Top
Image Alt

أهمية النسخ، وتعريفه لغة واصطلاحًا

  /  أهمية النسخ، وتعريفه لغة واصطلاحًا

أهمية النسخ، وتعريفه لغة واصطلاحًا

لقد تكلم العلماء من الصحابة والتابعين في النسخ، وأجمعوا على وقوعه في الشريعة. ثم اختلف المتأخرون فيه، فمنهم من جرى على سنن المتقدمين فقال بوقوعه. ومنهم من خالفهم فقال بعدم وقوعه.

والحق أن أول من حرر الكلام في النسخ هو الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه (الرسالة) وهو أول كتاب ألف في علم أصول الفقه كما ذكرنا غير مرة.

أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ:

وقد بين العلماء قديمًا وحديثًا أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ، فقال القرطبي-رحمه الله- في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن): “معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه في النوازل من الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام”.

انتهى كلام القرطبي -رحمه الله- وهو كلام نفيس، فيه إشارة إلى أهمية دراسة مبحث الناسخ والمنسوخ.

وقال القاسم هبة الله بن سلامة -رحمه الله- مبينًا أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ: “فأول ما ينبغي لمن أحب أن يتعلم شيئًا من علم الكتاب -أي القرآن الكريم- الابتداء في علم الناسخ والمنسوخ، اتباعًا لما جاء عن أئمة السلف }؛ لأن كل من تكلم في شيء من علم هذا الكتاب العزيز، ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان ناقصًا، وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله  عنه أنه دخل يومًا مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلًا يعرف بعبد الرحمن بن داب، وكان صاحبًا لأبي موسى الأشعري، وقد تحلق الناس عليه يسألونه، وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له علي رضي الله  عنه: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت، أبو من أنت؟ فقال: أبو يحيى. فقال له رضي الله  عنه: أنت أبو اعرفوني. وأخذ أذنه ففتلها، وقال: لا تقص في مسجدنا بعد.

وهذا الكلام من أمير المؤمنين رضي الله  عنه فيه دلالة واضحة إلى أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ، وأن الذي لا يعرف الناسخ والمنسوخ يَهلك ويُهلك غيره؛ لأنه يفتي بغير علم.

ومما يدل أيضًا على أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ ما روي عن حذيفة بن اليمان رضي الله  عنه أنه قال: “إنما يفتي الناس أحد الثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدًّا، أو أحمق متكلف”.

وروي أيضًا عن عبد الله بن عباس أنه قال في قول الله عز وجل يعني في تفسير قول الله عز وجل: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله وأمثاله.”

إلى غير ذلك من الآثار التي تدل على أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ، فهو مبحث عظيم، وفائدته كبيرة، كما قرر غير واحد من أهل العلم.

وإذا كانت هذه معرفة أو أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ، فلا بد لنا أن نبين حقيقة النسخ لغة واصطلاحًا.

النسخ لغة: النسخ في أصل اللغة يطلق على معنيين:

المعنى الأول: الإزالة: و له قسمان:

القسم الأول: أن يزول الشيء فيخلفه غيره، يعني تكون الإزالة يخلفها شيء غير المزال، وذلك مثل قولهم: “نسخت الشمس الظل” أي: أزالته وحلت مكانه.

ومن ذلك قولهم: “نسخ الشيب الشباب” أي: أزاله وحل محله.

ونسخ الآية بالآية إزالة مثل حكمها، ومن ذلك قول الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106].

هذا القسم الأول من القسمين في المعنى الأول من معنى النسخ في اللغة، وهو الإزالة؛ فالنسخ يأتي بمعنى الإزالة، وهذا المعنى على قسمين: القسم الأول أن يزول الشيء فيخلفه غيره.

والقسم الثاني: أن يزول الشيء دون أن يخلفه غيره، وذلك مثل قولهم: “نسخت الريح آثار الديار” أي: غيَّرتها وأزالتها ولم تترك شيئًا. “ونسخت الريح آثار القدم” أي: أزالتها وأعدمتها.

ومن هذا المعنى قول الله تبارك وتعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحج: 52] أي: يزيل ما يلقيه الشيطان فلا يبقي له أثر.

