Top
Image Alt

أهم وسائل المنصرين في نشر مبادئهم الإنجيلية

  /  أهم وسائل المنصرين في نشر مبادئهم الإنجيلية

أهم وسائل المنصرين في نشر مبادئهم الإنجيلية

بعد هذه الفكرة الموجزة، نريد أن نتعرّف على أهمّ الوسائل التي كان يسلكها المبشِّرون في نشر مبادئهم الإنجيلية، وفي نشر تعاليم الإنجيل بين المسلمين. وسوف يكون حديثنا عن هذه الأمور بشيء من الإيجاز بقَدر ما تحتمله هذه الدروس. وهذه الوسائل التي نتحدّث عنها الآن -إذا أمعنّا النظر فيها- نجدها تختلف حسب البيئة الجغرافية للمنطقة التي يعملون فيها:

فإذا كانت المنطقة فقيرة ومستواها الاجتماعي متدنٍّ، نجدهم يلجئون إلى العمل الاجتماعي عن طريق فتح ملاجئ للأيتام، فتح دور لكبار السِّن، فتح مستوصفات للعمل الطبي، فتح مستشفيات ومؤسسات تعليمية. وهي تحمل معها هذه الأسماء البراقة: مستشفى طبي، مؤسسة علاجية، دُور لليتامى، دُور لكبار السن؛ لكن إذا دخلت أيًّا من هذه الدُّور سوف تجد النشاط الداخلي فيها يركِّز همّ المبشرين على العمل التبشيري من ألِفِه إلى يائه. ولا يخفى على حضراتكم: أنّ العمل الطبي كان يحظى بنصيب الأسد، ثم يليه العمل الاجتماعي، خاصة في البلاد الفقيرة والتي مستواها الاجتماعي متدنٍّ إلى حدّ كبير، كمثل إفريقيا مثلًا، وجنوب السودان. هذه البلاد انتشرت فيها هذه الوسائل أكثر من غيرها.

أمّا إذا كان المستوى الاجتماعي يتمتّع أصحابه بقدر من الثقافة وقدر من العلم، فإننا نجد أن الوسائل تختلف. فربما استخدموا الوسائل الإعلامية، كالمذياع والتلفاز، وأحيانًا الرواية والقصة، وأحيانًا المسرح.

وإذا كان المستوى الاجتماعي له ميول سياسية لمذهب معيّن، يميلون معه، يعني: يتفرّسون المداخل النفسية لكلّ منطقة؛ وهذا نوع من الخبرة التي اكتسبوها من طول ممارستهم للنشاط التبشيري في العالم. لكن بالتحديد، نجد أنّ أهم الوسائل التي سلكها المبشرون في منطقة الخليج: أنهم كانوا يركِّزون على الجوانب الاجتماعية لخدمة المنطقة. وممّا ساعدهم على سهولة الأخذ بهذه الوسيلة: أنّ المنطقة الخليجية قبل ظهور النفط فيها كانت تعيش حياة البداوة، وكان الجهل هو الصفة الغالبة على سكّان المنطقة، وكان الفقر أيضًا يغرسُ أنيابه بين السكان، وكان واقعًا يعيشه معظم أبناء هذه المنطقة، خاصة الذين يعيشون في البادية. أضف إلى هذا: أن الجهل والفقر يَتبعه تلقائيًّا أنّ الحالة الصحية والرعاية الطبية تكون متدنِّية. وهذا كله جعل النشاط الطبي وسيلة مناسبة وميسورة، وبعيدة عن الشبهات؛ فاتّخذ المبشِّرون هذا الجانب الطبي. وعن طريق المستشفيات، والعيادات العامة، والمستوصفات الطبية، حتى الخيام، كانوا ينصبون الخيام الطبية لمعالجة الفقراء، ومن هنا كان يسهل اللقاء المباشر مع سكان المنطقة من المسلمين، رجالًا ونساءً على حدٍّ سواء. فكان المريض مثلًا إذا ذهب إلى المستشفى لا يُسمح له بلقاء الطبيب إلا بعد أن يؤدِّي صلاة الكنيسة، أو الصلاة المسيحية بالكنيسة الملحقة بالمستشفى. ثم بعد لقائه بالطبيب، يأخذ الروشتة من الطبيب ويذهب إلى الصيدلية -وطبعًا ليس هناك صيدلية وإنما هي خيمة أو غرفة- لأجل أن يصرف العلاج؛ فلا يُصرف له العلاج إلا بعد لقاء مباشر مع الراهب إذا كان رجلًا، أو الراهبة إذا كانت امرأة. وهذا اللقاء جعل للهيئات الطبية بالمنطقة وضعًا متميزًا بين جميع سكانها.

