Top
Image Alt

أهمية المسجد في الإسلام

  /  أهمية المسجد في الإسلام

أهمية المسجد في الإسلام

كان الأساس الأول الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل بناء المجتمع الجديد في المدينة، الاتصال بالقوة التي لا تقهر، والسلطان الذي لا يغلب، وهو الله رب العالمين، وتمثل ذلك في بناء المسجد، ليربط الأمة بالله سبحانه وتعالى عن طريقه، وليصلهم به في الغدو والآصال، ولتقام فيه شعائر الإسلام التي طالما حوربت، واستخفى بها المسلمون في مكة، فالاتصال بالله -تعالى- يجب أن يكون الأساس الأول الذي تصدر عنه الأمة في رغباتها وآمالها، وفي حركتها وسكونها، وأن يكون هو المنطلق الذي يلهمها الرشد، ويمنحها الهداية والتوفيق، فمن غير الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يلهم الصواب، ويهدي إلى الحق، ويسد الخلة، ويذهب العلة، إنه ليس إلا الله وحده، الذي يمكن أن يصحب عباده في الدنيا بالتوفيق والرعاية، وفي الآخرة بالنجاة والقبول، كما تفضل عليهم -سبحانه- من قبل بالخلق والإيجاد.

وهذا كله إنما ينبع من روح المسجد ووحيه، إذ أنه يصل العباد بربهم في لحظات انعطاف كريم إليه -سبحانه- وكلمة مسجد نفسها وإطلاقها على أرض الله -تعالى- في قوله صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا)) توحي بأن عمل المسلم كله يجب أن يكون عبادة، وأن يكون السجود لله -تعالى- والاتصال به محور المسلم في حياته كلها، فلا عجب إذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني أول ما يبني بالمدينة المسجد، ليصل حبل الأمة بحبل السماء، وليرد الناس إلى ربهم، ليتزودوا منه ويستقووا به ويعتمدوا عليه، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه إذا حزبتهم شدة أو رابتهم أزمة هرعوا إلى الصلاة، وفي المسجد تطمئن النفوس المضطربة، وتهدأ القلوب المرتاعة، وتتنزل الطمأنينة والسكينة، وتشعر الأفئدة بالروح والراحة، والهدوء والرحمة، وهاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لبلال: ((أرحنا بالصلاة يا بلال)).

ولقد كان المسجد على عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مصدر الإشعاع الروحي والمادي للمسلمين، فهو مكان العبادة، وساحة القضاء، ومدرسة العلم، وندوة الأدب، ومعهد الثقافة الإسلامية الرشيدة، أي أنه كان لأمور الدين وأمور الدنيا معًا، ولذلك تخرج فيه قادة هداية، وصناع حضارة، ورواد معرفة، وملوك الدار الآخرة، وانطلقت منه الدعوة الإسلامية الراشدة، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولترسم لهم سبل الهداية والإصلاح، ولقد أثبت التاريخ الإسلامي، أن المسجد لعب دورًا فعالًا في صلاح الأمة الإسلامية دينيًّا، وتقدمها فكريًّا وحضاريًّا على مختلف العصور، يعرف ذلك كل من أمعن النظر في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعده من الصحابة والتابعين.

المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

وللحديث عن المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نتناوله من خلال هذه النقطة أمرين:

الأمر الأول: هو بناء المسجد.

الأمر الثاني: فهو دور المسجد.

الأمر الأول -وهو بناء المسجد- فقد نزل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول، في السنة الأولى من الهجرة، بعد أن أقام في بني عمرو بن عوف أربعة أيام، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، ثم ركب صلى الله عليه وسلم ناقته فلم تزل سائرة به لا تمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا في النزول عليهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: ((دعوها؛ فإنها مأمورة)) فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم وبركت، ولم ينزل عنها صلى الله عليه وسلم حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت فرجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها صلى الله عليه وسلم وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم وكان هذا المكان مربدًا لتجفيف التمر، يملكه غلامان يتيمان من الأنصار يكفلهما أسعد بن زرارة، فساوم صلى الله عليه وسلم الغلامين على المربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى صلى الله عليه وسلم وابتاعه منهما بالثمن. قيل: بعشرة دنانير.

