Top
Image Alt

أهمّ أهداف تشريع الزكاة في الإسلام، ومصارف الزكاة

  /  أهمّ أهداف تشريع الزكاة في الإسلام، ومصارف الزكاة

أهمّ أهداف تشريع الزكاة في الإسلام، ومصارف الزكاة

أ. أهمّ أهداف تشريع الزكاة في الإسلام:

إن الدراسات المستمرة للزكاة ومشروعيتها وأحكامها تضيف في كل يوم الجديد ممّا تستهدفه الزكاة من خير الفرد والجماعة، بل والمجتمع والدولة، كل على نحوٍ ما. وكيف لا والزكاة نظام وضعه الحق سبحانه وتعالى، وارتضاه لعباده؟! وما شرع الله سبحانه وتعالى أمرًا إلاّ لخير الجميع في الدنيا والآخرة.

ومن ثَمّ كان للزكاة أهداف دينية، وأخرى اجتماعية، وثالثة مالية، ورابعة اقتصادية -كل ذلك على سبيل المثال لا على سبيل الحصر-:

أهداف دينية: فحسبنا أن نعرف: أنها ركن من أركان الإسلام، وأنها عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه. وكثيرًا ما ذكَرها الله تعالى إلى جانب الإيمان بالله وتقواه، وأيضًا مقرونة بالصلاة في أكثر من ثمانين آية في القرآن الكريم.

أهداف اجتماعية: فحسبنا أيضًا أن نشير إلى ما فيها من تحقيق للتكافل الاجتماعي، ومن خَلْق مجتمع تسوده المحبة والتعاون، ومن مناخ سياسي ملائم لحياة مستقرة على أيّ أرض إسلامية.

أهداف مالية: فهي تدبّر كثيرًا من الموارد المالية اللازمة والدائمة لبيت المال، مع تحديد أوجه الصرف بما يكفل حصول كل ذي حق على حقه.

أهداف اقتصادية: فهي تستهدف فيما تستهدف: منْعَ تكديس الأموال واكتنازها. وتستهدف أيضًا: ضرورة استثمار هذه الأموال حتى لا تتناقص أو تأكلها الزكاة. فهي إذًا من هذا الجانب تؤدي بالضرورة لزيادة الاستثمار وتشجع عليه، حتى يُخرج المكلّف الزكاة من ريعها، أو من ربحها، أو من دخلها.

ثم هي في الوقت ذاته من هذا الجانب الاقتصادي، تعمل على تداول الأموال كي لا يكون دولة بين الأغنياء من الناس. وتعمل أيضًا على خلْق السيولة اللازمة التي ينشدها الاقتصاد الحديث.

وتعتبر الزكاة أسلوبًا لإعادة توزيع الدخل بين الأفراد؛ إذ ممكن عن طريقها نقل قوة شرائية من فئة اجتماعية إلى فئة أخرى.

ويمكن القول: إنّ فريضة الزكاة في محصّلتها النهائية تؤدي إلى تنمية الإنتاج، مع عدالة توزيع من شأنها تحقيق اقتصاد الرفاهية. غير أنه إذا كانت غاية كل مجتمع هي الرقي والتقدم، فإنه يتعيّن أن نشير -بل نؤكّد- إلى أنّ التقدم -لكي يبقى ويزداد- لا بدّ أن يستند إلى أيدلوجية، أو إلى مبادئ معيّنة، أو بعبارة أخرى: لا بد أن يكون كاملًا بشقّيْه: المادي والروحي، أو لنَقُلْ: بشقّيْه: الاقتصادي والديني، وأن الاهتمام بجانب دون الآخَر يؤدِّي إلى خلل واضطراب في حياة الفرد والجماعة، وقد تدارك الإسلام ذلك.