هذا، والإزالة معناها الإعدام، ولهذا يقال: زال عنه المرض والألم، وزالت النعمة عن فلان. ويراد بذلك الانعدام في هذه الأشياء كلها.

هذا أيها الإخوة والأخوات حاصل المعنى الأول من معاني النسخ لغة، فهو يأتي بمعنى الإزالة، والإزالة -كما عرفتم- قد تكون إزالة يخلف عنها شيء آخر، وقد لا يخلف عنها شيء.

المعنى الثاني: نقل الشيء وتحويله:

فالمعنى الثاني من معاني النسخ لغة: نقل الشيء وتحويله، وذلك مثل قولهم: “نسخت الكتاب” أي: نقلت ما فيه إلى آخر.

وهذا المعنى -أعني المعنى الثاني للنسخ وهو النقل- يأتي على قسمين أيضًا:

القسم الأول: نقل الشيء من مكان إلى آخر مع بقائه في نفسه، تقول: “نسخت النحل العسل” أي: نقلته من خلية إلى أخرى.

هذا القسم الأول فهو نقل الشيء من مكان إلى آخر مع بقائه في نفسه.

القسم الثاني: نقل الشيء من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه. كقولهم: “تناسخ المواريث” أي: انتقالها من وارث إلى وارث مع بقائها في نفسها.

قال السجستاني -وهو من أهل اللغة-: النسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى -يعني إلى خلية أخرى- ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم.

ومن النسخ بمعنى النقل -أعني المعنى الثاني- قول الله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] أي: ننقله إلى صحف الملائكة.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأعراف: 154] أي في نسخة الألواح المنقولة عن الأصل هدى ورحمة، والأصل هو اللوح المحفوظ، أو الأصل ألواح موسى عليه السلام، والكتب التي في أيدي الناس الآن نسخة منها محرفة نؤمن بما يوافق القرآن منها ولا نؤمن بما يخالفه.

اختلاف الأصوليين في حقيقة النسخ ومجازه:

فالنسخ لغةً يطلق على الإزالة ويطلق على النقل؛ ولذا اختلف الأصوليون في كون النسخ حقيقة في كل من معنيي الإزالة والنقل، أو أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وكان خلافهم على أقوال ثلاثة:

القول الأول: أن لفظ النسخ حقيقةٌ في الإزالة، مجازٌ في النقل:

وإلى هذا القول ذهب أبو الحسين البصري، والرازي، والغزالي في أحد النقول عنه. واستدلوا على ذلك بدليلين:

الدليل الأول: أن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم: “نسخت الكتاب” مجاز؛ لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة، وإذا كان اسم النسخ مجازًا في النقل، لزم أن يكون حقيقة في الإزالة؛ لأنه غير مستعمل فيما سواهما، وإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في المعنى الآخر. هذا الدليل الأول.

الدليل الثاني: أن إطلاق اسم النسخ بمعنى الإزالة واقع كما سبق، وذكرنا من أمثلة، والأصل في الإطلاق: الحقيقة، ويلزم أن لا يكون حقيقة في النقل دفعًا للاشتراك عن اللفظ.

القول الثاني: أن النسخ حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة:

وإلى هذا ذهب القفال الشاشي من الشافعية، وأكثر الحنفية.

واستدلوا على ذلك بأن لفظ النسخ كثر استعماله في النقل، وقل استعماله في الإزالة؛ فيكون حقيقة في النقل فقط مجازًا في الإزالة، ولا يكون حقيقة فيهما؛ لما يترتب على ذلك من لزوم الاشتراك اللفظي، والأصل خلافه. هذا القول الثاني في المسألة.

القول الثالث: أن لفظ النسخ مشترك بين الإزالة والنقل:

ودليل هذا القول لاستعمال لفظ النسخ فيهما أي في الإزالة وفي النقل. وهذا الاشتراك يحتمل أمرين:

الأمر الأول: أنه مشترك بينهما اشتراكًا لفظيًّا بحيث يكون موضوعًا لكل منهما بوضع خاص.

إلى هذا القول ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب المالكي، والغزالي.

لذا قال الغزالي في (المستصفى): اعلم أن النسخ عبارة عن الرفع والإزالة في وضع اللسان -يعني: في وضع لسان العرب- فيقال: “نسخت الشمس الظل” و”نسخت الريح الآثار” إذا أزالتها. وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب فهو مشترك.

