Top
Image Alt

أوجه الاتفاق والاختلاف بين المحافظين وبين البارودي، ودراسة نص من شعر المحافظين دراسة تحليلية مفصلة

  /  أوجه الاتفاق والاختلاف بين المحافظين وبين البارودي، ودراسة نص من شعر المحافظين دراسة تحليلية مفصلة

أوجه الاتفاق والاختلاف بين المحافظين وبين البارودي، ودراسة نص من شعر المحافظين دراسة تحليلية مفصلة

لقد أخذ المحافظون من البارودي طريقته التي أخذها عن الشعر القديم، وحتّمت عليهم حياتهم الجديدة المختلفة عن حياة البارودي من جهة ثانية أن يرتادوا بشعرهم آفاقًا جديدةً، وأن يتوسّعوا في أغراض لم يتوسع فيها البارودي، فَهُم في شعرهم يتجاوبون مع أحداث وطنهم، وتظهر في شعرهم هذا العاطفةُ الوطنية المتدفقة الحادة، الطامحةُ إلى المثل الأعلى في حياة مصر، وتمتد أبصارهم وتتسع عواطفهم، لتشمل بلاد الوطن العربي كله، يصورون مآسي هذه البلاد بعد أن اقتسمتها بلاد أوروبا الغربية ودولها الاستعمارية فيما بينها، وبعد أن سقطت الخلافة العثمانية، وصارت هذه البلاد تركة يرثها ويقتسمها دول الاستعمار الغربي والأوروبي. أخذ هؤلاء الشعراء المحافظون يصورون مآسي هذه البلاد جميعًا، ويشكون آلامها، ويعبرون عن آمالها، ويدعون إلى الوحدة العربية بين أقطار الأمة العربية.

ويجاوز الشعراء المحافظون حدود القومية العربية إلى الأمة الإسلامية جميعها، ويظهر في شعرهم هذا الروح الإسلامي المتدفق مهتديًا بتعاليم الإسلامي في الحث على التعاون والوَحدة، وينطلق الشعراء يَردّون في شعرهم الإسلامي على حملات المستشرقين، ويذيعون مآثر دينهم، ويدبجون المدائح في الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

وكان سقوط الخلافة العثمانية حدثًا من الأحداث التي أثّرت في جموع المسلمين، وقد ترك هذا الحدث آثاره الواضحة في شعر المحافظين؛ إذ أعربوا عن حزنهم على سقوط هذه الخلافة، التي كانت رمزًا لوحدة المسلمين، على الرغم من مساوئ الحكام والولاة في سياسة الرعية وحكم البلاد، وإلى جانب هذه العواطف الوطنية والقومية والدينية التي انطلق شعراء هذا الجيل -الشعراء المحافظون- يعبرون عنها في حرارة وصدق وإخلاص؛ انطلقوا أيضًا إلى حياتهم الشخصية يعبرون عنها تعبيرًا يمسّ ما يتصل بهذه الحياة الشخصية من أفراح وأحزان، وما يمر بها من نعيم وحِرمان، وما يراودها من آمال وآلام.

لقد اكتسبت أغراض الشعر عندهم -عند الشعراء المحافظين- ثراءً وتنوعًا وسعةً، ووضُحت في أشعارهم عواطفهم نحو وطنهم الصغير مصر، ونحو أمتهم العربية، ونحو دينهم وعقيدتهم، وصوّروا مع ذلك كله خلجات أنفسهم ونبضات شعورهم، وفي عرضهم الفني لتلك العواطف والقضايا والأفكار، امتازت طريقتهم عن طريقة البارودي بالرقة المتناهية في اللفظ، والسهولة المفرطة في الصياغة، والقرابة الدانية في الصور والمعاني.

إذن طريقتهم تشبه طريقة البارودي في اختيار الألفاظ الفصيحة، والأساليب السليمة، والالتزام بتقاليد القصيدة العربية القديمة، ووحدة الوزن ووحدة القافية في أكثر الأحيان، لكن امتازت طريقتهم عن البارودي بالرقة المتناهية في اللفظ، والسهولة المفرطة في الصياغة، والقرابة الدانية في الصور والمعاني، وأقبلت طوائف الشعب تقرأ الشعر العربي لهؤلاء الشعراء المحافظين في الصحف السيّارة والمجلات، وتجاوب نبض الشعب مع نبض الشعر، ووجد الشعراء المحافظون في جمهور المثقفين والقارئين قاعدةً عريضةً شجعتهم على أن يسهِّلوا لهذه الجماهير لغة الشعر، حتى يستطيعوا التأثير فيها، وأثرى تجاوب الشعب عواطف الشعراء، ومَضَى شعر المحافظين يأخذ مكانه المرموق في ديوان الشعر العربي، ويؤثر في نفوس قارئيه، ويلهب حماس الجماهير ضد الاحتلال الغربي لبلاد العرب، ويدعوهم إلى التمسك بدينهم وعقيدتهم، ويدعوهم إلى الأخلاق الكريمة، والبعد عن العادات والتقاليد المرذولة التي كانت تأتي مع المستعمرين.

