Top
Image Alt

أهمية علم اللغة النفسي، والعلوم المتصلة به

  /  أهمية علم اللغة النفسي، والعلوم المتصلة به

أهمية علم اللغة النفسي، والعلوم المتصلة به

إن هذا العلم يجيب عن أسئلة ثلاثة تالية، تحدثنا عن مفهومها في العنصر الأول.

السؤال الأول: ما العمليات العقلية التي يتمكن بها الناس من قول ما يريدون قوله، وهو ما تحدثنا عنه تحت إنتاج اللغة؟

السؤال الثاني: ما العمليات العقلية التي يتمكن بها الناس من إدراك، وتذكر وفهم ما يسمعونه، وهو ما تحدثنا عنه تحت إدراك وفهم اللغة؟

السؤال الثالث: ما الطريق الذي يتبعه الأطفال في تعلم كيفية فهم وإنتاج اللغة في المراحل العمرية المبكرة، وهو ما سنتحدث عنه تحت عنوان اكتساب اللغة.

إن علم اللغة النفسي يهتم بهذه الأمور الرئيسة كما يهتم بغيرها، ويولي علماء النفس كل هذه العناية لهذه اللغة الإنسانية بوصف كونها مظهرًا سلوكيًّا، والسبب يرجع إلى تلك الوظائف المتعددة التي تقوم بها اللغة بين بني البشر؛ حيث رأى علماء النفس أن اللغة تؤدي وظائف نفعية، وتنظيمية، وتفاعلية، وشخصية، واستكشافية، وتخيلية، وإعلامية أو إخبارية، ورمزية، وبعضهم أرجعها إلى وظيفة عامة تشتمل على كل هذه الوظائف، وهي وظيفة التواصل بين البشر والتخاطب.

إن أهمية علم اللغة النفسي، تظهر في الموضوعات التي يعالجها، وقد بان لنا كثير منها، إنه يعالج فهم اللغة، وإدراكها، وإنتاجها، واكتسابها، والعيوب المتصلة بها، كما يسهم في تعلمها، ويكشف دور الدماغ في تخزينها إلى غير ذلك، ويجيب عن أسئلة متعددة، فما الآلية الذهنية التي تمكن الإنسان من إنتاج عبارات وجمل صحيحة على المستوى الصوتي، والصرفي، والنحوي، والمعنوي، والدلالي، والسياقي؟ وما الذي يجري في الذهن البشري عندما يتكلم الإنسان اللغة؟ وما الذي يدور في هذا الصندوق المغلق والمجهول، المسمى بالدماغ؟ وما العمليات التي يقوم بها الذهن البشري عند اكتساب لغة، سواء كانت أولى، أو ثانية، أو ثالثة؟ وكيف تعالج الموضوعات في الدماغ؟ وأين تخزن؟ وما الذاكرة؟ وكيف تتعامل مع المعلومات على المدى القصير والبعيد؟ وكيف يفهم الإنسان رموز لغة ما عندما يقرءوها أو يسمعها من الآخرين؟.

إن علم اللغة النفسي، يجيب عن هذا كله، ويكشف عن طبيعة الدماغ البشري، وعن طبيعة اللغة البشرية، وعن العلاقة بينهما، إنه عبارة عن جملة من العلوم المختلفة والمجتمعة في علم واحد، علم النفس، وعلم اللغة، وعلم الطب، وعلم التشريح، وغيرها، إنه يتناول الأسس البيولوجية للغة، كما يتناول اللغة من الجانب العصبي؛ حيث يكشف عن تطور اللغة ومدى تمثلها في الدماغ البشري، كما يدخل في قضية الترجمة؛ حيث أفاد المتخصصون فيها من مناهج هذا العلم في نقد وتحليل النصوص المترجمة، فالمعروف أن الترجمة نقل معاني نص ما من لغة معينة إلى لغة أخرى، وعملية النقل تتم من خلال عمليات ذهنية معقدة يقوم بها ذهن المترجم الذي يجب أن يكون مدربًا، وعلى درجة عالية من المهارة، وفي سرعة معالجة المعلومات وتحويلها من لغة إلى لغة مع الحفاظ على سلامة اللغة، ودقة المعنى، وسلامة الخطاب.

