمة والثورات الكبيرة، فقد جاء الإسلام ليدعو إلى ترك كثير من القديم، وبخاصة عبادة الأصنام والأوثان، ويجمع الناس على عبادة إلهٍ واحدٍ، ويدلهم على مكان العادات الإسلامية التي يجب أن تحل محل عاداتهم الجاهلية، فكان لا بد أن تفك الألسنة من عقالها، وتندفع هذه الألسنة تنطق بعبارات ملتهبة، وتوقظ القلوب الحائرة، ومن هنا كان ظهور الإسلام، ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدين الحق كان انقلابًا سياسيًّا ودينيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا، ليس في العرب وحدهم، بل في كل العالم، وهنا تظهر أهمية الخطابة وثمرتها الطيبة.

error: النص محمي !!