وكان من أئمة هذا الجيل: الشاعر إسماعيل صبري، والشاعر أحمد شوقي، والشاعر أحمد الكاشف، والشاعر أحمد محرم، والشاعر حافظ إبراهيم، والشاعر محمد عبد المطلب، وعلي الجارم، ومحمد الأسمر، وغيرهم، وهؤلاء جميعًا يمثلون مدرسةً امتد تأثيرها، وكثر أتباعها، وبقي منهجها قائمًا، لم تنل منه دعوات التجديد ولم تذهب به عواصف الحداثة، ولا يزال هؤلاء الشعراء المحافظون يجدون مَن يسيرُ على نهجهم ويحذو حذوهم في الشعر إلى يومنا هذا.

بعد هذا التعريف بجيل الشعراء المحافظين، وذكر خصائص شعرهم، والفرق بينهم وبين البارودي والشبه بينهم وبين البارودي كذلك، أقدّم لك نماذجَ من شعر هؤلاء المحافظين بعد أن توثقت صلتنا بالغرب عن طريق الاحتلال الإنجليزي، وكثرة البعثات ونشاط حملات التبشير، أصبح الإعجاب بالغرب سبيل كثير من الشباب، وأثّر ذلك على قيمهم الإسلامية العظيمة، ففزع كثير من الغُيُر على دينهم، وظهر أثر ذلك في شعر المحافظين، كما في هذه الأبيات للشاعر أحمد محرم، والتي يقول فيها:

يا داعي الله مُدّ الصوت وادعُ

*إلى جناته مَن يريد النار مسرورا

أما ترى الناس لا يبغون صالحة

*ولا يخافون فوق الأرض محذورا

أما تراهم كأنعام مشردة

*فوضَى تهيم وتمضي جُنّحًا زورا

يا داعي الله إن القوم قد لبسوا

*ليل العماية فابعث فيهم النورا

أطلِع لهم من كتاب الله بينة

*تجلو اليقين وتمحو الشك والزورا

ويدعو الشاعر أحمد الكاشف بني وطنه إلى الأخذ بمنهج الإسلام، ويدعوهم إلى التأسي بجدودهم الصالحين، والتمسك بهَدْي الدين، فيقول:

بني الشرق أدعوكم إلى خير منهج

*يعيد إليكم نضرة العيش ثانيا

فجاروا بني الغرب الذين تشبهوا

*بأجدادكم حتى تنالوا المعاليا

وأنتم بتقليد الجدود أحق من

*عِدًى سلبوكم مظهرًا كان زاهيا

أسرَّكم أن المحارم تُستبى

*ولم تلقَ فيكم عن حماها محاميا

ولما اشتدت حملات المستشرقين الحاقدة على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم هبّ شعر المحافظين يدفع الأباطيلَ ويعلن الحقائق، ويشيد بالإسلام وبرسوله العظيم صلى الله عليه وسلم على نحو ما نجده في قول شوقي:

قالوا غَزَوتَ وَرُسلُ اللَهِ ما بُعِثوا

*لِقَتلِ نَفسٍ وَلا جاءوا لِسَفكِ دَمِ

شوقي هنا ينقل ما قاله المستشرقون؛ في ادعائهم أن الإسلام انتشر بحد السيف، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكره الناس على الدخول فيه، والحال أن رسل الله ما بُعثوا لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم.

ثم يرد شوقي فيقول: جهل؛ أي: كلامهم هذا جهل:

جَهلٌ وَتَضليلُ أَحلامٍ وَسَفسَطَةٌ

*فَتَحتَ بِالسَيفِ بَعدَ الفَتحِ بِالقَلَمِ

لَمّا أَتى لَكَ عَفوًا كُلُّ ذي حَسَبٍ

*تَكَفَّلَ السَيفُ بِالجُهّالِ وَالعَمَمِ

وَالشَرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيرِ ضِقتَ بِهِ

*ذَرعًا وَإِن تَلقَهُ بِالشَرِّ يَنحَسِمِ

فشوقي يقول: إن الإسلام أو المسلمين لم يستخدموا القوة إلا لإفساح الطريق أمام الدعوة، وأنهم لم يقاتلوا إلا من قاتلوهم صدًّا عن سبيل الله ودينه.

ويُشيد شوقي في همزيته النبوية بالإسلام وتعاليمه، ويمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاخرًا بمآثره ومآثر دينه، فيقول:

داءُ الجَماعَةِ مِن أَرِسطاليسَ

*لَم يوصَف لَهُ حَتّى أَتَيتَ دَواءُ

فَرَسَمتَ بَعدَكَ لِلعِبادِ حُكومَةً

*لا سوقَةٌ فيها وَلا أُمَراءُ

اللَهُ فَوقَ الخَلقِ فيها وَحدَهُ

*وَالناسُ تَحتَ لِوائِها أَكفاءُ

فَالدينُ يُسرٌ وَالخِلافَةُ بَيعَةٌ

*وَالأَمرُ شورى وَالحُقوقُ قَضاءُ

ويشير شوقي إلى عدالة الإسلام ومحاولته إذابة الطبقات بين الفقراء والأغنياء، عن طريق الزكاة والصدقة والتكافل الاجتماعي، وهي طريقة تختلف عن طريقة الاشتراكيين المُغالين، والذين كانت طريقتهم مشهورة تجذب إليها أنظار كثير من الشباب في القرن الماضي؛ خاصةً في النصف الأول منه، يقول شوقي -بالإضافة إلى الأبيات التي مرت:

الاشتراكيون أَنتَ إِمامُهُم

*لَولا دَعاوَى القَومِ وَالغُلَواءُ

وقوله: “لولا دعاوى القوم والغلواء”؛ ليفرق بين طريقة الإسلام وطريقة الاشتراكيين.