لهذا كله تكمن أهمية علم اللغة النفسي، وهذا يكشف لنا العلوم المتصلة بهذا العلم، إنه يتشابك مع علم اللغة البنيوي، ومع علم النفس الإدراكي، ومع علم الإنسان المعروف بـ”الأنثروبولوجيا”، كما يشتبك مع علم اللغة العصبي، فكما يفيد من علم اللغة، وهذا شيء طبعي؛ بل يعد مصدرًا رئيسًا له، فإنه يفيد أيضًا من علم النفس الإدراكي، وعلم النفس العصبي، وعلم اللغة العصبي، كما يفيد من مجالات الذكاء الاصطناعي، ومن الفلسفة العقلية، كل هذه العلوم تؤثر في علم النفس اللغوي، ولا يزال تأثيرها مستمرًا، ويأتي على رأسها علم اللغة؛ حيث يظهر تأثيره في الدراسة النفسية للغة تأثيرًا واضحًا.

وخاصة تلك النظرية التي أرسى دعائمها العالم الأمريكي “تشوميسكي”، وقد بدأت بما يسمى بالتوليد؛ حيث يمكن للفرد أن ينتج جملًا، وأن يولد أخرى مقبولة نحوية، مرفوضة من حيث المعنى، مقبولة من حيث الشكل؛ حيث اعتقد أن إدراك العلاقات اللغوية قائم في الإنسان بالفطرة مهما يكن جنسه أو وطنه، ولكنه يكتسب من بيئته شكلًا معينًا من أشكال هذه العلاقات، وهي لغته الأم، كما يرى أن الجملة اللغوية الصحيحة، ما هي إلا تراكيب مقبولة لدى المتكلم المثالي باللغة.

ثم ترك “تشوميسكي”، هذه المرحلة متجهًا إلى مرحلة أخرى تسمى بمرحلة التحويل؛ حيث رأى أن معظم الجمل في كل اللغات لها تركيبان؛ باطني، وخارجي، ويسمى التركيب الباطني بالعميق أو الأساسي أو التحتي، كما يسمى الخارجي بالسطحي والظاهري.

أما التركيب الباطني: فهو المعنى الكامن في نفس المتكلم بلغته الأم، ويتمثل في المقدرة الفطرية، أو الكفاءة الكامنة في الإنسان التي تجعله يستوعب القواعد أو الأسس التي ينبني عليها الكلام.

وهذه العملية تشترك فيها اللغات جميعًا؛ لأن الاستعداد اللغوي الموروث المشترك بين جميع بني الإنسان لا بد أن يصاحبه وجود عناصر مشتركة بين جميع لغات بني الإنسان، ومن ثم فإن هذه العناصر المشتركة هي التي تكون التركيب الباطني العالمي.

أما التركيب الآخر -وهو الخارجي- فإنه يمثل الأداء الفعلي للكلام الظاهري المنطوق والمسموع، وهذه المرحلة التي تحتوي على التركيب الباطني، والخارجي تمر بعمليات أربع لكل واحدة منها قانون، والثلاثة الأولى منها ذهنية، والرابعة مادية.

العملية الأولى: يتشكل فيها التركيب الباطني بواسطة القدرة أو الكفاءة اللغوية، العملية الثانية: تبدأ بالتفكير في المفردات أو الكلمات، ثم اختيار المناسب منها؛ ليلتحم بالتركيب الباطني بواسطة ما سماه بقانون المفردات.   

العملية الثالثة: يتم فيها تحويل التركيب الباطني مصحوبًا بالمفردات إلى التركيب الظاهري أو السطحي بواسطة قوانين التحويل؛ وأهمها الحذف والزيادة، أو الإضافة والتعويض، أو إحلال عنصر محل آخر، أو التقديم والتأخير، أو إعادة الترتيب والتمدد، أو التوسع والتقلص، أو الاختصار والنسخ، أو التكرار.

فهذه العمليات الثلاث ذهنية.

العملية الرابعة: وهي التعبير عن الكلمات في التركيب الظاهري، ماديًّا أو صوتيًا ببساطة القوانين الصرفية الصوتية، وهي قوانين تحدد الصيغ المختلفة لأشكال التركيب السطحي، وهذه النظرية أثرت في أنصار علم اللغة النفسي.  

error: النص محمي !!