وفي هذا ما فيه من وجوب المحافظة على أموال اليتامى ورعاية حقوقهم، ثم بدأ العمل وشرع المسلمون يبنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل معهم كأحدهم، ويكره أن يتميز عليهم، فكان صلى الله عليه وسلم يحمل التراب واللّبِن وينقل الحجارة بنفسه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة)).

وقد ضاعف ذلك حماس الصحابة رضي الله عنهم فأخذوا يعملون ويرتجزون:

لئن قعدنا والرسول يعمل

لذاك منا العمل المضلل

ومن هذا يؤخذ جواز الغناء العفيف إذا كان حداء للقوافل السائرة، وهديرًا للجيوش المجاهدة، وسلوى عن الهموم القاتلة، لا ذلك الذي يثير غرائز الشر، ويبعث دوافع الشيطان. وتم بناء المسجد في حدود البساطة، وجعل أعمدته من جذوع النخل، وسقفه من الجريد، وقيل له: ألا تسقفه يا رسول الله؟ فقال: ((عريش كعريش موسى، خشيبات وثمام، الشأن أعجل من ذلك)). والثمام نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، أما أرضه فقد ظلت مفروشة بالرمال والحصباء، وقد ظل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشكل مدة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لم يحدث فيه أي تغير أو زيادة، ولما كان عهد عمر رضي الله عنه أبقاه على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه وسعه وزاد في مساحته لكثرة الوافدين إليه، وجعل أعمدته من الخشب بدلًا من جذوع النخل، ولما ولي عثمان رضي الله عنه زاد فيه زيادات كبيرة، وجعل عمده وجدرانه من الحجارة المنقوشة والجص، وسقفه بخشب الساج، وقد ذكر أنه أنكر بعض الناس هذا العمل على عثمان رضي الله عنه واعتبروه إسرافًا وزخرفة، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده، أن عثمان كان يقول عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للناس: “إنكم أكثرتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من بنى مسجدًا بنى الله له مثله في الجنة))، وهذا كله يجرنا إلى الحديث عن حكم تشييد المساجد وزخرفتها أو نقشها.

أما عن تشييد المساجد بالإقامة والبناء وتضخيمها حتى تضاهي القلاع، أو تكبيرها حتى تتسع للألوف من المصلين، فما في ذلك من بأس، بل لقد استحسنه البعض لما فيه من زيادة من العناية والاهتمام بشعائر الله -تعالى- مستدلًا بقول الله -تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة، 18] والعمارة كما تكون بالعبادة والدعاء، تكون كذلك بالتشييد وتقوية البناء، وأخذًا أيضًا مما فعله عمر وعثمان رضي الله عنهما من إعادة بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وتكبيره وتوسيعه.

وأما النقش والزخرفة فقد قال عامة العلماء بكراهيتهما، ثم هم في ذلك بين محرم ومكره، غير أن الذين قالوا بالحرمة والذين قالوا بالكراهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيء من الزخرفة والنقش، أما إذا كان المال المصروف على ذلك من الباني نفسه فيرد الخلاف فيه، وقد ذكر الزركشي، نقلًا عن الإمام البغوي: أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف ويغرم القيم إن فعله، فلو فعله رجل بماله كره؛ لأنه يشغل قلب المصلين.

وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى يومًا وأمامه ستارة فيها ألوان وزخرفة، وعقب الصلاة أمرهم صلى الله عليه وسلم بإزالتها؛ لأنها شغلته عن كمال التدبر والخشوع، ولذلك فإنه لو روعيت البساطة في بناء المساجد وعدم المغالاة في الزخرفة أو التلوين؛ لكان ذلك خيرًا وأولى، فإن التمشي مع روح الإسلام أنفع وأجدى. وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما سيصير إليه حال المسلمين بالنسبة لمساجدهم وأماكن عبادتهم، فقد قال فيما رواه أبو داود، عن أنس رضي الله عنه: ((يأتي على أمتي زمانٌ يتباهون بالمساجد، لا يعمرونها إلا قليلًا)).