داوَيتَ مُتَّئِدًا وَداوَوا طَفرَةً

*وَأَخَفُّ مِن بَعضِ الدَواءِ الداءُ

ولما أسقط الكماليون الأتراكُ الخلافة الإسلاميةَ وعزلوا السلطان عبد الحميد، وانفرط عقد الأمة الإسلامية بعد ذلك، ومُزقت وحدتها، وتقاسمت أرضَها دولُ الغرب الاستعمارية فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، هَبَّ الشعراء المحافظون يستنكرون هذا الفعل، ويَرثون الخلافة رمزَ الوحدة الإسلامية الكبرى، وكان مما قاله أحمد محرم:

أعن خطب الخلافة تسألينا

*أجيبي يا فاروقُ فتًى حزينا

و”فاروق” لقب لعاصمة الخلافة:

هوَى العرش الذي استعصمتِ منه

*بركن الدهر واستعليت حينا

فأين البأسُ يقتحم المَنايا

*ويلتهمُ الكتائبَ والحُصونا

وقال أحمد شوقي يبكي الخلافة الذاهبةَ، ويصور حزن المسلمين بسبب سقوطها، يقول:

عادت أغاني العُرس رجع نُواح

*…. …. …. ….

وكان إسقاط الخلافة بعد أن انتصرت تركيا في إحدى حروبها الكبرى مع الدول الغربية، وفي غَمرة فرح المسلمين بهذا النصر الذي حققه الجيش التركي، قام الجيش التركي نفسه بإعلان إلغاء الخلافة الإسلامية، فأغاني العرس هي مظاهر الفرح بالنصر، لكن هذه الأفراح انقلبت إلى أحزان، يقول شوقي:

عادَت أَغاني العُرسِ رَجعَ

*نُواحِ وَنُعيتِ بَينَ مَعالِمِ الأَفراحِ

كُفِّنتِ في لَيلِ الزَفافِ بِثَوبِهِ

*وَدُفِنتِ عِندَ تَبَلُّجِ الإِصباحِ

شُيِّعتِ مِن هَلَعٍ بِعَبرَةِ ضاحِكٍ

*في كُلِّ ناحِيَةٍ وَسَكرَةِ صاحِ

ضَجَّت عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنابِرٌ

*وَبَكَت عَلَيكَ مَمالِكٌ وَنَواحِ

فالهِندُ والِهَةٌ وَمِصرُ حَزينَةٌ

*تَبكي عَلَيكِ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ

وَالشامُ تَسأَلُ وَالعِراقُ وَفارِسٌ

*أَمَحا مِنَ الأَرضِ الخِلافَةَ ماحِ

وتمتلئ دواوين الشعراء المحافظين بالشعر الإسلامي الذي يصوّر عاطفة صادقة وعقيدة واثقة، تتعلق بأهداب الدين وتنافح عنه وتدعو إليه، ويتفاعل هذا الشعر مع كل قضية تتعلق بالإسلام فرضتها الظروف والأحداث في هذا العصر، وأدى الشعراء المحافظون دورهم الذي أوجبه عليهم ضميرهم الإسلامي وولاؤهم العربي في الدعوة إلى الوحدة العربية وصيانة مقوماتها، على نحو ما نجده في قول حافظ إبراهيم:

لِمِصرَ أَم لِرُبوعِ الشامِ تَنتَسِبُ

*هُنا العُلا وَهُناكَ المَجدُ وَالحَسَبُ

رُكنانِ لِلشَرقِ لا زالَت رُبوعُهُما

*قَلبُ الهِلالِ عَلَيها خافِقٌ يَجِبُ

“قلب الهلال عليها خافق يجب”: أي: ينبض.

“خِدران” أي: مصر والشام، “خدران” أي حصنان، “خدران للضاد”: أي: للغة الضاد أي: اللغة العربية:

خِدرانِ لِلضادِ لَم تُهتَك سُتورُهُما

*وَلا تَحَوَّلَ عَن مَغناهُما الأَدَبُ

أُمُّ اللُغاتِ غَداةَ الفَخرِ أُمُّهُما

*وَإِن سَأَلتَ عَنِ الآباءِ فَالعَرَبُ

أَيَرغَبانِ عَنِ الحُسنى وَبَينَهُما

*في رائِعاتِ المَعالي ذَلِكَ النَسَبُ

إِذا أَلَمَّت بِوادي النيلِ نازِلَةٌ

*باتَت لَها راسِياتُ الشامِ تَضطَرِبُ

وَإِن دَعا في ثَرى الأَهرامِ ذو أَلَمٍ

*أَجابَهُ في ذُرا لُبنانَ مُنتَحِبُ

ويدعو حافظُ صديقَه أميرَ الشعراء أحمد شوقي في حفل تتويجه أميرًا لدولة الشعر؛ إلى التغني بالعراق، ولبنان، ونجد، والمغرب العربي، كما تغنى بمصر وربوع النيل، فيقول حافظ مخاطبًا شوقي:

