Top
Image Alt

أهمية علم اللغة الإسلامي

  /  أهمية علم اللغة الإسلامي

أهمية علم اللغة الإسلامي

جاء الإسلام يُقدِّر العلم ويُعلي من شأنه، فدخلت البشرية به في طور جديد، ورأى العالم حضارة دينية علمية تثمر علمًا عربيًّا، ومنهجًا إسلاميًّا ينبع من أصول الإسلام الأولى، ويرتوي من مَعين القرآن الكريم، وتصويره للإنسانية والحياة، وعدّل المنهج من مساره، فاتّسم بالواقعية، وبَعُد عن التصور والتخيّل، واعتمد على المشاهدة والتجربة والتتبُع والاستقصاء، واهتدى بالاستنباط والاستنتاج إلى الأسس الحقيقية للمعارف والعلوم التطبيقية.

وإذا كان علماء المسلمين لم يؤلفوا -حسب علمنا- كتبًا خاصة بالحديث عن المنهج، ولم يفردوا موضوعه بالدراسة على النحو الذي يحدث اليوم، فليس معنى ذلك أنهم لم يدركوا قيمة هذا الأساس الهام في تقدم الفكر والعلم، وإنما الذي نتصوره أنهم أغفلوا هذا لكثرة اهتمامهم بالتطبيق المنهجي في بحوثهم ودراساتهم؛ حيث لا تقتضي الضرورة الحديث النظري عن أمور واقعية يصل العلم بها في نظرهم إلى حد ما يُعلم بالضرورة.

ومع هذا فإن علماء الإسلام لم يغفلوا عن وضع الأسس المنهجية العامة وبيان أهميتها في ثنايا مؤلفاتهم، ومقدمات تصانيفهم، ولم يتركوا عندما قضت الضرورة وضع الحدود والمبادئ العامة التي تعصم الفكر، وتحول بينه وبين الزلل، وقد كتبوا في “أصول الفقه” وفي “أصول اللغة والنحو” وفي “المنطق” و”أصول العقائد” و”تصنيف العلوم” ما يمثل منهجًا رائعًا، يمتد أثره ليس إلى العلم النظري فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى العلوم العملية والنظريات التطبيقية، وكان هذا الجهد الإسلامي العربي بحق مفتاحًا للمنهجية العلمية في العصر الحديث.

فما أن تُرجمت علوم العرب إلى اللغة اللاتينية حتى حدث ذلك الانقلاب العلمي العنيف في أوربا، فقد نظر الأوربيون عند نهضتهم في كلٍّ من المنهجين -اليوناني النظري التأملي، والإسلامي العملي الواقعي- وكان فيهم من رأى بنفاذ بصيرته قيمة المنهج الإسلامي وأهميته فيما حققته الحضارة الإسلامية من تقدم ورقي، فدعا هؤلاء بكل قوة إلى طرح المنهج اليوناني والأخذ بمبادئ المنهج الإسلامي، ومن هؤلاء الفيلسوف الإنجليزي “بيكون”، والذي عاش فيما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ومن قبله “روجر بيكون” الذي عاش في القرن الثالث عشر والذي يعده المحدثون أبًا للمنهج العلمي الحديث؛ حيث رأى ما رأى سميه “بيكون” المتأخر عنه الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي كما قلت، وقال بقوله، واقتبس كثيرًا من مناهج ابن الهيثم الذي عاش في القرن الخامس الهجري، والرازي المتوفى في القرن الرابع الهجري، وغيرهما من أعلام الفكر المنهجي عند المسلمين.

وكذلك فعل “ديكارت” عندما حاول هدم القياس الأرسطي ليفسح الطريق أمام مبادئ جديدة تقوم على أساس آخر هو القياس الرياضي، وهكذا وبجهود هؤلاء ومن تبعهم من تلامذتهم وخلفائهم برزت مبادئ المنهج، وتميزت أسسه وقواعده، واتضحت معالمه في مؤلفات خاصة ومصنفات عديدة، وظهرت تسميته بالمنهج الحديث.