نقول: إن هذه الظروف قد أتاحت للمبشِّرين وضعًا متميزًا وفرصة لا تعوّض، لماذا؟ لأنّ المريض أو المريضة، أو بعبارة أخرى المسلم والمسلمة كانوا هم الذين يطلبون لقاء الراهب أو الراهبة، أو بعبارة أخرى الطبيب أو الطبيبة، ويسعيان لمقابلتهما؛ فكان المبشِّر لا يسعى هو إلى من يدعوه، ولكن المريض كان هو الذي يسعى إلى الطبيب، ويسمع منه ويجلس إليه؛ وهذا جعل المستشفى والمستوصف من أخطر مراكز التبشير في منطقة الخليج. وفي الحقيقة، لم تكن هذه الظاهرة -ظاهرة استغلال الحالة الصحية، أو النشاط الطبي- قاصرة على دول الخليج، وإنما كانت هي وسيلة عمّمها المبشرون في كل أنحاء العالم، وخاصة في المناطق الفقيرة كما قلت.

ففي إفريقيا وفي إندونيسيا كانوا يعتمدون على النشاط الطبي كوسيلة من وسائل التبشير. ويليه مباشرة النشاط الاجتماعي. ولعل أكبر مثال على هذا: مستشفى بعثة الاتحاد الإنجيلي في الإمارات العربية المتحدة؛ فإن نشاط هذه المستشفى لا يقتصر على المرضى المقيمين فيها فقط، وإنما تعدّى نشاطها إلى إقامة الندوات العامة التي كانت تُعقد في القاعة المُعَدّة لذلك. كما تأسس في المستشفى مكتبة خاصة لبيع الكتب والمطبوعات المسيحية؛ بل في كلّ غرفة منها كانت تُقدّم أشرطة التسجيل للكتاب المقدس وسماع موعظة الأحد.

إذًا النشاط الطبي كان إحدى الوسائل التي اعتمد عليها المبشرون في العالم كلّه، وخاصة المناطق المحرومة طبيًّا أو الفقيرة اجتماعيًّا؛ وهذا كان سبيلهم -كما قلنا- في إفريقية وفي إندونيسيا، وفي مناطق ريفية في مصر.

ثم نجد أن من الوسائل أيضًا التي اعتمدوا عليها في دول الخليج، وفي بعض البلاد المتمتعة بشيء من التحضر كالشام -خاصة سوريا، ولبنان- ومصر، وبلاد المغرب -بالذات: تونس، والجزائر، والرباط- العلاقات الشخصية بين المبشرين وبين مَن يصادقونهم من أهل هذه البلاد كانت تتم هناك علاقات شخصية وصداقات بين الأفراد والعائلات في داخل المنطقة وخارجها. ومن أبرز الشخصيات المهتمِّين بهذه القضية: مجموعة تسمى: “صانعي الخيام”. احفظ هذا اللقب جيدًا؛ لأنه كان له نشاط مهم جدًّا في العملية التبشيرية، مجموعة صانعي الخيام، لوجودهم في أماكن العمل المختلفة، واحتكاكهم المباشر مع أصحاب الأعمال، وخاصة مع رجال الأعمال الأثرياء. وفي غالب الأحيان كانوا يشاركونهم برءوس أموال رمزية؛ ليجعلوا من ذلك منفذًا للتأثير على العمالة الموجودة في هذا المصنع أو ذاك.

بعد العلاقات الشخصية، نجد أنّ هناك دوْرًا كبيرًا للمطبوعات. كان لها دور كبير جدًّا في عملية التبشير، وتوزيع هذا المطبوعات بالمجان. فنحن عندنا على سبيل المثال في مصر: كثير منا كان يفتح باب بيته في الصباح فيجد تحت باب الشّقّة أو تحت باب البيت خطابًا. يفتح هذا الخطاب، فيجد أن الخطاب موجّه إليه من أحد النصارى، يدعوه فيه إلى السلام والمحبة وتعاليم الإنجيل؛ بل أكثر من هذا: كنا نجد أحيانًا على بعض أبواب المساجد ملصقات تبشِّر بتعاليم الإنجيل، بالإضافة إلى الدوريات المنتشرة في شتّى أنحاء العالم العربي، دوريات تبشيرية. وكانت توزّع، وما زالت توزّع بالمجان، بالإضافة إلى الكتب المسيحية التي تتولى نشر هذه المهمة. وإذا علمنا أنّ هناك بالإضافة إلى الخطابات والملصقات هناك بعض المطبوعات التي توزّع مجانًا مع باعة الصحف، وهؤلاء باعة مخصوصون يقفون أمام الكنائس لتوزيع هذه المطبوعات التبشيرية.