فَغَنِّ رُبوعَ النيلِ وَاِعطِف بِنَظرَةٍ

*عَلى ساكِني النَهرَينِ وَاِصدَح وَأَبدِعِ

وَلا تَنسَ نَجدًا إِنَّها مَنبِتُ الهَوى

*وَمَرعى المَها مِن سارِحاتٍ وَرُتَّعِ

وَحَيِّ ذُرا لُبنانَ وَاِجعَل لِتونُسٍ

*نَصيبًا مِنَ السَلوى وَقَسِّم وَوَزِّعِ

ويستمر حافظ في هذا الحداء المخلص، مذكرًا بأمجاد الأمة، ومُشيدًا بروابطها، ومعبّرًا عن عاطفة أبناء مصر نحو إخوانهم؛ تلك العاطفة المُفعمة بالحب والإخلاص، فيقول:

النيلُ وَهوَ إِلى الأُردُنَّ في شَغَفٍ

*يُهدي إِلى بَرَدى أَشواقَ وَلهانِ

وَفي العِراقِ بِهِ وَجدٌ بِدِجلَتِهِ

*وَبِالفُراتِ وَتَحنانٌ لِسَيحانِ

هكذا يصور حافظ إبراهيم نهر النيل مشغوفًا بحب نهر بردا، مشوقًا إلى نهر الأردن، مولعًا بدجلة والفرات، له عشق لكل الأنهار التي تجري في أرض العرب، وإذا كانت الأنهار والأرض تحنّ وتشتاق فكيف بأهلها؟ هذه الرحم الموصولة وتلك القربى الحميمة بين أبناء الأمة العربية هي التي قصدها شوقي في قوله:

وَنَحنُ في الشَرقِ وَالفُصحى بَنو رَحِمٍ

*وَنَحنُ في الجُرحِ وَالآلامِ إِخوانُ

وفي قوله:

وَما الشَرقُ إِلّا أُسرَةٌ أَو عَشيرَةٌ

*تَلُمُّ بَنيها عِندَ كُلِّ مُصابِ

ويخاطب أحمد شوقي بني دمشق في حب صادق وتمجيد محمود، فيقول:

وَيَجمَعُنا إِذا اِختَلَفَت بِلادٌ

*بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ

جَزاكُم ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ

*وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ

ويشير شوقي إلى الروابط التي تجمع بين العرب في الفكر والآمال والآلام، فيقول:

قَد قَضى اللَهُ أَن يُؤَلِّفَنا الجُر

*حُ وَأَن نَلتَقي عَلى أَشجانِه

كُلَما أَنَّ بِالعِراقِ جَريحٌ

*لَمَسَ الشَرقُ جَنبَهُ في عُمانِه

وَعَلَينا كَما عَلَيكُم حَديدٌ -أي: قيود الاستعمار-

*تَتَنَزّى اللُيوثُ في قُضبانِه

نَحنُ في الفِقهِ بِالدِيارِ سَواءٌ

*كُلُّنا مُشفِقُ عَلى أَوطانِه

هذه هي مشاعر العربي تجاه وطنه وأمته، كما يجسدها هذا الشعر الصادق النابض بالحب والوفاء والإخلاص الذي أبدعه جيلُ الشعراءِ المحافظين، مؤدين بذلك أمانة الدعوة إلى الوحدة وواجب الإخلاص للأمة، أما ما فعلته السياسة والمؤامرات بهذه الأمة فشيء آخر غير الذي كان يدعو إليه الشعراء ويتمنونه.

والآن جاء دور الدراسة النصية، أقدِّم قصيدة من شعر المحافظين، نقف معها بالدرس والتحليل.

هذه القصيدة للشاعر حافظ إبراهيم، وعنوانها “سعيٌ بلا جدوَى”، يقول:

