Top
Image Alt

أهم أدلة القول بسد الذرائع، والمبطلين له

  /  أهم أدلة القول بسد الذرائع، والمبطلين له

أهم أدلة القول بسد الذرائع، والمبطلين له

أهم أدلة القول بسد الذرائع:

من أبرز هذه الأدلة -في نظرنا- على وجوب سد الذرائع نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة, فضلًا عن الإجماع.

فمن الكتاب قول الله تعالى: {وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}فقد نهى الله -سبحانه وتعالى- المؤمنين عن سبّ المشركين وآلهتهم، مع كون السبّ غيظًا وحمية لله، وإهانة لآلهتهم التي يعبدونها من دون الله؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سبهم الله تعالى، فالمصلحة في ترك مسبتهم أرجح من مصلحة مسبتهم، يقول ابن القيم: “وهذا كالتنبيه, بل كالتصريح على المنع من الجائز؛ لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز”.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ}، ووجه الدلالة به: أن الله عز وجل نهى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعنون من الكلام ما فيه تورية، ويقصدون التنقيص من حق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أرادوا أن يقولوا للرسول: اسمع لنا يقولون: راعنا، ويورون بالرعونة، كما قال تعالى: {مّنَ الّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدّينِ وَلَوْ أَنّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً} [النساء: 46].

ثم إن اليهود لما سمعوا الصحابة يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا، ورأوا أن هذه الكلمة توافق كلمة سبٍّ في العبرية أخذوا يقولونها بتلك النية؛ لهذا أبدل الله عز وجل قول المؤمنين راعنا بانظرنا، ونهاهم أن يقولوا: راعنا مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون ذريعة للتشبه باليهود الذين كانوا يُخاطبون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقصدون بها السب بصرفها عن معناها إلى معنى في لغتهم، وهو من الرعونة، وهذا بالقطع غير ما يقصده المسلمون.

ومن السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه: ((أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)) على الرغم من أن قتل المنافقين مصلحة, إلا أنه قد يكون ذريعة إلى التنفير عنه -عليه السلام- بأن يستغل الكفار ذلك في صرف الناس عنه، ويقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه، وهذا القول يوجب النفور ممن دخل الإسلام وممن لم يدخل فيه، فكانت مفسدة التنفير أكبر من مفسدة قتلهم، وكانت مصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل، كما أنه صلى الله عليه وسلم حرَّم الخلوة بالأجنبية والسفر بها، ولو في الحج وزيارة الوالدين في رأي كثير من الفقهاء؛ لعموم النهي في الحديث، ومنهم من استثنى من هذا العموم السفر للحج ولأعمال البر ورعاية مصالحها، إذا أمنت الفتنة عليها.

وأمر صلى الله عليه وسلم بغض البصر وإن كان مما يقع على محاسن الخلقة، والتفكر في صنع الله؛ سدًّا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور والفجور بها, ونهى صلى الله عليه وسلم عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك؛ لئلا يكون ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا، والإشراك بها فيما بعد. ونهى أيضًا أن تقطع الأيدي في الغزو؛ لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، وإفشاء أسرار المسلمين إليهم، كما نهى عن بيع السلاح في الفتنة سدًّا لذريعة الإعانة على المعصية، وفي السنة كثير من الصور على هذا النمط من أحكام العبادات والمعاملات، جاء المنع فيها خشية مما تفضي إليه.

ومن الإجماع: فقد اتفق الصحابة وعامة الفقهاء على قتل الجميع بالواحد، وإن كان القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء، ومنه أيضًا أن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه جمع المصحف على حرف واحد من الأحرف السبعة؛ لئلا يكون ذريعة إلى اختلاف المسلمين في القرآن، ووافقه على ذلك الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين.

وإذا كنا مقتنعين بأهمية القول بسد الذرائع التي تفضي إلى المحرم, إلا أننا نبادر فنقول محذرين: ينبغي أن يلاحظ في سد الذرائع الاحتياط في الأخذ بهذا الأصل, بحيث لا يبالغ فيه فيصل بالإنسان إلى الامتناع عن مباح أو مندوب؛ خشية أن يقع في محرم، فقد وقع بعض الفقهاء عند إجراء قاعدة الذرائع في أغلاط فادحة, كتصريح بعضهم بالمنع من تعلم الطبيعيات -أي: العلوم الطبيعية- بناء على أنها تفسد الاعتقاد بالخالق وتجر إلى هاوية الإلحاد غالبًا، ولم ينظر هؤلاء إلى أن تعلمها قد أصبح الوسيلة الضرورية لمواكبة التطور الطبيعي, الذي يصيب المجتمع في شتى مناحيه، ثم إن المفسدة التي تنشأ عنها -وهي تزلزل العقيدة كما قالوا- يمكن الوقاية منها بتعليم أصول الدين على الطريقة المحكمة، والوجه الذي يتجلَّى به أن الشريعة والعلم الصحيح على وفاق متين؛ ولذلك قيَّد القرطبي رحمه الله الذريعة التي تُسدّ, بأنها التي تُفضي إلى محرم منصوص عليه.