وأما كتابة آية من القرآن الكريم أو شيء منه في قبلة المسجد، فقد اختلف فيه، يقول الزركشي في كتابه (إعلام الساجد): ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن الكريم أو شيء منه. قال الإمام مالك: وجوزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به؛ لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك عليه.

هذا عن بناء المسجد، أما دور المسجد في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان للمسجد دوره العظيم، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فما إن تم بناءه؛ حتى بدأ المسجد يؤدي المهام التي بني من أجلها، وهي كثيرة ومتنوعة، أهمها وأعظمها نفعًا للمسلمين ما يلي:

أولًا: أداء الصلوات الخمس والجمعة، حيث يلتقي المسلمون مع بعضهم في المسجد، يجمعهم هدف واحد هو مرضاة الله  عز وجل فيدخلون المسجد بقلوب متفتحة للإيمان منطلقة إلى السماء، متحلية بالخشوع والخضوع لله  عز وجل منسلخة من أغيار الدنيا وشهواتها، ثم يقومون صفًّا واحدًا يستوي فيه الكبير والصغير، والغني والفقير، أقدامهم متراصة، وأكتافهم متزاحمة، وجباههم على الأرض ساجدة، يستوون في شرف العبودية والعبادة.

ثانيًا: المسجد مكان للتشاور بين المسلمين، ففي عظائم الأمور ينادى الصلاة جامعة، فيجتمع المسلمون في المسجد ويتشاورون في أمورهم، مثل إعداد العدة للدفاع عن المدينة أو الذهاب لملاقاة الأعداء خارجها، أو مبايعة الخليفة البيعة العامة بعد أن تم اختياره لإدارة شئون المسلمين الدينية والدنيوية، ثم يقوم الخليفة فيصعد المنبر، فيخطب خطبة يشرح فيها المنهج الذي يسير عليه مدة خلافته على المسلمين، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه عندما بويع البيعة العامة في المسجد، فقام وخطب في الناس قائلًا: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، … إلى أن قال رضي الله عنه: قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وهكذا فعل الخلفاء الراشدون من بعده.

ثالثًا: من المهام العظام التي كان يقوم بها المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكان لسكنى فقراء المهاجرين وهم أهل الصفة، يقول الله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم} [البقرة: 273].

يقول الإمام بن كثير في تفسيره لهذه الآية: يعني المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله -تعالى- وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم، ومن المعروف أنه صلى الله عليه وسلم كما قام ببناء المسجد مركز التجمع والتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه، كما قال -سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات، 13].

تم ذلك التآخي لمن سبق إلى الهجرة، أما الذين تأخروا في اللحاق بهم فلم يتمكنوا من الحصول على ما حصل عليه السابقون، فبنى لهم النبي صلى الله عليه وسلم مكان في مؤخرة المسجد، فسمي المكان صُفة، وكان يأوي إليها كل من لا أهل له ولا مال، فيجعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم نصيبًا من الزكاة والصدقات والهبات، حتى يجعل لهم سبيلًا إلى المعيشة الكريمة أو منزلًا يأوون إليه، وكان أهل الصُفة قد بلغوا أربعمائة كما في كتاب (عوارف المعارف) للسهروردي، وجمع الجميع أبو نعيم في (الحلية) وعدتهم تقرب من المائة، وقد قال أبو نعيم: كان عدد أهل الصُفة يختلف بحسب اختلاف الحال، فربما اجتمعوا فكثروا، وربما تفرقوا لغزو أو استغناء فقلوا، وكانوا يتعلمون القرآن ويصومون، ويخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى العشاء معه في الليل، أو يفرقهم على أصحابه ليتعشوا معهم في منازلهم، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كنت من أهل الصُفة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أقل أو أكثر، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه فنتعشى معه، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد)) ومن ثم يتبين أن الصفة مكان في مؤخرة المسجد النبوي، مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب ما يتزوج منهم أو يسافر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجالسهم ويأنس بهم، وكانوا فقراء، وكان صلى الله عليه وسلم يُطمئنهم بأن الله -سبحانه- سيجزيهم أحسن الجزاء على صبرهم وتحملهم شظف العيش وقسوة الحياة.