وفي فريضة الزكاة التي نحن بصددها بشكل خاص، فبقدر اهتمام الإسلام بالعقيدة وهي تمثل الجانب الروحي، اهتم أيضًا بالجانب المادي حتى يطمئنّ المسلم على يومه وغده، ويشعر أن المجتمع يقف معه، يؤازره ويساعده ويؤمّنه عند الحاجة، فتنطلق بالتالي ملكاته الخلاقة في العمل والإنتاج، ويقدم على كل خير دون خوف من إفلاس أو من فقر أو من نقص في الأموال والثمرات. وحتى لو حدث شيء من هذا بعد أخذه بالأسباب، فيؤْمِن بأن ذلك من قبيل الابتلاء والاختبار، وقد بشر الله الصابرين من هؤلاء.

ونختم هذا المحور من كلامنا عن الزكاة -وهو عن آثار الزكاة وأهدافها- بالقول: إن التشريع المالي الإسلامي، وخاصة تشريع الزكاة، له تأثير واضح على طبائع الناس وأسلوب تفكيرهم، وله أفضل الأثر في نمو وتطور الاقتصاد الإسلامي في عصور الإسلام الزاهرة التي طُبِّق فيها هذا التشريع المالي وفْق شريعة الله، شريعة الحق، والعدل بين الناس.

ب. مصارف الزكاة:

لا خلاف بين الفقهاء والمعنيِّين بالدراسات الإسلامية على العموم في: أنّ مصارف الزكاة محصورة في ثمانية أصناف، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون على الزكاة، والمؤلّفة قلوبهم، والرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل.

وهذا منصوص عليه في قول الحق سبحانه وتعالى في سورة “التوبة”: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}  [التوبة: 60].

ولِما روي عن زياد بن الحارث الصدائي قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعْته. فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لَمْ يرْضَ بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتّى حَكم فيها هو، فجزّأها ثمانية أجزاء؛ فإن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتُك)) رواه أبو داود وغيره…

وقبل أن نعرض لهذه الأصناف الثمانية، نعرض لأمر اختلف الفقهاء حوله وهو: هل يجوز الاقتصار في صرف الزكاة على صنف واحد من هذه الأصناف الثمانية مع وجود غيره، أم لا يجوز له ذلك؟.

ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، إلى: جواز صرف الزكاة لصنف واحد من هذه الأصناف الثمانية. وهؤلاء استندوا إلى حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم له: ((فإنْ هم أطاعوك لذلك، فأعلِمْهم: أنّ الله قد افترض عليهم صدقة تُؤخَذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم))؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أمَر معاذًا بِرَدِّ أموال الزكاة على الفقراء، وهم صنف واحد من الأصناف الثمانية. ومن هؤلاء من قال: يتحرّى موضع الحاجة، فيقدِّم الأوْلى فالأوْلى. وقال آخَرون: هو مخيّر، يضعها في أيّ الأصناف شاء.

على حين أن الإمام الشافعي يذهب إلى: عدم جواز الاقتصار على صنف واحد أو أكثر مع وجود باقي الأصناف الثمانية. واستند الإمام الشافعي إلى حديث زياد بن الحارث السابق.

ووجْه الدلالة منه: أنّ الزكاة حق ثابت لكلّ صنف من هذه الأصناف، فلا يجوز إفراد أحدها بالزكاة.

ولعلكم ترَوْن أنّ مذهب الجمهور هو الراجح؛ لأنه يتفق مع الحكمة من تشريع الزكاة بوجه عام؛ فالآية والحديث غايتهما بيان مصارف الزكاة، والإمام يوجِّه الزكاة إلى ما يسدّ حاجة كلّ فئة من هذه الفئات الثمانية. وهو ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه وابن عباس وحذيفة، وسعيد بن جبير وكثيرون غيرهم…

وتكفينا هذه اللمحة السريعة عن هذه المسألة، ومّن أراد أن يتوسّع فيها، فليراجع كتب الفقه المعتبَرة، فضلًا عن كتب الفقه المقارن.