سَعَيتُ إِلى أَن كِدّتُ أَنتَعِلُ الدِّما

*وَعُدتُ وَما أُعقِبتُ إِلّا التَنَدُّما

لَحَى اللَهُ عَهدَ القاسِطينَ الَّذي بِهِ

*تَهَدَّمَ مِن بُنيانِنا ما تَهَدَّما

إِذا شِئتَ أَن تَلقَى السَعادَةَ بَينَهُم

*فَلا تَكُ مِصرِيًّا وَلا تَكُ مُسلِما

سَلامٌ عَلى الدُنيا سَلامَ مُوَدِّعٍ

*رَأى في ظَلامِ القَبرِ أُنسًا وَمَغنَما

أَضَرَّت بِهِ الأولى فَهامَ بِأُختِها

*فَإِن ساءَتِ الأُخرى فَوَيلاهُ مِنهُما

فَهُبّي رِياحَ المَوتِ نُكبًا وَأَطفِئي

*سِراجَ حَياتي قَبلَ أَن يَتَحَطَّما

فَما عَصَمَتني مِن زَماني فَضائِلي

*وَلَكِن رَأَيتُ المَوتَ لِلحُرِّ أَعصَما

فَيا قَلبُ لا تَجزَع إِذا عَضَّكَ الأَسى

*فَإِنّكَ بَعدَ اليَومِ لَن تَتَأَلَّما

وَيا عَينُ قَد آنَ الجُمودُ لِمَدمَعي

*فَلا سَيلَ دَمعٍ تَسكُبينَ وَلا دَما

وَيا يَدُ ما كَلَّفتُكِ البَسطَ مَرَّةً

*لِذي مِنَّةٍ أَولى الجَميلَ وَأَنعَما

فَلِلَّهِ ما أَحلاكِ في أَنمُلِ البِلى

*وَإِن كُنتِ أَحلى في الطُروسِ وَأَكرَما

وَيا قَدَمي ما سِرتِ بي لِمَذَلَّةٍ

*وَلَم تَرتَقي إِلّا إِلى العِزِّ سُلَّما

فَلا تُبطِئي سَيراً إِلى المَوتِ

*وَاِعلَمي بِأَنَّ كَريمَ القَومِ مَن ماتَ مُكرَما

وَيا نَفسُ كَم جَشَّمتُكِ الصَبرَ وَالرِضا

*وَجَشَّمتِني أَن أَلبَسَ المَجدَ مُعلَما

فَما اِسطَعتِ أَن تَستَمرِئي مُرَّ طَعمِهِ

*وَما اِسطَعتُ بَينَ القَومِ أَن أَتَقَدَّما

فَهَذا فِراقٌ بَينَنا فَتَجَمَّلي

*فَإِنَّ الرَدى أَحلى مَذاقًا وَمَطعَما

وَيا صَدرُ كَم حَلَّت بِذاتِكَ ضيقَةٌ

*وَكَم جالَ في أَنحائِكَ الهَمُّ وَاِرتَمى

فَهَلّا تَرى في ضيقَةِ القَبرِ فُسحَةً

*تُنَفِّسُ عَنكَ الكَربَ إِن بِتَّ مُبرَما

وَيا قَبرُ لا تَبخَل بِرَدِّ تَحِيَّةٍ

*عَلى صحِبٍ أَوفى عَلَينا وَسَلَّما

وَهَيهاتَ يَأتي الحَيُّ لِلمَيتِ

*زائِرًا فَإِنّي رَأَيتُ الوُدَّ في الحَيِّ أُسقما

وَيا أَيُّها النَجمُ الَّذي طالَ سُهدُهُ

*وَقَد أَخَذَت مِنهُ السُرى أَينَ يَمَّما

لَعَلَّكَ لا تَنسى عُهودَ مُنادِمٍ

*تَعَلَّمَ مِنكَ السُهدَ وَالأَينَ كُلَّما

نتوقف مع بعض المفردات التي تحتاج إلى توضيح: في قوله:

سَعَيتُ إِلى أَن كِدتُ أَنتَعِلُ الدَما

*وَعُدتُ وَما أُعقِبتُ إِلّا التَنَدُّما

أنتعل الدما: أي: صار دم قدمي أشبه بالنعل لهما من كثرة السعي.

في قوله: “لحى الله عهد القاسطين…” إلى آخره، القاسطون: معناها الجائرون الظالمون، وهو يشير إلى مَن كانوا يحكمون مصر في ذلك الوقت.

في قوله:

أَضَرَّت بِهِ الأولى فَهامَ بِأُختِها

*فَإِن ساءَتِ الأُخرى فَوَيلاهُ مِنهُما

المراد بالأولى الدنيا، والمراد بالأخرى الآخرة.

في قوله:

فَهُبّي رِياحَ المَوتِ نُكبًا وَأَطفِئي

*سِراجَ حَياتي قَبلَ أَن يَتَحَطَّما

يدعو الموت ويتعجله، والنكب: جمع نكباء، وهي الريح إذا انحرفت عن وجهها ووقعت بين ريحين، وهي ريح مهلكة للزروع والمواشي حابسة للمطر، ويدعو رياح الموت لتهلكه.

في قوله:

فَيا قَلبُ لا تَجزَع إِذا عَضَّكَ الأَسى

*فَإِنّكَ بَعدَ اليَومِ لَن تَتَأَلَّما

بعد اليوم: أراد بعد يوم موته الذي يتمناه.

قوله مخاطبًا يده:

فَلِلَّهِ ما أَحلاكِ في أَنمُلِ البِلى

*وَإِن كُنتِ أَحلى في الطُروسِ وَأَكرَما

الطروس: جمع طرس وهو الصحيفة.

في قوله:

وَيا نَفسُ كَم جَشَّمتُكِ الصَبرَ وَالرِضا

*وَجَشَّمتِني أَن أَلبَسَ المَجدَ مُعلَما

جشمتك: معناها كلفتك، والثوب المعلم: المطرز، وشبه به المجد.

في قوله:

فَهَلّا تَرى في ضيقَةِ القَبرِ فُسحَةً

*تُنَفِّسُ عَنكَ الكَربَ إِن بِتَّ مُبرَما

يخاطب صدره، كلمة مبرما: معناها متضجرًا.