انتهى كلام الغزالي -رحمه الله-، فهو يرى أن لفظ النسخ مشترك بين الإزالة وبين النقل؛ لاستعماله فيهما.

الأمر الثاني: أنه مشترك بينهما اشتراكًا معنويًّا بحيث يكون موضوعًا للقدر المشترك بينهما، والقدر المشترك هو مطلق الرفع.

وإلى هذا القول ذهب ابن المنير في شرح البرهان، والقول بالاشتراك المعنوي أولى من القول بالاشتراك اللفظي؛ لأن الأصل عدم تعدد الوضع.

واستدل أصحاب هذا القول -أعني القول الثالث- على أنه مشترك بينهما -أعني لفظ النسخ مشترك بين الإزالة وبين النقل- بأن النسخ في اللغة قد أطلق على كلٍّ من الإزالة والنقل. والأصل في الإطلاق: الحقيقة؛ فيكون حقيقة فيهما.

ثمرة الخلاف:

لكن بقي أن نسأل أنفسنا: هل هذا الخلاف خلاف لفظي أو معنوي؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:

القول الأول: وهو الراجح، أن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا أثر له في الفروع، كما قرره سيف الدين الآمدي في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام).

القول الثاني: وهو أن الخلاف خلاف معنوي. وقد ظهر تأثيره في مسألة جواز النسخ بلا بدل، فمن قال: إنه حقيقة في الإزالة -يعني لفظ النسخ حقيقة في الإزالة- مجاز في النقل، جوز النسخ بلا بدل.

ومن قال: هو حقيقة فيهما منع جواز النسخ بلا بدل.

المعاني التي ورد لها النسخ في القرآن الكريم:

هذا، وقد جاء النسخ في القرآن العظيم لثلاثة معان ذكرها الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- في مذكرة أصول الفقه:

المعنى الأول: جاء بمعناه اللغوي النسخ في القرآن العظيم جاء لثلاثة معان؛ فجاء بمعناه اللغوي وهو الرفع والإبطال من غير تعويض شيء عن المنسوخ، وهذا كما في قوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ}[الحج: 52].

المعنى الثاني: جاء بمعناه الشرعي وهو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي، وذلك كما في قوله تعالى: { مَا نَنسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106].

المعنى الثالث: من المعاني التي جاءت في القرآن الكريم للنسخ جاءت بمعنى نسخ الكتاب كما في قوله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29].

وأما النسخ في الشرع وفي اصطلاح الأصوليين فهو بمعنى الإزالة لا غير.

تعريف النسخ اصطلاحًا:

اختلف الأصوليون في تعريف النسخ اختلافًا كبيرًا، وقبل أن نعرض أقوال العلماء في تعريف النسخ يجب أن ننبه إلى أن اختلافهم هذا يرجع إلى الخلاف في كون النسخ: هل هو رفع للحكم أو بيان لانتهاء أمد الحكم؟

وبناء على هذا الخلاف اختلفوا في تعريف النسخ اختلافًا كبيرًا، فإلى القول الأول وهو أن النسخ رفع للحكم وليس بيانًا، ذهب جماعة من الأصوليين منهم: القاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، والغزالي، وابن الأنباري، والتبريزي، واختاره ابن الحاجب -رحمهم الله جميعًا-؛ ولذلك عرفوا النسخ بتعريف يتفق مع هذه الوجهة، فقالوا: النسخ رفعُ الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه.

ومعناه: أن خطاب الله تعالى تعلق بالفعل؛ يعني بفعل المكلف، بحيث لولا طريان الناسخ ومجيء الناسخ لكان باقيًا يعني لكان الحكم المنسوخ باقيًا، لكن الناسخ رفعه.

وإلى الاتجاه الثاني وهو أن النسخ بيانٌ لانتهاء أمد الحكم، ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فعرف النسخ بأنه: بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه.

ومعنى هذا التعريف إجمالًا: أن الخطاب الأول له غاية في علم الله تعالى فانتهى عندها لذاته، ثم حصل بعده حكمٌ آخر، لكن الحصول والانتهاء في الحقيقة راجعان إلى التعليق.