أعود إلى الأصناف الثمانية، وأبدأ بالصنف الأوّل والثاني؛ لأنهما دائمًا ما يقترنان في كثير من الآيات والأحاديث، وأقوال الفقهاء.

المصرفين: الأول، والثاني: {لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ}: وهما نوعان من أهل الفاقة والحاجة، وإذا ذُكر أحدهما بالانفراد في نص شرعي، أريد به ما يشمل الآخَر. وإذا اجتمعا في نص واحد كآية الصدقات، كان المراد بـ”الفقير”: المحتاج الذي لا يملك شيئًا بالمَرّة، و”المسكين” محتاج لكنه أكثر سكونًا من الفقير، لا يمد يده ولا يتكفّف الناس، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفّف. اقرءوا إن شئتم: {لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273]))، وفي لفظ آخَر: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس، تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)) حديث متفق عليه.

وقد استدلّ به من يقول: إنّ الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له.

ولعل ممّا يؤكِّد هذا التفسير: قول الله تعالى: {أَمّا السّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79]؛ حيث تدل هذه الآية على أنهم يملكون مالًا -سفينة- لكنه لا يكفيهم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلّ المسألة إلاّ لثلاثة: لِذي فقر مُدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع))؛ حيث يُفهم من هذه النصوص: أنّ هناك فرقًا بين الفقير، والمسكين. والفقير والمسكين تجمعهما الحاجة، والفاقة؛ ولذا جعلهما التشريع أوّل فئات المستحقّين للزكاة، سترًا لحاجتهما وفاقتهما. وهو من أولويّات تشريع الزكاة في الإسلام، لِما للفاقة والحاجة من الخطر الشديد على المجتمع.

ولا بأس من الإشارة أيضًا إلى أنّ الحديث المذكور الذي قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((إنّ المسألة لا تحلّ إلاّ لثلاثة))؛ فقد رواه أحمد وأبو داود. و”الفقر المدقع” هو: الفقر الشديد الذي يلصق صاحبه بالدقعاء وهي: الأرض التي لا نبات فيها. و”الغرم المفظع” أي: الشديد أيضًا، أو الشنيع الذي جاوز الحد، فضلًا عن أنه يلزم أداؤه تكلفًا لا في مقابلة عوض. وكذلك “الدم الموجع” أي: الدية التي يتحمّلها شخص عن قريب أو حميم أو نسيب له قتل شخصًا آخَر، إن لم يدفعها إلى أولياء المقتول قُتل القاتل.

المصرف الثالث: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}: و”العامل على الزكاة” هو: مَن نصبه الإمام لجمع الصدقات. ويشمل: الساعي، والكاتب، والحافظ للصدقات؛ يُعطى كلّ منهم بقدْر عمله فيها. والعامل على الزكاة يأخذ من الزكاة حتى ولو كان غنيًا، لِما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “لا تحل الصدقة لغنيّ، إلا لخمسة، وذكَر منهم: العامل عليها؛ لأن العامل على الزكاة قد فرّغ نفسه لعمل من أعمال المسلمين، فاستحق عليه الأجر. ولقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه أجْره لما استعمله في جمع الزكاة. وأعطى عمر بدوره ابن السعدي المالكي أجْره منها حين استعمله.

فقد روي عن بشر بن سعيد: أن ابن السعدي المالكي قال: “استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأدّيتُها إليه، أمر إليّ بعمالة -أي: بأجرة-. فقلت: إنما عملت لله، فقال: خذ ما أُعطِيت، فإنني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمّلني -أي: أعطاني أجرة عملي- فقلت مثلَ قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أُعطيتَ شيئًا من غير أن تسأل، فكُلْ وتصدّقْ)) حديث متفق عليه. وكذلك: ((ما جاءك من أخيك من غير مسألة ولا إشراف نفس، فاقْبَلْه ولا تَرُدَّه؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليك)) رواه أحمد، وأورد الشوكاني نصّه ونصّ حديث آخَر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قريبًا من هذا الحديث في (نيل الأوطار).