بعد المطبوعات، هناك وسائل الإعلام المعاصرة والحديثة، مثل: الإذاعات التبشيرية المنتشرة حول العالم كلّه، نجد في كثير من البلاد الإسلامية إذاعات تبشيرية، في داخل العالم الإسلامي وفي خارج العالم الإسلامي؛ وهي أكثر الوسائل الحديثة انتشارًا وفاعلية، وأكثر الوسائل اتصالًا بالمسلمين الآن؛ لأنها تدخل على المسلم حجرة نومه. وهناك أجهزة إعلامية متخصصة في إنتاج البرامج التبشيرية الموجهة إلى المسلمين. ولعلّ من أهم هذه الأجهزة: شركات الإنتاج الإعلامي الموجودة في لبنان، وفي فرنسا، وفي إسبانيا، وفي جزيرة قبرص، وفي جزيرة سيشل. وبعض هذه الشركات تبثّ برامجها من راديو عبر العالم من موناكو، ومن قبرص. كما أن راديو الفاتيكان يبثّ برامجه التبشيرية باللغة العربية. ولعل أنشط هذه الشركات الآن: راديو “مونت كارلو” الذي يبث برامجه التبشيرية بعد الساعة الحادية عشرة مساء في غالب الأحيان. ثم هناك إذاعة صوت الغفران، وإذاعة مركز النهضة، وإذاعة قبرص في نيقوسيا، وإذاعة فيبا بجمهورية سيشل في المحيط الهندي، وهذه الإذاعات تبث برامجها باللغة العربية.

إذا أضفنا إلى الإذاعات ما جَدّ من وسائل إعلام عبْر الأقمار الصناعية، نستطيع أن نقول: إن عوامل أو وسائل التبشير تلاحق كلّ ما هو جديد فتستفيد به. فوجدنا أقمارًا صناعية تبث برامج، وظيفتها الأساسية: محاربة الإسلام ونشر المسيحية. وقد سمعت من أحد المتخصصين في السياسة الإعلامية في بعض البلاد العربية: أنّ هناك سبعة عشر قمرًا صناعيًّا وظيفتها التأجير لقنوات تحارب العالم الإسلامي بمستويات الحرب المختلفة: اقتصاديًّا، ثقافيًّا، اجتماعيًّا، دينيًّا، وبلغات مختلفة أيضًا.

بعد هذه الإذاعات، نجد أن وسائل التبشير اتّخذت من المؤسسات التربوية التعليمية وسيلة أيضًا لمباشرة النشاط التبشيري؛ فأسست لها مؤسساتٍ ودُورًا تربوية، ابتداءً من دور الحضانة، ثم المدارس الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والجامعات. ولا يكاد يخلو بلد عربي من هذه المؤسسات التربوية التعليمية التبشيرية. لو تقصّينا العالم العربي من شرْقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، نستطيع أن نجزم: أنه لا توجد دولة عربية؛ وبالتالي لا توجد دولة إسلامية تخلو من مثل هذه المدارس، إمّا تحت مسمَّى مدارس اللغات، أو مدارس “الفرير”، أو الفرنسيسكان، أو كلية اللاهوت أو … أو … إلخ.

وهذه المؤسسات يختلف نشاطها قوة وضعفًا حسب المنطقة التي تعمل بها. فعلى سبيل المثال: نجد أن أنشطة المدارس العاملة في دول الخليج، مدارس كاثوليك في “أبو ظبي”، ومدرسة إرسالية أمريكية تعمل في البحرين، ومدارس فُرير فرنسية في بعض الإمارات العربية، ومدارس إنجليزية في قطر، وهذه المدارس على اختلاف أنواعها مثْلها مثْل نظائرها في البلاد العربية الأخرى، لها مناهج دراسية تختلف في كثير من موادها عن المواد الدراسية في المدارس الحكومية الرسمية لهذه البلاد.