وتفسير النسخ بالبيان -وهو الاتجاه الثاني عند الأصوليين- اختاره القاضي ناصر الدين البيضاوي، واختاره الإمام فخر الدين الرازي في كتابه (المحصول)، ولكنه اختار في كتاب (المعالم) أيضًا أن النسخ عبارة عن الانتهاء وحبس لفظة البيان.

واتفق بعض الأصوليين على تعريفين يمثل كل منهما أحد الاتجاهين: اتجاه الرفع، واتجاه البيان. وأحد التعريفين هو للقاضي أبي بكر الباقلاني، والتعريف الآخر هو للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني.

بينما انفرد البعض الآخر بتعريفات مختلفة، ذكر ابن قدامة -رحمه الله- منها ثلاثة في روضته.

تعريف النسخ عند القاضي الباقلاني:

وهو يمثل الاتجاه الأول أعني اتجاه أن النسخ هو رفع وليس بيانًا؛ فقال -رحمه الله- في تعريفه للنسخ هو: رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه.

شرح التعريف:

ولنتناول هذا التعريف بالشرح والتحليل والبيان، فنقول:

قول القاضي رحمه الله: “رفع الحكم الشرعي” قد عبر عنه الغزالي بقوله: “الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه”.

فقوله: “الخطاب” يعم كل خطاب، فهو يشمل المنطوق، ومفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة.

وقوله: “الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب” قيد أول في التعريف جيء به؛ للاحتراز عن الموت والمرض والجنون وجميع الأعذار الدالة على ارتفاع الأحكام الزائلة بها مع تراخيها، ولولاها لكانت الأحكام الزائلة مستمرة؛ فالدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب قيد احترز به عن الموت والمرض والجنون وجميع الأعذار الدالة على ارتفاع الأحكام الزائلة بها مع تراخيه.

وإنما قيد بارتفاع الحكم ولم يقيد بارتفاع الأمر والنهي، قال: ارتفاع الحكم ولم يقل: ارتفاع الأمر والنهي؛ ليعم الأمر والنهي والخبر وجميع أنواع الحكم من الندب والكراهة والإباحة؛ فجميع ذلك قد ينسخ؛ فالتعبير بارتفاع الحكم بدل التعبير بارتفاع الأمر والنهي لتعم عبارة ارتفاع الحكم الأمر والنهي والخبر، وجميع أنواع الحكم من ندب وكراهة وإباحة فجميع ذلك قد ينسخ.

وإنما قيد الحدّ بـ “الخطاب المتقدم” للاحتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع الأحكام العقلية قبل ورود الشرع؛ فإن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع يزيل حكم العقل ببراءة الذمة، ولا يسمى ذلك نسخًا؛ لأنه لم يزل حكم الخطاب.

وقولهم: “على وجه لولاه لكان ثابتًا” قيدٌ ثالث في التعريف جيء به؛ للاحتراز عما إذا أورد الخطاب بحكم مؤقت، ثم ورد الخطاب عند انقضاء ذلك الوقت بحكم مناقض للحكم الأول.

مثال ذلك: إذا ورد قوله عند غروب الشمس: {وَكُلُوا} بعد قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فإنه لا يكون نسخًا لحكم الخطاب الأول؛ حيث إنا لو قدرنا عدم الخطاب الثاني لم يكن الخطاب الأول مستمرًا بل منتهيًا بالغروب. هذا معنى قولهم: “على وجه لولاه لكان ثابتًا”.

أما قولهم: “مع تراخيه عنه” فهو قيد رابع في التعريف جيء به؛ للاحتراز عن الخطاب المتصل فشرط في الخطاب الناسخ أن يكون متراخيًا عن الخطاب المنسوخ؛ لذلك جيء بقوله: “مع تراخيه عنه” للاحتراز عن الخطاب المتصل، مثل الاستثناء والتقييد بالشرط والغاية؛ فإنه يكون بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام وتقديرًا له بمدة أو شرط، وليس نسخًا، وإنما يكون رافعًا أي ناسخًا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ.

هذه فائدة قولهم: “مع تراخيه عنه” وهذا هو تعريف القاضي الباقلاني بعد أن أضاف عليه الغزالي -رحمه الله- وبعد إعادة صياغته. هذا حاصل ما يقال في هذا التعريف. وقد أورد العلماء عليه اعتراضات كثيرة لا طائل من ورائها.