قوله:

وَيا قَبرُ لا تَبخَل بِرَدِّ تَحِيَّةٍ

*عَلى صحِبٍ أَوفى عَلَينا وَسَلَّما

أوفى: يعني: أشرف علينا زائرًا.

قوله:

وَيا أَيُّها النَجمُ الَّذي طالَ سُهدُهُ

*وَقَد أَخَذَت مِنهُ السُرى أَينَ يَمَّما

السرى: السير ليلًا، ويمم: أي: قصد. وقوله:

لَعَلَّكَ لا تَنسى عُهودَ مُنادِمٍ

*تَعَلَّمَ مِنكَ السُهدَ وَالأَينَ كُلَّما

السهد: السهر، والأين: التعب والإعياء.

التعليق على القصيدة:

موضوع القصيدة:

هذه القصيدة كما يبدو من عنوانها “سعيٌ بلا جدوى”؛ أي: بلا فائدة، يريد حافظ إبراهيم أن يصور معاني اليأس والإحباط والفشل والقنوط، والإحساس بعدم الجدوى من الحياة، والهرب من الحياة إلى الموت، وهذه السوداوية المتشائمة التي تطفح بها القصيدة بعضها راجعٌ إلى ظروف خاصة بالشاعر حافظ إبراهيم، وَاجَهته في نشأته وأحوال عيشه، وبعضها راجع إلى الأحوال العامة التي كانت سائدةً في مصر في زمن الشاعر وفي الوقت الذي قال فيه تلك القصيدة، فقد كانت مصر خاضعة للاحتلال الإنجليزي، وكانت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية فيها سيئة، وكانت فُرص الشباب ضيقة، وأحلامهم تكاد أن توأد.

ويبدأ حافظ قصيدته بتبرئة نفسه، ودفع مظنة التقصير والإهمال عنها، فما أصابه من فشل لم يكن بسببه -كما يذكر- فلقد سعى واجتهد، وبالغ في سعيه واجتهاده حتى أوشكت قَدماه أن تتقرحَا، ويصبح دمهما كأنه نعلان لهما، فلا ملام على الشاعر إذًَا، والملام كله يُوجّه إلى أولئك القاسطين الظالمين الذين أفسدوا البلاد والعباد، وزرعوا الشقاق والنفاق، وموجَّه إلى ذلك العصر الذي اضطربت فيه الموازين، واختلت فيه القيم، وضاع أهل الجِدّ والتفوق، حتى أصبح الناس يطلبون السعادة بالتفريط في حق الوطن والتضييع لحرمات الدين، فالذي يريد أن يحصل على السعادة -كما قال- عليه أن يتنكر لوطنيته ودينه.

ويبدو أن اليأس كان مستحكمًا من نفس الشاعر، مالئًا عليه جوانحه، آخذًا عليه كل مأخذ، فلم يُبقِ له أملًا في الدنيا، وامتد إلى الآخرة فألقى بظلاله السود على ظن الشاعر بها، وويل له إن ساءت آخرته كما ساءت دنياه.

ولم يجد الشاعر بديلًا عن الموت مُخلّصًا له من الهم والأسى، والعجز والضنا، واليأس والشقاء، فتوجه إليه يخاطبه في تلهّف عليه ورغبة فيه، داعيًا رياحه المدمرة أن تطفئ سراج حياته قبل أن يتحطم هذا السراج، ثم يلتفت الشاعر إلى محل الفكر عنده وإلى مواطن الإحساس والشعور فيه، ويتوجّه إلى قلبه وصدره وعينه ويده وقدمه، يتوجه إلى نفسه وجوارحه، فيجمّل لها صورة الموت ويشجعها على لقائه، ويؤمّلها في الراحة بعده بعد أن أشقتها الحياة.

ثم يلتفت الشاعر إلى القبر الذي استحضره ملاذًا وأمنية وأملًا ومرفأ أمان، يطلب منه أن يرد التحية إذا مر عليه أحد وحيّ الشاعر بعد أن يضمه ثراه.

لكن الشاعر لم يلبث أن استدرك الأمر وأعرض عن هذا الطلب الذي وجهه إلى القبر، فلقد تذكّر أن الود في الأحياء عزيزٌ قليل، وهو منهم للموتى أعز وأقل، فهيهات هيهات أن يدنو أحد من قبره بعد أن يموت ويلقي عليه السلام؛ هذا شيءٌ بعيد.

إن هذا الأمر المستبعد دليلُ الشاعر عليه أن الأحياء الودّ فيهم قليل، فإذا كان الأحياء لا يودّ بعضهم بعضًا، فهل يمكن أن يود الأحياء الأموات، وهكذا لا يبق شيء من أملٍ للشاعر في أحدٍ من الناس، وييأس الشاعر من وُدّهم في حياته وبعد موته، وتتلاشَى ثقته في كل شيء إلا ذلك النجم الذي صادقه وصاحبه، وشابهه في السير والسهر والسُّهد والتعب، فهذا النجم هو صديقه الوحيد وهو وحده الذي يُمكن أن يذكر العهد، وأن يتذكر الشاعر، وأن يفيَ لهذه الذكرى بعد أن يَنتقل الشاعر من الدنيا إلى الآخرة.