وليس من الصعوبة أن نكتشف: أن مناهج هذه المدارس يُبث فيها ما يخالف العقيدة الإسلامية، بل يُبث فيها تزوير وتزييف للحقائق التاريخية الإسلامية، إما بسوء نية وقصد، وإما بحسن نية وقصد؛ لكن الأهم من ذلك: أن أبناءنا يتربَّوْن على هذه الحقائق المشوّهة وهذه التواريخ المزيّفة. وسوف أضع أمام حضراتكم بعض النماذج التي وقعت تحت أيدينا ممّا يُدرّس لأبنائنا في هذه المدارس التبشيرية، أو إن شئتم فسمّوها المدارس الأجنبية، أو مدارس اللغات، أو مدراس “الفرير” أو … أو …إلخ.

لقد أعلنت الصحف عن طرد بعض المعلِّمات الإنجليز، وكانت إحدى هؤلاء المدرّسات تعمل ناظرة في مدرسة إنجليزية بالدوحة. وكانت هذه الناظرة قد ألّفت كتابًا مقررًا على الطلبة يسمى: (العصور الوسطى). جاء في هذا الكتاب الذي كان يُدرّس للطلاب العرب والمسلمين بعض الدسائس والأباطيل والافتراءات، التي اكتشفها أبناء المسلمين؛ وترتّب عليه فعلًا طرد هذه المُدَرِّسة وإغلاق المدرسة حقيقة. مما جاء في هذا الكتاب: أن الإسلام منقول عن الثقافة الهيلينية الإغريقية، ومتأثّر بالفلسفات اليونانية والوثنية. وجاء في هذا الكتاب: أنّ الإسلام أذاب أو ضيَّع أو محا شخصية الفرد، وقضى على كبريائه، خاصة في البلاد التي شهدت الفتوحات الإسلامية. وجاء في هذا الكتاب أيضًا: أنّ الإسلام جعل الإنسان المسلم غيبيًّا واتكاليًّا بتأكيده على مبدإ القناعة والتوكل، واعتماده على القضاء والقدر، وأن الإسلام غذَّى النزعة الحربية العدائية تجاه الشعوب، ودرّب أنصاره على مبدإ الحرب، وأن الإسلام جعل المسلم يركع ويمرِّغ جبهته في الأرض خلال صلواته خمس مرات يومية، لتكون العبادة عملية شكلية ليس إلا. إن الحضارة التي يَنسبها المسلمون إلى أنفسهم ليست إلا حضارة هندية، أو إغريقية، أو فارسية، وليس للعرب فيها سوى الاقتباس والأخذ عن هذه الحضارات. وهو نفس الكلام الذي ردّده المستشرقون عن الحضارة الإسلامية. إن الفتوحات الإسلامية اعتمدت على تدمير الشعوب، وإذلال المجتمعات التي وقعت تحت رحمة الغزو العربي الإسلامي.

ثم إن الرسول محمدًا صلى الله عليه  وسلم شخصية ذات سطوة قمْعية -هكذا تقول في هذا الكتاب- شخصية ذات سطوة قمعية ترى أن الرأي رأيها. ولأنه سليل أسرة قرشية عريقة، فقد فرض زعامتها عن طريق جدّه، وساعدتْه خديجة في تمكين هذا النفوذ؛ لأنه لم يكن مفكرًا بل كان أميًّا.

إلى غير ذلك من الافتراءات التي كانت تردّدها هذه المُدرِّسة. وكان الكتاب مقررًا على أبناء المسلمين، ويدرّس لأبناء المسلمين. وهذا نموذج واحد فقط.

إذا أضفنا إلى ذلك: أن ما كان يدرَّس في هذه المدرسة وعلى يد هذه المدرسة يوجد له نظائر كثيرة جدًّا، على مستوى الجامعات الأمريكية وما يُدرّس فيها، على مستوى التعليم الثانوي في مدارس “الفرير” الفرنسية، أو مدارس اللغات الأجنبية وما يدرّس فيها. ومن الغريب جدًّا -أيها الإخوة: أنه ليس هناك رقيب أو مراجع على مقرّرات الدراسة في هذه المدارس. هناك إشراف سطحي لوزارات التربية والتعليم في هذا البلاد، إشراف سطحي على المناهج، لكن ليس هناك مُراجع حقيقيّ يقرأ ويمحِّص، ويدقّق النظر، خاصة في المقررات التي تتّصل بالعلوم الإنسانية: تاريخ، علوم الدِّين، مادة الدين أو مادة الأخلاق؛ لأن هاتيْن المادتيْن أثرهما كبير جدًّا في تكوين شخصية الطفل أو التلميذ عمومًا.