أدلة ابن حزم على إبطال القول بسد الذرائع:

في البداية نقرر أن تعصب ابن حزم لمذهبه في الرأي بعامة، وفي إبطال القول بسد الذرائع دفعه إلى تجاهل العديد من النصوص، وكلها صحيحة في الدلالة على سد الذرائع التي تؤدي إلى المحرم؛ بل إن واقع الشريعة نفسه يؤكد ذلك، وإلا لو كانت الذرائع مفضية إلى أن الحرام مباح؛ لعُدّ هذا تناقضًا وعبثًا تنزَّه الشارع الحكيم عنه. ومن ناحية أخرى, فإن ابن حزم نظرًا لتمسكه الشديد بظاهر النصوص, وعدم البحث في مقاصدها وعللها يقرر أن ما لا يثبت بالدليل تحريمه, لا يجوز لأحد أن يقول فيه: إنه حرام بدعوى أنه يؤدي إلى حرام؛ سواء كان من المشتبه فيه أو كان ذريعة للحرام، وإنه ليؤكد هذا القول بجمل من الأدلة, بعضها من الكتاب وبعضها من السنة والإجماع والمعقول، ولا بد من الإشارة إلى هذه الأدلة ولو بصورة موجزة, باعتبارها تمثّل الوجه الآخر المقابل لجمهور الفقهاء, الذين يقولون بقاعدة سدّ الذرائع كما بيّنّا فيما تقدم.

أولًا: أدلته من الكتاب، وهي ذات النصوص التي استدلَّ بها ابن حزم على نفي الاجتهاد بالرأي والقياس، ودلالة الخطاب، والاستحسان، وغير ذلك، فهو يقول: وما يبطل قولهم غاية الإبطال قول الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـَذَا حَلاَلٌ وَهَـَذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116] وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مّآ أَنزَلَ اللّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]، فصحَّ بهاتين الآيتين أن كلّ من حلَّل أو حرَّم ما لم يأتِ إذن من الله في تحريمه أو تحليله؛ فقد افترى على الله كذبًا، ونحن على يقين من أن الله قد أحل لنا كل ما خلق في الأرض إلا ما فصَّل لنا تحريمه بالنص؛ لقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]، ولقوله تعالى: {وَقَدْ فَصّلَ لَكُمْ مّا حَرّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] فبطل بهذين النصين الجليلين أن يحرّم أحد شيئًا باحتياط، أو خوف تذرع.

ثانيًا: أدلته من السنة: يقول ابن حزم أيضًا: “إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من توهم أنه أحدث ألّا يلتفت إلى ذلك، وأن يتمادى في صلاته وعلى حكم طهارته، هذا في الصلاة التي هي أوكد الشرائع حتى يسمع صوتًا أو يشم رائحة، فلو كان الحكم بالاحتياط حقًّا؛ لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها, ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكمًا”. واستدلَّ كذلك بقوله -عليه السلام- إذ سأله أصحابه -رضي الله عنهم- فقالوا: إن أعرابًا حديثي عهد بالكفر يأتوننا بالذبائح, لا ندري أسموا الله تعالى عليها أم لا؟ فقال -عليه السلام-: ((سموا الله وكلوا))، أو كلامًا هذا معناه برفع الإشكال جملة في هذا الباب -كما يقول ابن حزم.

ويقول في استدلاله بالإجماع: ويكفي من هذا كله إجماع الأمة كلها نقلًا؛ أن من كان في عصره -عليه السلام- وبحضرته في المدينة إذا أراد شراء شيء, أنه كان يدخل سوق المسلمين, أو يلقى مسلمًا يبيع شيئًا ويبتاعه منه فله ابتياعه؛ ما لم يعلمه حرامًا بعينه أو ما لم يغلب الحرام عليه غلبة يخفى معها الحلال، ولا شكَّ أن في السوق مغصوبًا ومسروقًا ومأخوذًا بغير حق، وكل ذلك قد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, فما منع من شيء من ذلك.

ومن المعقول قال ابن حزم: يقال لمن جعل الاحتياط أصلًا يحرم به ما لم يصح بالنص تحريمه: إنه يلزمك أن تحرم كل مشتبه يُباع في السوق, مما يُمكن أن يكون حرامًا أو حلالًا، ولا توقن بأنه حلال أو بأنه حرام، ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام وحلال، وهم لا يقولون بشيء من ذلك، وهذا نقض لأصولهم بالاحتياط ورفع الذريعة والتهمة…

فكل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره، أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد؛ فقد حكم بالظن، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل، وإذا حرم شيئًا حلالًا خوف تذرع إلى حرام؛ فليخص الرجال خوف أن يزنوا، وليقتل الناس خوف أن يكفروا، ولتقطع الأعناب خوف أن يصنع منها الخمر، وبالجملة فهذا المذهب يؤدي إلى إبطال الحقائق كلها، لقد أداهم هذا الأصل الفاسد -كما في نص عبارة ابن حزم- إلى أن حكموا في أشياء كثيرة بالتهمة التي لا تحل، فأبطلوا شهادة العدول لآبائهم وأبنائهم ونسائهم وأصدقائهم تهمة لهم بشهادة الزور والحيف، والحكم بالتهمة حرام لا يحل؛ لأنه حكم بالظن، وقد قال تعالى عائبًا لقوم قطعوا بظنونهم فقال: {وَظَنَنتُمْ ظَنّ السّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} [الفتح: 12].

ويقرر ابن حزم في نهاية كلامه واستدلاله أن كل ما تلقن تحريمه، فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وبطل الحكم بالاحتياط، وصح أن لا حكم إلا لليقين وحده.

error: النص محمي !!