هذه القصيدة تَتميز بالوَحدة الفنية ووحدة الجو النفسي.

الوحدة في القصيدة:

جو اليأس والأسى هو الذي يُسيطر على قصيدة حافظ إبراهيم من أول بيت إلى آخر بيت، وموضوع القصيدة واحد، خلصت له القصيدة وأخلصت، فلم يبدأ حافظ إبراهيم بغزل ولا بغير غزل، وإنما دخل إلى الموضوع مباشرة، القصيدة “سعي بلا جدوى” عنوانها هكذا، وأول بيت فيها:

سَعَيتُ إِلى أَن كِدتُ أَنتَعِلُ الدِّما

*وَعُدتُ وَما أُعقِبتُ إِلّا التَنَدُّما

التندم: هو حصيلة سعيه وجهاده وكفاحه في حياته، فالقصيدة -كما قلت- تدخل إلى الموضوع مباشرةً وتخلص لموضوعٍ واحد.

واستطاع حافظ إبراهيم أن يُحقق لتجربته قدرًا كبيرًا من الوَحدة، الوحدة في الجو النفسي، والوحدة في الموضوع، والوحدة في البناء، وبذلك تتحقق لهذه القصيدة وَحدة عضوية بمفهومها الحديث، كما بينه ودعا إليه العقاد وأقرانه في مطلع القرن العشرين، كما ستعرف فيما بعد.

والحق أن القصيدة لا تقوم على وحدة البيت -كما هو الحال في أكثر شعر البارودي ومعاصريه وشعر جيل المحافظين- بل القصيدة كل متكامل لا نستطيع حذف بعض أبياتها أو التقديم والتأخير بين أجزائها من غير أن يُحدث ذلك خللًا في بنائها، أو نقصًا في تركيبها، أو نقصًا في معانيها.

وتكاد القصيدة تمثّل زفرة يأس أو صيحة ألم أو صرخة استغاثة بالموت من الحياة، أطلقها الشاعر دون تمهيد أو تقديم، فخرجت على هذه الصورة من التلاحم والتناسق والارتباط.

وقصيدة “سعي بلا جدوى” يمكن أن تكون من قصائد رثاء النفس، فالشاعر حافظ إبراهيم يرثي نفسه فيها وهو حي، أرأيت كيف يخاطب قلبه ونفسه وعينه وصدره وقدمه، مواسيًا ومعزيًا! وإذا كان المعهود في رثاء النفس أن يكون عند لقاء الموت والاحتضار، فإن هذه القصيدة تعبر عن حالة تمنٍّ للموت واستحضار له، وإن كان الفرق بين الاحتضار والاستحضار في حقيقة الأمر وواقعه كبيرًا، فإن الفرق بينهما في توليد المشاعر واستثارة العواطف ليس بكبير، خاصة في هذه القصيدة.

الصياغة الفنية في القصيدة:

بين ألفاظ القصيدة وتعبيراتها وصُوَرها ومعانيها تناسب لا يخطئه متذوق، فالتجربة الفنية في القصيدة ناضجة، يؤدي كل عنصر من عناصرها دوره على أتم وجه وأكمله، وحافظ إبراهيم من جيل المحافظين -كما تعرف- فلا عجب أن تميّزت قصيدته بفصاحة اللفظ، وسلامة الأسلوب، ونصاعة التعبير، وجمال العرض، ولعلك تلاحظ أن الأسلوب أكثر سلاسة واسترسالًا في هذه القصيدة منه في قصيدة البارودي التي عرضتها وشرحتها شرحًا تفصيليًّا، وكانت في رثاء زوجه؛ ذلك أن جيل المحافظين الذي ينتمي إليه حافظ قد خطَا بالصياغة الشعرية التي تبع في سبيلها البارودي خطواتٍ واسعةً نحو الرقة والسلاسة والقوة والاسترسال -وقد أشرت إلى ذلك في الحديث عن شعر المحافظين- فاللغة في قصيدة البارودي أصعب من اللغة في قصيدة حافظ؛ ولذلك نحن لا نقف مع كل بيت أو مع ألفاظ كثيرة من كل الأبيات لنعرف معناها كما فعلنا في قصيدة البارودي، فقصيدة حافظ أسهل في التعرف على معاني مفرداتها ومعانيها العامة من قصيدة البارودي.

بعض مواطن الجمال في القصيدة:

في قوله:

سَعَيتُ إِلى أَن كِدتُ أَنتَعِلُ الدِّما

*وَعُدتُ وَما أُعقِبتُ إِلّا التَنَدُّما

في قوله: “سعيت إلى أن كدت أنتعل الدما” استعارة، إذ جعل الدماء نعلين ينتعلهما في قدميه، وإذا كان هذا أمرًا مستبعدًا ومبالغًا فيه، فإن حافظ إبراهيم قرَّب هذه المبالغة، وجعلها مُستساغةً باستخدامه للفعل “كاد”.

“وعدت وما أعقبت إلا التندما”: نلاحظ صيغة التفاعل في قوله: “التندم” كأن الندم تمكن منه.