تعريف النسخ عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني:

التعريف الثاني للنسخ والذي يمثل الاتجاه الثاني، وهو أن النسخ بيان وليس رفعًا. هو تعريف الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، واختاره القاضي ناصر الدين البيضاوي، وحد هذا التعريف أنه: “بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه”.

شرح التعريف:

الحكم الأول: وهو الحكم المنسوخ كان له غاية في علم الله تعالى، ومدة معلومة ينتهي عندها سواء حصل عندها حكم آخر أو لم يحصل.

وقوله: “بيان انتهاء” البيان جنس في التعريف يشمل كل بيان، سواء كان بيان ابتداء كبيان المجمل بالمبين، وبيان العام بالخاص، وبيان المطلق بالمقيد، وسواء قارن ذلك البيان أو تراخى؛ فكلمة بيان في تعريف أبي إسحاق الإسفرائيني جنس تشمل كل بيان.

والبيان قد يكون بيان ابتداء، وقد يكون بيان انتهاء؛ فبيان الابتداء مثاله: بيان المجمل بالمبين، وبيان العام بالخاص وبيان المطلق بالمقيد، والبيان هذا قد يكون بيانًا مقارنًا، وقد يكون بيانًا متراخيًا، فتعبير أبي إسحاق “بيان انتهاء” يشمل البيان بنوعيه بيان الابتداء، وقد بينا.

وأما بيان الانتهاء كبيان انتهاء الحكم العقلي -أعني البراءة الأصلية- بتشريع الأحكام، وكبيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كالغفلة والموت والعجز، وكبيان انتهاء الحكم الشرعي المنسوخ بالناسخ.

وقول أبي إسحاق الإسفرائيني -رحمه الله- في تعريف النسخ: “بيان انتهاء” كلمة “انتهاء” قيد أول في التعريف، يخرج به بيان الابتداء بأنواعه، كبيان المجمل أي: بيان المعنى المراد من اللفظ الذي لم تتضح دلالته، فالمجمل: ما له دلالة لكنها غير واضحة، فقول أبي إسحاق في التعريف: “بيان انتهاء” قيد أول يعني كلمة انتهاء قيد أول في التعريف يخرج بها بيان الابتداء بأنواعه كبيان المجمل بالمبين، وبيان العام بالخاص، وبيان المطلق بالمقيد، وبيان أن المراد من القرء مثلًا الطهر؛ إذ لا يمكن إلا أن يكون بيان المجمل بيان ابتداء؛ لأنه لا يمكن العمل بالمجمل قبل البيان.

وأما بيان العام والمطلق فكذلك بيان ابتداء إن كان قبل العمل بهما يعني قبل العمل بالعام، وقبل العمل بالمطلق، إذا جاء البيان قبل العمل بهما فهو بيان ابتداء. أما بعد العمل بهما يعني بالعام والمطلق فهو بيان انتهاء، وعلى ذلك فيكون نسخًا.

وخرج بقوله: “بيان انتهاء” بيان التخصيص بأي مخصص كان متصلًا أو منفصلًا، وسيأتي أن التخصيص ينقسم إلى تخصيص متصل وتخصيص منفصل، وسواء كان متراخ أو غير متراخ ما عدا تخصيص الغاية؛ فإن هذه المخصصات تبين أن الحكم العام لم يتصل بالفرد المخرج من أول الأمر، ولا تبين انتهاء الحكم؛ لأن ذلك فرع ثبوته فيه أولًا، وهو لم يثبت فيه أصلًا، وذلك بخلاف النسخ وتخصيص الغاية؛ فإن الحكم كان ثابتًا في المحل ثم انتهى بالنسخ، وعند الغاية.

وبالمثال يتضح المقال إذا قيل مثلًا: “اقتلوا المشركين إلا العبيد”، أو قيل بعده: “لا تقتلوا العبيد على سبيل التخصيص، سواء أكان متراخيًا أم غير متراخ؛ فإن وجوب القتل لم يتعلق بالعبيد أصلًا، فإذا قيل بعد مضي مدة، وبعد العمل بالحكم في العبيد: لا تقتلوا العبيد؛ فإنه يكون نسخًا؛ لأن الحكم ثبت في العبيد أولًا ثم انتهى عند صدور النية عن قتله.