وأبرز سماته: الموضوعية، وتحديد موضع البحث الذي يُستخدم فيه، وأيضًا البعد عن الفلسفة العامة، والاعتماد على الأسس الواقعية، وأيضًا مراعاة الطرق الخاصة التي تُتَّبع في كل علم من العلوم، والتي تختلف باختلاف طبيعة الظواهر التي تعالجها هذه العلوم، وأيضًا النسبية وقبول التجدد، والمرونة بحيث أنه لا يُدَّعى ثبات قواعده وديمومتها وصلاحيتها لكل أنواع البحوث، إنما يُعترف بأن هذه القواعد رهن بالحالة التي يصل إليها كل علم من العلوم في وقت ما، وهذه السمات المعروفة بالمنهج الحديث ما هي إلا سمات عربية إسلامية لا تحتاج نسبتها إلى برهنة أو تدليل.

والذي نحب أن نشير إليه: أن البحث في اللغة -وهو بالطبع خاضع لقوانين الفكر التي تسود في كل عصر من العصور- لا يُتصور أن يتخذ منهجًا بعيدًا عن مناهج التفكير السائدة في عصره، فالبحث اللغوي عند اليونان -مثلًا- لا يمكن أن يستقل عن الفلسفة التي كانت تسود في عصورهم، ومن ثم كانت نظراتهم إلى اللغة نابعة من هذه الفلسفة، وكانت مناهجهم في دراستها متأثرة غاية التأثر بذلك النظر العقلي التأملي البعيد عن التجربة والواقع.

ولعلنا ما نزال نذكر أولى القضايا التي أثارها الفكر اليوناني في بحث اللغة، وكيف أنهم عنوا -أول ما عنوا- بفكرة نشأة اللغة، والعلاقة بين اللفظ والمعنى، وما يترتب على ذلك من قياسية اللغة أو عدم قياسيتها، ونذكر أيضًا محاورات أفلاطون.

ومع أن التفكير اللغوي اليوناني لم يخلُ من أعمال لغوية طيبة إلا أننا لا نستطيع أن نجرده من البعد المنهجي الفلسفي، الذي ظهر بصورة واضحة في الربط بين النحو والمنطق، بين الجملة والحكم، بين طرفي الإسناد النحوي والموضوع والمحمول وغير ذلك.

وإذا كان الهنود قد سبقوا اليونان في التوصل إلى تبويب وافٍ لأجزاء الكلام في لغتهم، ووصفوا هذه اللغة بطريقة تشبه ما ينادي به اللغويون اليوم؛ فذلك أيضًا يأتي من تطبيقهم لمنهج مخالف للمنهج اليوناني، فما كان الهنود أصحاب فلسفة أو منطق يسيطر على كل ألوان التفكير عندهم، وما كان هدفهم من بحثهم اللغوي إلا وصف نصوصهم المقدسة، والمحافظة على نطقها وأدائها بصورة صالحة مرضية، وشتان ما بين الاتجاهين، وبُعد ما بين الهدفين.

وكذلك كان الأمر عند العرب إن البحث اللغوي في كل مرحلة يتميز بلون منهجي متأثر بالجو العام الذي يسود هذه المرحلة وينتشر فيها، فعندما يسود المنهج الإسلامي الواقعي ترى البحث اللغوي مصطبغًا باللون الوصفي الموضوعي، أما عندما ينتشر المنهج اليوناني العقلي، فالبحث في اللغة لون من الفلسفة أو الدراسة المنطقية البعيدة عن الحياة والواقع.

وفي العصر الحديث تأثر البحث اللغوي باستقرار المنهج العلمي، وبروز أسسه واتجاهاته، وطرقه؛ فظهرت بحوث لغوية لم يشهد العالم لها نظيرًا -إذا استثنينا العصر الذهبي للبحث اللغوي عند العرب- وقدمت هذه البحوث المنهجية خلاصة وافية لما ينبغي أن يكون عليه البحث اللغوي، وأوضحت الطرق والوسائل التي يتحقق بها هذا البحث.

وفي ضوء هذه البحوث المنهجية التي تمثل قمة الهرم في البحث اللغوي نستطيع فهم منهجنا اللغوي، وتقويم الجهد الخالد الذي أسهم به علماء العربية القدامى في بناء هذا المنهج اللغوي الحديث.