رابعًا: مدرسة للتعليم والتثقيف: كان صلى الله عليه وسلم إلى جانب محاربته للكفر في كل مكان لا يفوته أن يجلس في المسجد للعلم والتعليم، فيقبل على مجلسه هذا الرجال والنساء، حتى شكت النساء من مزاحمة الرجال، فطلبن من رسول اللهصلى الله عليه وسلم أن يجعل لهن يومًا غير يوم الرجال، فأجابهن إلى ما طلبن. عن أبي سعيد: ((أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: اجتمعن في يوم كذا وكذا، وفي مكان كذا وكذا، فاجتمعن، فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله…)) الحديث.

وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ليكون مركزًا للتعليم والتثقيف والتفقه في الدين، بتبليغ الوحي وتوضحيه في خطب الجمعة وفي مجالس العلم، وفي كل فرصة تسنح له صلى الله عليه وسلم لأنه أنسب الأماكن لهذه المهمة العظيمة، خصوصًا عند اجتماع المسلمين للصلاة في جماعة كل يوم خمس مرات، يجتمع منهم عدد كبير، يصلح للتعليم والتوجيه، وعدد أكبر يوم الجمعة، تلقى عليهم خطبه الجامعة، وإرشاداته المتنوعة، والتعليم ذكر الله سبحانه وتعالى وتذكير به -سبحانه- وبدينه وشرعه، وكان صلى الله عليه وسلم يعقد مجالس العلم في مسجده ويتزاحم المسلمون عليها، ويتنافسون في القرب منه بتمام الاستفادة، فقد روي عن الحارث بن عوف: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؛ أما أحدهم: فآوى إلى الله؛ فأواه الله. وأما الآخر: فاستحى؛ فاستحيا الله منه، وأما الثالث: فأعرض؛ فأعرض الله عنه)).

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على حضور مجالس العلم في المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)). وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من جاء مسجدي هذا، لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره)).

إن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغذي القلوب والأرواح بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، ويغذي العقول بالعلم والمعرفة الشاملة، وهذان الغذاءان عليهما حياة الإنسان، وفيهما قوته وشرفه، ولعل ما جاء من النصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية يحصر فيها مهمة المسجد، من ذلك، قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار} [النور: 36، 37]. وما رواه مسلم في صحيحه، عن أنس رضي الله عنه في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)).

المسجد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:

ظل الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يتدارسون القرآن في المسجد النبوي، ويتذاكرون فيه الحلال والحرام ليتفقهوا في الدين. روى الطبراني، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: “يا أهل السوق! ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم هاهنا! ألا تذهبون فتأخذوا نصيبكم منه؟ قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعًا، ووقف أبو هريرة لم يبرح مكانه حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة! قد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر شيئًا يقسم، فقال أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحدًا؟ قالوا: بلى، رأينا فيه قومًا يصلون، وقومًا يقرءون القرآن، وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام، فقال أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم”.

استمر الأمر هكذا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقات متصلة ودروس متتالية، إلى أن أخذ الأمر نطاقًا أوسع في عهد التابعين، فرأينا الفقهاء في المدينة المنورة، الذين استحقوا هذا الاسم عن جدارة واستحقاق لما عرف عنهم من الجد والاجتهاد في نشر العلم وتبليغه، ومن هؤلاء سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وكان يوصف بفقيه المدينة، وقد نقل عن ابن عمر -مولاه- علمًا كثيرًا وعد محدثًا ثقة، ومنهم كذلك ابن شهاب الزهري، واسمه أبو بكر محمد بن مسلم المدني، من زهرة بن كلاب، من قريش، وهو الذي يعد رأس المدونين في الحديث، وواضع علم الحديث رواية، ويلقب بأعلم الحفاظ، حتى قال عن نفسه: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري. ومع نشاطه في الحديث يعد من فقهاء المدينة من طبقة ابن هرمز وإخوانه، هؤلاء العلماء وغيرهم مما لا يتسع المقام للحديث عنهم أخذوا مكانهم في المسجد النبوي، ووفد إليهم الطلاب من كل مكان يتلقون عنهم العلم في رغبة وأمان وصدق، ثم هم بدورهم ينشرون هذا العلم ويبلغونه للناس، حتى تصل الدعوة الإسلامية إلى غايتها حسبما فرض الله -سبحانه- ذلك وأمر به.