وفي البيت مقابلة بين الشطر الأول والشطر الثاني، مقابلة بين السعي المجتهد الكثير المُتعِب، وبين العودة الفاشلة والنتيجة التي لم تجنِ إلا التندم. وفي البيت الثاني:

لَحَى اللَهُ عَهدَ القاسِطينَ الَّذي بِهِ

*تَهَدَّمَ مِن بُنيانِنا ما تَهَدَّما

“لحى الله” أي: ذمّ الله، “عهد القاسطين”: زمن الظالمين الجائرين، في هذا البيت دعاء على عهد الظالمين وعلى الظالمين أنفسهم.

وقوله: “تهدم من بنيانا ما تهدما” فاعل “تهدم” هو: “ما تهدما”، وجاءت على هذا النحو؛ لتشير إلى هولِ وعِظَم هذا التهدم الذي حدث في بنيان الوطن -البنيان الثقافي والاجتماعي والسياسي- في عهد الاحتلال، الذي عانى منه حافظ إبراهيم وغيره، وتلاحظ صيغة التهدم كذلك على وزن “التفعُّل”.

إِذا شِئتَ أَن تَلقى السَعادَةَ بَينَهُم

*فَلا تَكُ مِصرِيًّا وَلا تَكُ مُسلِما

هذا أسلوب شرط، يجعل حافظ إبراهيم ثمن السعادة بين هؤلاء الظالمين هي التنازل عن الوطنية وعن الدين، وهذا فيه إدانةٌ وتصوير لهذه الحالة البائسة التي كانت عليها حالة مصر وحالة بقية الوطن العربي في ظل الاحتلال الأوروبي، الذي جَثَم على صدر الأمة العربية بعد سقوط الخلافة العثمانية.

وقد حُذفت النون في الفعل “تكن”، “فلا تكن مصريًّا”، هذا هو الأصل “ولا تكن مسلمًا” حذفت للضرورة الشعرية، وهذا الحذف جائز حتى ولو كان القصد منه التخفيف.

قوله:

سَلامٌ عَلى الدُنيا سَلامَ مُوَدِّعٍ

*رَأى في ظَلامِ القَبرِ أُنسًا وَمَغنَما

تَكرار كلمة “سلام على الدنيا سلام مودع”: جعل في البيت جرسًا موسيقيًّا بسبب تَكرار الكلمة، وقوله: “سلام مودع” أي: سلام رجل لا يريد أن يعودَ إلى الدنيا مرةً ثانية.

وقوله: “رأى في ظلام القبر أنسًا ومغنما” مع أن الشاعر لم يرَ ظلام القبر بعد- دليلٌ على أنه تخيل القبر تخيلًا كاملًا، ورأى أن ظلامه وسكونَه فيه أُنس، وفيه مَكسب وغنيمةٌ.

قوله:

أَضَرَّت بِهِ الأولى فَهامَ بِأُختِها

*فَإِن ساءَتِ الأُخرى فَوَيلاهُ مِنهُما

فيه طِباقٌ بين “الأولى” وأختها “الأخرى”، والمراد بالأولى الدنيا، والأخرى الآخرة.

وقوله: “فإن ساءت الأخرى فويلاه منهما”: دليل على ما كان يعتمل في نفس حافظ إبراهيم في وقت إنشاء هذه القصيدة من اليأس، الذي جعله ييأس من الدنيا ويخاف أن يَمتدَّ حظه السيئ من الدنيا إلى الآخرة، ويقول: ويلاه من الدنيا والآخرة إذا ساءت آخرته كذلك، وقوله: “أضرت به الأولى” إخبار بما لحقه من الأذى في الدنيا. وقوله:

فَهُبّي رِياحَ المَوتِ نُكبًا وَأَطفِئي

*سِراجَ حَياتي قَبلَ أَن يَتَحَطَّما

“فهبي رياح الموت”: فعل أمر، المراد منه استدعاء الموت، ووصَفَ رياح الموت بأنها “نُكْبًا” حال، “فهبي رياح الموت” حالةَ كونك “نُكبًا” أي: مهلكة.

“وأطفئي” الخطاب في “هبي” لرياح الموت، “وأطفئي سراج حياتي قبل أن يتحطما”، في قوله: “سراج حياتي” شبه الحياة بالسراج في خطاب الشاعر لقلبه وعينه ويده وقدمه ونفسه وصدره إلى آخره، استعارات؛ لأنه شخّص هذه الجوارح وخاطبها.

نلاحظ إيحاءات الألفاظ في: “أضرت، وهام، وهبي، وأطفئي، ويتحطم”، والنداءات المتتالية في قوله: “يا قلبي، يا عيني، يا يدي، يا قدم، يا قبر، يا صدر” إلى آخره، نلاحظ الطباق بين: الأولى والأخرى، والطباق بين: ضيقة وفسحة، وغير ذلك من الألفاظ والصور التي وردت في صورة الطباق والمقابلة.

إذن، هذه القصيدة يمكن أن تدلك على طريقة المحافظين في الشعر، والخطوات التي خطوها في طريق تطوير الشعر العربي بعد البارودي.

error: النص محمي !!