ولا نستطيع تحقيق هذا الهدف بصورة مُرضية إلا باستعراض أكبر عدد ممكن من أسس هذا المنهج واتجاهاته وطرقه في تراث علمائنا العرب والمسلمين.

وهنا يجب أن نفيد من الجهود المخلصة التي بُذلت لإظهار بعض ملامح المنهج في تراثنا الإسلامي اللغوي، مثل ما صنعه الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود، حين عرض شيئًا من الاتجاه المنهجي الذي وضعه علماء العربية، حين تحدث عن أبرز سماته عندهم، والتي انتفع بها العالم كله فيما بعد، وقد أشرت إلى بعضها آنفًا، وأضيف إليها: الموضوعية، والوصفية التي تقوم على الملاحظة، وأيضًا المعيارية، وكذا التجريب، وكذا العمومية التي تنظر إلى اللغة بوصف كونها ظاهرة إنسانية عامة، وهذا هو الجانب الآخر أو المجال الآخر من مجالات علم اللغة الإسلامي، ما يتصل باللغة في صورتها العامة.

إن المنهج اللغوي الحديث يذهب إلى: أن دراسة اللغة لا تتحقق بصورة كاملة إلا بالنظرة العامة الشاملة البعيدة عن النظر الضيق والفكر الجزئي المحدود؛ فاللغة -في تصور هذا المنهج- إنما تعني تلك الظاهرة الاجتماعية والإنسانية العامة، هكذا رأى “دي سوسير” عندما قال: بأن موضوع علم اللغة الوحيد والصحيح هو اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها، ومعنى هذا: أنه لا يقصد باللغة اللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو العربية إنما يقصد المعنى العام الذي تمثل كل لغة من هذه اللغات فردًا من أفراده أو مظهرًا من مظاهره، وقد عد الغربيون هذه الفكرة من مفاخر منهجهم الحديث كما قلت آنفًا، ورأوا أنها تدعو إلى مقارنة اللغات بعضها ببعض، وتحقق نمو المعرفة اللغوية بسائر لغات العالم، وتؤكد احترام اللغات المختلفة وتقديرها واعتبارها مَحلًّا للدرس والبحث مهما كان شأن المتحدثين بها، وتدعم فكرة التقابل بين اللغات بما لها من آثار علمية نافعة في الحياة، وخاصة في ميدان دراسة اللغات وتعلمها.

والحق أن هذه الفكرة المنهجية في صورتها النافعة المعقولة والبعيدة عن التهويم والتوهيم ترجع أصولها إلى الباحثين في العربية، وأنه ليس لها من خطر على لغة العروبة والإسلام إلا إذا استُخدمت كأية فكرة أخرى للهدم لا للبناء، والعبرة في جميع الأمور بحسن النية أو سوئها.

ومن المسائل العلمية العامة المتصلة باللغة في جانبها الإنساني ما قدمه علماء العربية والإسلام بشأن أصل اللغة، وكذلك تعريفهم لها على النحو الذي ذكره ابن جني في (خصائصه) ونلمح كذلك مسائل لغوية عامة عند الفارابي، صاحب (إحصاء العلوم) وصاحب النظرية الشهيرة في تصنيف العلوم العربية والإسلامية، وكذا في الجهود التي قدمها ابن سينا، وفيما قدمه ابن حزم الفقيه اللغوي الظاهري، وما قدمه عبد القاهر الجرجاني الذي يُعدُّ مذهبه في اللغة وفي نظم الجملة أصح وأحدث ما وصل إليه علم اللغة في أوربا، وكذلك ما قدمه ابن خلدون، وغير هؤلاء وهؤلاء كثير.

وأما ما يتصل بالجانب الأخير -وهو ما يتصل بجهود علماء العرب والمسلمين في اللغة في صورتها العربية- فإن المكتبة العربية والإسلامية تزخر بكتبهم ومخطوطاتهم، والعالم كله يشهد لهم بتفوقهم، وخدمتهم للغتهم، وقيامهم عليها خير قيام.

هذا وبالله التوفيق.

error: النص محمي !!