Top
Image Alt

أوقات الصلوات الخمس “الظهر, العصر, المغرب, العشاء, الفجر”

  /  أوقات الصلوات الخمس “الظهر, العصر, المغرب, العشاء, الفجر”

أوقات الصلوات الخمس “الظهر, العصر, المغرب, العشاء, الفجر”

شروط الصلاة:

ذكر ابن رشد أنّ تحت هذه الجُملة: ثمانية أبواب، وهذا بيانها:

الباب الأول: في معرفة الأوقات.

وهذا الباب قسّمه ابن رشد إلى فصليْن:

الفصل الأول: في معرفة الأوقات المأمور بها. وبه قسمان:

* الأول: في الأوقات الموسّعة والمختارة لكل فريضة من الفرائض.

* الثاني: في أوقات أهل الضرورة.

الفصل الثاني: في معرفة الأوقات المنهيّ عنها.

ويبدأ ابن رشد الكلام عن القسم الأول من الفصل الأول من الباب، وهو:(الأوقات الموسّعة والمختارة لكل فريضة من الفرائض)، فيقول:

“الأصل في هذا الباب: قوله تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } [النساء: 103]. فيقول: اتفق المسلمون على أنّ للصلوات الخمس أوقاتًا خمسةً، وهي شرط -أي: الأوقات- في صحة الصلاة.

يقول العلماء الآخرون: معرفة دخول الوقت -أي: وقت دخول الفريضة- من هذه الأوقات ما هو أوقات فضيلة، وأوقات توسعة، أو أوقات جواز.

ومعروف فقهًا: أنّ وقت الفضيلة هو: أوّل الصلاة. ثم بعد ذلك يكون وقت الجواز أو الاختيار. ثم بعد ذلك يكون وقت الكراهة. ثم بعد ذلك يكون وقت الضرورة.

يقول ابن رشد: “اختلفوا -أي: الفقهاء- في حدود أوقات التّوسعة والفضيلة، وفيه خمْس مسائل”. وقد عقد ابن رشد في هذا القسم خمْس مسائل، لكل فريضة مسألة من هذه المسائل.

وهذه هي المسألة الأولى، وهي عن وقت الظهر، يقول:

المسألة الأولى: وقت الظّهر:

اتفق الفقهاء على أنّ أوّل وقت الظهر الذي لا تجوز قبله -أي: صلاة الظهر- هو: الزوال، والمقصود بالزوال: زوال الشمس عن وسط السماء.

ويقول ابن رشد: إن الفقهاء اختلفوا فيها -أي: في وقت الظهر- في موضعيْن: في آخِر وقتها الموسّع، وفي وقتها المرغّب فيه.

ويعلّق ابن قدامة على هذا الكلام تحت ما قاله الخرقي: “وإذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر”، فيقول: بدأ الخرقي بذكْر صلاة الظهر؛ لأن جبريل بدأ بها حين أَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس وجابر. و«بدأ بها -أي: الظهر- النبي صلى الله عليه وسلم حين علّم الصحابة مواقيت الصلاة»، في حديث بريدة الأسلمي وغيره. كذلك بدأ بها الصحابة -رضوان الله عليهم- حين سُئلوا عن الأوقات، في حديث أبي برزة، وجابر، وغيرهما… تُسمَّى: “الأُولى”، و”الهجير”، و”الظهر”، -يعني: صلاة الظهر تسمَّى: “الأولى”؛ لأن جبريل بدأ بها، وتسمّى: “الهجير”؛ لأنه وقت هجْر الأعمال، وتسمَّى: “الظهر”-. وقال أبو برزة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي الهجير التي يدْعونها: “الأُولى” حين تدحض الشمس»، أي: حين تزول. متفق عليه.

ويقول ابن قدامة عن اتفاق العلماء: “أجمع أهل العلْم على أنّ أوّل وقت الظهر: إذا زالت الشمس -قاله: ابن المنذر وابن عبد البَر-. وقد تظاهرت الأخبار -أي: الأحاديث- بذلك: فمنها ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أمَّني جبريل عند البيت مرّتيْن، فصلّى بي الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مِثل الشِّراك. ثم صلى العصر حين صار ظلّ كلِّ شيء مثلَه. ثم صلّى المغرب حين وجبت الشمس -أي: غَرُبتْ- وأفطر الصائم. ثم صلّى العشاء حين غاب الشّفق. ثم صلّى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم.