إذا علمنا من جانب آخر: أن هذه المدارس بات لا يذهب إليها إلا صفوة المجتمع، وأثرياء القوم من الذين بهَرَتْهم عوامل الإعلام التي زيّنتْ لهم أنّ هذه المدارس مدارس راقية، وأنّ مناهجها حديثة، وأنّ الأبناء يتعلّمون فيها على أيدٍ من بلاد أجنبية -التي هي فكرة الخواجة، أو عقدة الخواجة- فنجد أن معظم أبناء هذه المدارس من طبقة اجتماعية معيّنة. وأيضًا المدرِّسون الذين يلتحقون بالعمل في هذه المدارس لهم أيضًا ميول خاصة، أو يُنتقَوْن بمعايير خاصة؛ فهم يحاولون بكل وسيلة أن يعملوا على ربط الأسرة التي ينتمي إليها هؤلاء التلاميذ بالمدرسة التي يوجد فيها أبناؤهم، وبتوجّه المدرسة التي ينتمي فيها أبناؤهم، ويَدعون أسَر هؤلاء التلاميذ إلى لقاءات متكرِّرة ودورية، إمّا كل شهر؛ بل إنّ بعض الأمهات يُطلَب منهن الذهاب إلى المدرسة ربما كل أسبوع -خاصة الأمهات- لتقف الأم على ما في هذه المدرسة من تعاليم، وأساليب تربية، وتقاليد اجتماعية، لتنقل -بطريق غير مباشر- وسائل التربية القائمة في هذه المدارس من المدرسة إلى الأسرة؛ ولذلك يحاولون بكل وسيلة أن يعملوا على تحويل واقع الأسَر وواقع المجتمع إلى ما عليه المدرسة؛ حتى تنتقل صورة الحياة من المدرسة -سواء كانت صورة تقاليد وعادات يهودية، أو تقاليد وعادات نصرانية، أو تقاليد وعادات إلحاديّة- تنتقل هذه العادات تلقائيًّا إلى البيت الذي ينتمي إليه هذا التلميذ. وبطريقة سهلة جدًّا يحقّق المبشِّر هدفَه، بأن جعل المدرسة خليَّة أخرى من خلايا التربية تحلّ محلّ البيت، وفي نفس الوقت جعل البيت -بمعنى من المعاني- معاونًا للمدرسة في تكوين الوجدان والفكر والثقافة لهؤلاء الناشئة الذين ينتمون إلى هذه المدارس.

ولكي تتأكّدوا من نشاط هذه المدارس، وأنّ التبشير يمثِّل ركنًا ركينًا من أهدافها الأساسية، عليكم أن تراجعوا النشيد الذي يردّده طلاب هذه المدارس في يومهم الدراسي كلّ صباح، والأناشيد التي يردِّدها هؤلاء التلاميذ، خاصة في دُور الحضانة، وفي المستويات التعليمية المتقدِّمة، كالابتدائي، والإعدادي. الأناشيد التي يردِّدونها فيما يسمّى بحصة النشاط الفني، لم نجد أكثر دلالة على بروز النشاط التبشيري في هذه الأنشطة اليومية في المدارس، حتى اللُّعَب التي يمرِّنون عليها التلاميذ في سنّ الحضانة والابتدائي، نوعية اللعب: تجدونهم يقدمون لهم المرأة الإفرنجية التي تلبس لباسًا يغطِّي نصف جسدها، وامرأة أخرى تلبس اللباس العربي الإسلامي -الحجاب- ويكتبون عبارة باللغة الإنجليزية تحت المرأة الإفرنجية التي تلبس لباسًا يغطِّي نصف جسدها كلمة: Good -أي جيد- والمرأة الأخرى التي تلبس لباسًا إسلاميًّا يغطي جميع جسدها كلمة: Dirty -أي :قذر- ويضعون علامة استفهام عليها. ويقولون للتلاميذ: عليك أن ترسم هذه وهذه، ثم تبيِّن أو توضّح أو تكتب تحتها العبارة التي تناسبها. ويخفون عن التلميذ الرسم الذي قدّموه له، ويجعلون ذلك من وسائل اختبار التلميذ هل هو ذاكر درْسه جيدًا أو لا. هذه بعض نماذج مما يُلقى على أبنائنا في المدارس الأجنبية، أو مدارس اللغات، أو مدارس “الفرير”. وهي مدارس -كما قلت- لا يذهب إليها إلا طبقات معيّنة من المجتمع، لكن هي أصبحت الآن تعمل أو كما نقول: تلعب على المكشوف، وأن نشاطها التبشيري أصبح واضحًا ولا يحتاج إلى مزيد من التأكيد.

error: النص محمي !!