المصرف الرابع: {وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ}: ويراد بهم: القوم الذين يُراد تأليف قلوبهم واستمالتهم إلى الإسلام ليُسلموا أو يثبتوا عليه، أو رجاء نفعهم للمسلمين، أو دفعًا لأذاهم عن المسلمين. وتأليف هؤلاء -مسلمين أو غير مسلمين- أمْر متروك لإمام المسلمين؛ إن رأى أن يتألّف قومًا لمعنى من المعاني التي تفيد الإسلام، كان له أن يعطيهم سهمًا من الزكاة. وإن رأى استغناء الإسلام عنهم وعدم الحاجة إلى تأليفهم، لم يُعطهم. وهو ما فعَله عمر -رضي الله تعالى عنه- حين رأى استغناء الإسلام عنهم. فهو لم يعطِّل نصًّا شرعيًّا كما يزعم البعض، وإنما استعمل حقًّا مكفولًا للإمام. وهذا السهم في زماننا تظهر الحاجة إليه لمواجهة حملات التنصير، وسدّ حاجات بعض الذين يُرجى فيهم الدخول في الإسلام، وكذلك سد حاجات المسلمين الضعاف الذين يُخشى عليهم من الوقوع في براثن المنصِّرين.

فإذا كان هؤلاء يجنِّدون الأموال لنشر دينهم على حساب الإسلام تحت اسم التبشير، فالمسلمون أوْلى بأن يخصِّصوا هذا السهم من أجْل هذا الغرض. ولا شك في أنه سوف يؤتي ثمارًا طيبة في الدعوة إلى الإسلام، والمساهمة في نشره، ورفع رايته، ولا سيما إذا كان هؤلاء من وجهاء القوم، أو كانوا من الأقليات الذين يُرجى نصرتهم وتثبيتهم على الإسلام.

وهناك بحث طيّب في هذه المسألة بعنوان: (تأليف القلوب على الإسلام بأموال الصدقات) للدكتور عمر سليمان الأشقر، نشر في مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالكويت.

وجدير بالذكر: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد ألّف أقوامًا رجاء دخولهم في الإسلام؛ فقد روي عن أنس رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يُسأل شيئًا على الإسلام إلاّ أعطاه. قال: فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثير بين جبلين مِن شاءِ الصدقة -والشاء: جمع شاة- قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلِموا! فإن محمدًا يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفاقة))، وفي لفظ آخر: ((يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) رواه أحمد بإسناد صحيح.

وروي عن عمرو بن تغلب: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بمال أو سبي فقسَمه. فأعطى رجالًا وترك رجالًا. فبلغه أنّ الذين تركَ عتبوا. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد. فوالله إني لأعطي الرجل وأدَعُ الرجل، والذي أدَعُ أحبّ إليّ من الذي أُعطي. ولكني أعطي أقوامًا لِما أرى فيهم من الجزع والهلع. وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعل في قلوبهم من الغنى والخير، منهم: عمرو بن تغلب)). فوالله ما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حُمر النعم.

أقول: أفلا نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ونخصص سهمًا من أموال الزكاة للدعوة إلى الله، وتأليف القلوب على الإسلام في الداخل والخارج، في زمن يواجه فيه الإسلام تحديات سافرة وحملات مكثفة مغرضة، لصدِّ الناس عنه، وإخراج أهله منه -ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله السلامة والعافية في ديننا ودنيانا؟!.

المصرف الخامس: {وَفِي الرّقَابِ}: والمقصود بهذا السهم: توجيهه إلى عتق الأرقاء، والمساهمة في معاوضة المكاتَبين لتخليص الرقاب من ذلّ الرق والعبودية؛ فقد روي عن البراء بن عازب قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلّني على عمل يقرِّبني إلى الجنة، ويبعدني عن النار. فقال: اعتق النسمة، وفُكّ الرقبة. قال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا؟ قال: لا! عتق النسمة أن تُفرَد بعتقها، وفك الرقبة أن تعِين في ثمنها)). كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -ما معناه-: ((ثلاثة كلهم حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح المتعفِّف)).