وصلّى في المرة الثانية -يعني: في اليوم الثاني- الظهر حين صار ظلّ كلّ شيء مثْلَه -أي: وقت العصر بالأمس-. ثم صلّى العصر حين صار ظلّ كل شيء مِثليْه. ثم صلّى المغرب لوقت الأولى -أي: الأمس-. ثم صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلُثُ الليل. ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، -أي: ظهر بياض النهار-. ثم التفت إليَّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء مِن قبْلك، والوقت فيما بيْن هذيْن”»، رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: “هذا حديث حسن”. وقال البخاري: إنه “أصح حديث في المواقيت”.

ثم حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال: صلِّ معنا هذيْن اليوميْن! فلما زالت الشمس -أي: توسطت في السماء- أمَر بلالًا فأذّن، ثم أمره فأقام الظهر. ثم أمَره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقيّة لم يُخالطها صُفْرة. ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما كان اليوم الثاني أمَره فأبرد في الظهر -يعني: انتظر قليلًا حتى ذهبت حرارة الشمس ومال الفيء وطال، فأنْعِمْ أن يُبرَد بها. وصلّى العصر والشمس بيضاء مرتفعة آخِرُها فوق الذي كان. وصلى المغرب حين غاب الشفق. وصلّى العشاء حين غاب ثلث الليل. وصلّى الفجر فأسفر بها، -أي: تأخّر إلى قُبيْل شروق الشمس-. ثم قال: أين السائل عن الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله. فقال: وقت صلاتكم بيْن ما رأيتم».

يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم حدّد أوّل وقت الفريضة، وآخِر وقتها؛ فيوم صلّى أوّل وقتها، ويوم ثانٍ صلّى في آخِر وقتها. ثم قال كما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: «وقت صلاتكم -أي: صلاة كل فريضة- بين ما رأيتم».

ينتقل بعد ذلك ابن رشد إلى بيان آخِر وقت الظهر الموسّع، يقول:

إنّ العلماء قد اختلفوا في ذلك: فقال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وداود: هو أن يكون ظلّ كلِّ شيء مثْلَه -يعني: غير فيء الزوال، أو ظل الزوال- وهذا هو رأي الجمهور.

وقال أبو حنيفة: آخِر الوقت: أن يكون ظلّ كلِّ شيء مثْلَيْه -يعني: مرّتيْن-، وهو عنده أوّل وقت العصر. وهناك رواية أخرى عنه: أن آخِر وقت الظهر هو: المِثْل -كما قال جمهور الفقهاء- وأوّل وقت العصر: المثْلان، كأنّ بيْن أوّل وقت الظهر وبداية العصر وقت لا صلاة فيه، وأنّ ما بيْن المِثْل والمِثْليْن ليس يصلح لصلاة الظهر. وبه -أي: بهذه الرواية- قال صاحباه: أبو يوسف ومحمد.

إذًا، نحن أمام تحديد واضح لأوّل وقت الظهر ولآخر وقت الظّهر، ولكننا رأينا خلافًا بين جمهور الأئمة وأبي حنيفة في هذه القضية، فما سبب هذا الخلاف؟

يقول ابن رشد: سبب الخلاف في ذلك هو:

اختلاف الأحاديث، وذلك أنه ورد في حديث إمامة جبريل: «أنه –أي جبريل- صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر في اليوم الأوّل حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان ظلّ كل شيء مثْلَه. ثم قال: الوقت ما بيْن هذيْن»، رواه أصحاب (السنن).  وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بقاؤكم فيما سلف قبْلَكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. أوتِيَ أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار، ثم عجزوا فأُعطوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا فأُعطوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطيْن قيراطيْن. فقال أهل الكتاب: أي ربنا. -يعني: يا ربنا- أعطيت هؤلاء قيراطيْن قيراطيْن وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا! قال الله تعالى: هل ظلمْتُكم مِن أجْركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتِيه من أشاء».

أمام هذيْن الحديثيْن، ذهب مالك والشافعي إلى حديث إمامة جبريل، وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا الحديث، وهو: أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أوّل الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث، فواجب أن يكون أوّل العصر أكثر من قامة، وأن يكون هذا هو آخِر وقت الظهر.