قوله: “بيان انتهاء حكم شرعي” إضافة الانتهاء إلى الحكم، خرج بيان انتهاء ما ليس بحكم، كبيان انتهاء الصفة أو زمن.

ومعنى انتهاء الحكم: يعني انتهاء تعلقه بفعل المكلف، لا انتهاء نفس الحكم؛ لأن الحكم قديم، والقديم لا ينتهي.

وقوله: “حكم شرعي” أي: ثابت بدليل الشرع، وهو قيد ثان في التعريف، خرج به بيان انتهاء الحكم العقلي، وهو البراءة الأصلية؛ فإن بيان انتهائها بشرعية الأحكام ابتداء لا يسمى نسخًا؛ فشرعية صوم رمضان مثلًا بين انتهاء البراءة الأصلية المقتضية، لترك الصوم، ومثل ذلك لا يعتبر نسخًا؛ لأنه ليس بيانًا لانتهاء حكم شرعي؛ إذ الحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، كما ذكرنا ذلك عند كلامنا على تعريف الحكم، والبراءة الأصلية ليست كذلك.

وخرج به أيضًا أي بقوله: “حكم شرعي” ما إذا اختلفت الأمة على قولين، فإن المكلف مخير بينهما، فإذا أجمعوا بعد ذلك على أحد القولين فإن القول الثاني ينتهي، ولا يصح العمل به، وليس ذلك نسخًا؛ لأن الإجماع بين لنا أنه كان خطأ من أول الأمر، فهو حكم غير شرعي.

وقولهم: “بيان انتهاء حكم شرعي” صادق، بأن يكون الحكم الشرعي الذي بُين انتهاءه ثابتًا بالأوامر أو بالأخبار أو بفعل الرسول صلى الله عليه  وسلم.

وقد شمل التعريف -أي تعريف أبي إسحاق الإسفرائيني- نسخ أي حكم شرعي سواء أكان وجوديًّا أم غير وجودي من الأحكام التكليفية أو الوضعية.

وشمل أيضًا نسخ التلاوة فقط دون الحكم، كما روي عن عمر رضي الله  عنه أنه قال: كان فيما أنزل: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة” إذ في نسخها بيان لانتهاء الأحكام الشرعية المتعلقة بها، مثل اعتقاد قرآنيتها، وجواز قراءتها في الصلاة، وتحريم قراءتها على الجنب، وتحريم مسها، وحملها على المحدث.

وقولهم: “بطريق شرعي” أي: دليل شرعي من الكتاب والسنة قيد ثالث، خرج به بيان انتهاء حكم شرعي بطريق عقلي، كانتهاء التكاليف الشرعية بالموت أو الجنون أو العجز كسقوط فرض غسل الرجلين في الوضوء بسبب قطعهما؛ فإن ذلك لا يكون نسخًا.

ولو قال بحكم شرعي لاقتصر التعريف على النسخ ببدل مع أن النسخ يأتي في النوعين يعني ببدل وبدون بدل، ولذلك عبر بلفظ طريق دون لفظ حكم ليعم النسخ ببدل والنسخ بلا بدل.

وقولهم: “متراخ عنه” وهي آخر عبارة في التعريف قيد رابع، خرج به التخصيص بالغاية والشرط والاستثناء؛ فإنه يصدق عليه أنه بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي، لكنه متصل بالعام غير متراخ عنه.

ومثال الغاية قوله تعالى: { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، فالغاية المذكورة رفعت عموم التحريم. وقوله: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فالغاية المذكورة وهي قوله: {إِلَى اللَّيْلِ} تفيد انتفاء حكم الصوم، وهو وجوب إتمامه بمجرد دخول الليل.

ومثال الشرط: قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، فإن قوله: “إن دخلت الدار” رفع حكم عموم وقوع الطلاق الذي دل عليه “أنت طالق”.

ومثال الاستثناء: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة؛ فإن الاستثناء وهو قوله: “إلا واحدة” قد رفع عموم الطلاق الثلاث حتى رده إلى اثنتين.

فهذا كله وأمثاله ليس نسخًا؛ لأنه وإن كان رفعًا لحكم بخطاب، لكن ذلك الخطاب غير متأخر فهو تخصيص لا نسخ.

error: النص محمي !!