يتّضح من الحديثيْن: أن عتق الأرقّاء، وإعانة المكاتَبين على أداء الكتابة، من أعظم القربات المقرِّبة إلى الجنة، المبعدة عن النار.

المصرف السادس: {وَالْغَارِمِينَ}: وهم أولئك القوم الذين تحمّلوا بحمالات وديون أثقلت كواهلَهم، وتعذّر عليهم أداؤها، بشرط أن تكون هذه الديون في غير معصية ولا إسراف. فقد روي عن أنس رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ المسألة لا تحلّ إلاّ لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع))، وهؤلاء نماذج ثلاثة للغارمين.

كما روي عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمّلت حمالة، فأتيت رسول اللهصلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: ((أقِمْ حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة، إنّ المسألة لا تحلّ إلاّ لثلاثة: رجل تحمّل حمالة فحلّت له المسألة، حتى يصيبها ثم يُمسك. ورجل أصابتْه جائحة اجتاحت مالَه، فحلّت له المسألة حتّى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: – سدادًا من عيش…)) الحديث، والحديث رواه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود.

المصرف السابع: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ}: والمقصود بهذا المصرف -كما يرى بعض المجتهدين-: كلّ مصلحة عامة تحقِّق للمسلمين الخير. ويرى البعض أيضًا أنه يقصد به: الغزاة في سبيل الله، المتطوِّعون للجهاد في سبيل دِينهم وأمّتهم؛ حيث يجب إعطاؤهم من مال الزكاة ولو كانوا أغنياء، إعانة لهم على الغزو والجهاد. والواقع أنّ هذا المصرف يشمل ذلك كلّه كما يشمل إعانة المجاهدين ضدّ أعداء الإسلام في شتى بقاع الأرض، تدعيمًا لهم ونصرة لدين الله. كما يدخل في هذا المصرف أيضًا: تجهيز قوافل الدعاة إلى الإسلام، وإرسالهم إلى البلاد غير الإسلامية للدعوة إلى دين الله، والرد على ما قد يُثيره أعداء الإسلام من الشبهات والأباطيل حول الإسلام وتعاليمه.

المصرف الثامن: {وَابْنِ السّبِيلِ}: وهو: المنقطع في السفر عن أهله، وبلده ومالِه.

وفسّره الشافعي بأنه: مَن يريد السفر في غير معصية، فيعجز عن بلوغ مقصده إلاّ بمعونة. وقال القرطبي: “هو الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقرّه ومالِه، فإنه يُعطى من الزكاة، وإن كان غنيًّا في بلده، ولا يلزمه أن يستلِف”.

ويرى مالك أنه إن وجد من يُسلفه وكان له مال يقضي منه قرْضه، فلا يُعطى.

والأصح -فيما نرى-: أنه يعطى من الزكاة ولو كان غنيًّا في بلده، ولا يُلزم بالسلف، حتى ولو وجد من يُسلفه. فقد أراد الله تعالى أن يشرع هذا السهم ليدخل ابن السبيل تحت مِنة الله تعالى، ولا يدخل تحت مِنة أحد مِن خلْقه كائنًا من كان.

كيفية توزيع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية:

لا يشترط أن توزّع الزكاة بين الأصناف السابقة مجتمعة -كما هو الراجح من أقوال الفقهاء- وهو مذهب الجمهور، على ما سبق بيانه في أول الكلام عن مصارف الزكاة.

وعلى هذا؛ فيجب على الإمام أن ينظر إلى ما فيه المصلحة، أو يتحرى الأصناف الأكثر احتياجًا في حالتي السلم والحرب. هذا بالقطع إن آل إليه أمر الزكاة جمعًا وتوزيعًا، أمّا إن كان الأفراد هم الذين يتولّوْن توزيعها على المستحقِّين لها من الأصناف السابقة -كما هو حاصل في هذه الأيام-؛ فحسبهم أن يجتهدوا بما يرَوْن، ويُجزئهم أن يضعوها في صنف واحد أو اثنيْن، وبخاصة إذا كانت قليلة.