هذا عن الوقت الموسّع، وقت الجواز، كما قال ابن رشد.

وأمّا وقتها المرغّب فيه والمختار، فذهب مالك إلى: أنه للمنفرد أوّل الوقت -يعني: وقت الفضيلة-. ويُستحبّ تأخيرها عن أول الوقت قليلًا في مساجد الجماعات، حتى يجتمع الناس ولا تفوتهم تكبيرة الإحرام، ولا الركعة الأولى. فيُستحب التأخير عن أول الوقت قليلًا في مساجد الجماعات. وقال الشافعي: أوّل الوقت أفضل -يعني: مباشرة- إلاّ في شدة الحر، فيكون التأخير أفضل. وهذا بالاتفاق، إن كان يصليها في مساجد الجماعة، أي: ليزول وطء الحر وشدّته. وروي مثل ذلك عن مالك. وقالت طائفة: أوّل الوقت أفضل بإطلاق، أي: للمنفرد والجماعة، وفي الحر، وفي البرد.

ويعلِّل ابن رشد لهذا الاختلاف في وقت الفضيلة فيقول: وإنما اختلفوا في ذلك لاختلاف الأحاديث؛ وذلك أن في ذلك حديثيْن ثابتيْن:

أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتدّ الحرّ، فأبردوا عن الصلاة؛ فإنّ شدّة الحَرّ من فيْح جهنم». فالرسول صلى الله عليه وسلم أمَر بالإبراد -أي: دخول الوقت البارد قليلًا بعد شدّة الحر أثناء الزوال- فإنّ شدة الحَرّ من فيح جهنم.

الحديث الثاني: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي الظهر بالهاجرة»، والهاجرة: نصف النهار مع اشتداد الحر. والحديث رواه الشيخان. وسُمِّيت “الهاجرة”؛ لأن الناس في ذلك الوقت يهجرون الطرقات لشدة الحر

فرجّح قوم حديث الإبراد؛ لأنه نص: «إذا اشتدّ الحَرُّ فأبردوا»، وتأوّلوا هذه الأحاديث إذ ليست بنص.

وقوم رجّحوا هذه الأحديث لعموم ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل: أي الأعمالُ أفضل؟ قال: «الصلاة لأوّل ميقاتها»، وفي رواية: «الصلاة لِوَقْتها»، وفي رواية: «على وقتها»، والحديث متفق عليه

المسألة الثانية: وقت العصر:

صلاة العصر هي: الصلاة الوسطى عند الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد. أما مالك فيرى أنّ الصلاة الوسطى هي: صلاة الصبح. وفيها يقول ابن رشد: “إن الفقهاء اختلفوا من صلاة العصر في موضعيْن:

الأول: في اشتراك أوّل وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر.

الثاني: اختلفوا في آخِر وقتها: هل هو غروب الشمس، وفعلًا التّحقّق من غروبها، أم هو اصفرارها.

اختلافهم في الاشتراك -اشتراك الوقت-:

اتفق مالك، والشافعي، وداود، وجماعة -أي: جمهور الأئمة- على: أنّ أوّل وقت العصر هو بعيْنه آخِر وقت الظهر، وذلك إذا صار ظلّ كل شيء مثلَه.

 ويرى مالك أنّ آخِر وقت الظهر وأوّل وقت العصر هو وقت مشترك للصلاتيْن،أي: بقدر ما يصلّي فيه أربع ركعات.

وأمّا الشافعي، وأبو ثور، وداود: فآخِر وقت الظهر عندهم هو الآن، أي: في نفس اللحظة التي ينتهي فيها وقت الظهر يبدأ وقت العصر. الآن الذي هو أوّل وقت العصر هو زمان غير منقسم، يعني: دخل في ذلك الوقت من غير وقت فاصل.، وقال أبو حنيفة كما قال مالك.

اختلافهم في في آخِر وقت العصر: وعن مالك في ذلك روايتان:

 إحداهما: أن يصير ظلّ كلّ شيء مثليْه؛ وبه قال الشافعي.

الثانية: أن آخِر وقتها: ما لم تصفرّ الشمس؛ وهذا قول ابن حنبل.