ثم وجدت بعد ذلك على مر الأجيال والأزمان، معالم وأعلام، معالم لتلقي العلوم في مكة المكرمة والكوفة والبصرة ودمشق وبغداد والقاهرة وتونس وفارس وقرطبة وبخارى وسمرقند، وغيرها من البلدان الإسلامية التي كان بها المئات من المعاهد والكليات لأنواع متعددة من الدراسات الإسلامية، وكل هذه العلوم والمعارف كانت منطلقاتها من المساجد الجامعة في تلك البلدان، وقد كان يختار للدراسة فيها أعداد كبيرة من النابهين الأذكياء وتخرج منها الأعلام من القضاة العادلين، ومن الدعاة إلى الله -تعالى- المخلصين، ومن المدرسين في شتى أنحاء الأرض، حاملين مشاعل العلم ومصابيح المعرفة، يدعون إلى الله على بصيرة، ويرشدون أمم الأرض شرقًا وغربًا إلى هذا الدين وخصائصه، هذا إلى جانب دراسة الطب الفلك والعلوم، لكننا نجد بعد ذلك أن مهمة المسجد كمعاهد علمية وجامعات لشتى العلوم والمعارف قد تقلصت، ولم يبق منها إلا أداء الصلوات الخمس والخمس في جميع المساجد الجامعة وغيرها، ووظيفة تدريس العلوم المختلفة ودراستها والتي حفلت بها المساجد الكبيرة في كثير من الأمصار الإسلامية أزمانًا طويلة وأجيالًا متعاقبة حتى عهد قريب، قد أهملت واندثرت، ولم تبق إلا في مساجد معدودة ومحدودة مثل المسجد الحرام في مكة المكرمة، والجامع الأزهر بالقاهرة، والواجب على الحكومات والشعوب الإسلامية أن يعودوا إلى الاهتمام بالمساجد وأن يجعلوها مراكز إشعاع للعلوم والمعارف المختلفة والمفيدة؛ لتعود لها مكانتها في توجيه الأمة وتبصيرها بأمور دينها ودنياها، ينطلق منها الدعاة المخلصون، ويتخرج منها الأئمة المجتهدون.

ولم يكن الدعاة إلى الله -تعالى- عبر مراحل التاريخ المختلفة إلا الطليعة المباركة في قيادة الجماهير ضد الاحتلال، وضد الغزو الصليبي، سواء في المشرق العربي أو المغرب العربي أو غيرهما، يحثون شباب الأمة على خوض المعارك الفاصلة بين الحق والباطل، ويبثون فيهم روح الشجاعة والإقدام، ولا يخفى عنا ما قام به الإمام أحمد تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- من دور بارز في الحرب ضد التتار، فقد كان يحث القادة والجنود وجماهير الأمة على الصمود والأخوة والتعاون فيما بينهم، وما قام به الإمام عز الدين بن عبد السلام -رحمه الله- في مواجهة الحملة الصليبية السابعة على مدينة المنصورة، فكان بخطبه الحماسية يدفع بالآلاف من الشباب لخوض المعركة دفاعًا عن الدين والوطن، مما أدى إلى تحطيم هذه الحملة الشرسة وأسر قائدها، كما لا ننسى ما قام به شيوخ الأزهر من الكفاح والجهاد ضد الحملة الفرنسية الغاشمة على مصر، فقد كان هؤلاء العلماء يقودون الجماهير المصرية المسلمة بأنفسهم لمقاومة الغزاة المعتدين، مما أدى إلى ضرب الأزهر بمدافع الفرنسيين وإعدام ثلاثة عشر من شيوخ الأزهر البارزين.

هذا قليل من كثير مما قام به المسجد من دور إيجابي في السلم: نشر للعلم والمعرفة، وتخريج للعلماء والفقهاء والدعاة، وفي الحرب: حصن منيع، ومنطلق لفصائل المجاهدين المخلصين المدافعين عن دينهم وأوطانهم.

error: النص محمي !!