وأحقّ الفقراء بالصدقة: من لا تجب نفقتهم من الأقرباء؛ حيث يكون إعطاء الزكاة لهم صدقة وصلَة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنه: ((زوْجُك وولدك أحق مَن تصدّقتِ به عليهم)) حديث صحيح أخرجه البخاري وغيره. ووردت أحاديث أخرى في هذا المعنى.

وبديهي أنّ الزوجة ليست مطالبة بالنفقة على زوجها الفقير، إلاّ أن تطوّع أو تطيب نفسها باختيارها، لا رغمًا عنها. كما أنّ نفقة الأولاد لا تجب على الأم، بل على الأب. وأمّا من تجب نفقتهم؛ فلا تجزئ الصدقة عليهم لأنهم يستغنون بالنفقة الواجبة لهم عن أخذ الزكاة، ولأنها لا تجب إلاّ فيما فضل عن حاجات المسلم الضرورية له ولمن تلزمه نفقته من زوجة وولد وأقارب. ثم إنه إذا دفع الزكاة إلى مَن تجب عليه نفقته، فكأنه جلب لنفسه نفعًا، أو كأنه أعطاها لنفسه، أو كأنه لم يخرجها أصلًا، ما لم يكن هذا القريب مَدِينًا مثلًا، فيُعطى من سهم الغارمين لسداد ديْنه.

ومن جهة أخرى؛ فقد وضع الشارع في عنق المسئول عن تحصيل الزكاة -سواء أكان الحاكم أم نائبه- واجبات أو مسئوليات خطيرة، نذكر منها ما يلي:

  1. أن يجدّ في تحصيل الزكاة، وأن يسلك إلى جبايتها كل وسيلة ممكنة، من مطالبة الناس بالترغيب والترهيب، ثم معاقبتهم أو مقاتلتهم إذا تطلّب الأمر ذلك؛ فإن الله يزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن.
  2. أن يصون ما حصله من الصدقات، ويتعاهده بما يصلحه، ولا يأخذ منه شيئًا بغير حقّه، وإلاّ كان غالًا، أي: خائنًا للأمانة.
  3. أن يعفّ نفسه عن أموال الناس، وأن يعتذر عن قبول هداياهم؛ فإنّ الهدية في مثل هذا المقام أشبه ما تكون بالرشوة، فلا يحل له قبولها. وإن قبلها، فلا يحلّ له تملّكها، ولكن عليه أن يردّها إلى أصحابها إن أمكنه ذلك؛ فإن لم يتيسر له ذلك، فهي لبيت المال، أو ليتصدق بها عن أصحابها.
  4. وإذا كان هو الذي يتولّى توزيع الزكاة، فيجب عليه أن يحصي المستحقّين، وأن يتحرّى عن ظروفهم، ويدرس مدى حاجة كلٍّ منهم إلى الصدقة حتى يخصه بما يصلحه على قدر المستطاع.

وعليه أن يتجرّد من الهوى، فلا يجامل غير المستحق فيعطيه، ولا يتجاهل المستحق فيحرمه.

كما ينبغي أن يتذكّر دائمًا أنه قاسم، والله عز وجل هو المعطي. فليحذر أن يُداخله الزهو فيظن نفسه منعِمًا، أو أن يستشعر الغرور بعبارات الثناء التي تكال له من المستحقِّين للزكاة.

وعليه أيضًا ألاّ يسيء إلى أهل التعفف وأصحاب المراكز الاجتماعية المحترمة من حيث يريد الإحسان إليهم، وإنما يحرص على إخفاء الصدقة في مثل هذه الحالات وأمثالها، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

error: النص محمي !!