القول الثالث: لأهل الظاهر: آخِر وقتها: قبل غروب الشمس بركعة.

قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في آخِر وقت الاختيار، فروي: حين يصير ظلّ كلّ شيء مثليْه؛ وهو قول مالك، والثوري، والشافعي؛ لحديث ابن عباس وجابر: «الوقت ما بيْن هذيْن».

وروي عن أحمد: أن آخِره: ما لم تصفرّ الشمس، وهي أصح عنه؛ لحديث عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت العصر ما لم تصفرّ الشمس»، رواه مسلم. وفي حديث بريدة «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى العصر في اليوم الثاني، والشمس بيضاء نقيّة لم تخالطها صفرة».

قال ابن عبد البَر: أجمع العلماء على: أنّ من صلى العصر والشمس بيضاء نقيّة، فقد صلاها في وقتها. وفي هذا دليل على أنّ مراعاة المثليْن عندهم استحباب، ولعلهما متقاربان.

يقول ابن رشد: السبب في اختلاف الفقهاء في هذه المسألة -آخِر وقت العصر-: أنّ في ذلك ثلاثة أحاديث متعارضة في ظاهرها.

الحديث الأول: حديث عبد الله بن عمر، خرّجه مسلم: «فإذا صلّيتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفرّ الشمس»، وفي بعض رواياته: «وقت العصر ما لم تصفرّ الشمس». هذا حديث.

الحديث الثاني: حديث ابن عباس في إمامة جبريل، وفيه: «أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظلّ كلّ شيء مثليْه».

الحديث الثالث: حديث أبي هريرة المشهور: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح».

فمن صار إلى ترجيح حديث إمامة جبريل، جعل آخِر وقت العصر المختار: المثليْن. ومن صار إلى ترجيح حديث ابن عمر، جعل آخر وقتها المختار: اصفرار الشمس. ومن صار إلى ترجيح حديث أبي هريرة، قال: وقت العصر إلى أن يبقى منها ركعة قبل غروب الشمس؛ وهم أهل الظاهر -كما قلنا-. وأما جمهور الأئمة الفقهاء، فسلكوا في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر مع حديث ابن عباس -إذ كان معارضًا لهما كلّ التعارض- مسلك الجمْع.

ويضيف ابن قدمة تعليقًا طيبًا، فيقول: وصلاة العصر هي: الصلاة الوسطى، في قول أكثر أهل العلْم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

المسألة الثالثة: وقت المغرب:

قال ابن رشد: “إن الفقهاء قد اختلفوا في المغرب هل لها وقت موسّع له بداية وله نهاية، تصلّى في أوّله وتصلّى في آخِره كسائر الصلوات؟ أم ليس لها وقت موسّع، ولها وقت واحد فقط، كما هو معلوم وشائع بين الناس؛ولأن جبريل أيضًا صلّى بالرسول صلى الله عليه وسلم المغرب في اليوميْن في وقت واحد؟”.

يقول ابن رشد: هذا المسألة خلافيّة:

فذهب قوم إلى: أنّ وقتها واحد غير موسّع، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك، وعن الشافعي. ويقال: إن المعتمَد غير هذا الرأي المشهور عن مالك وعن الشافعي.

وذهب قوم إلى: أنّ وقتها موسّع، وهو: ما بين غروب الشمس إلى غروب الشّفق؛ وبه قال: أبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور، وداود. وقد روي هذا القول أيضًا عن مالك والشافعي.

لكن هل للمغرب وقت واحد أو وقتان؟

يقول ابن قدامة: أمّا دخول وقت المغرب، فبغروب الشمس؛ فإجماع أهل العلْم لا نعلم بينهم خلافًا فيه.

إذًا، أوّل الوقت محدّد ومعروف وهو: غروب الشمس، وعليه إجماع أهل العلْم، والأحاديث دالة عليه. وآخِره: مغيب الشّفق؛ وبهذا قال: الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وبعض أصحاب الشافعي.

وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: ليس لها إلاّ وقت واحد: عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصلاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمّتي بخير ما لم يُؤخِّروا المغرب إلى أن يشتبك النّجم»؛ ولأن المسلمين مُجمعون على فعْلها في وقت واحد في أوّل الوقت. وعن طاوس: “لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر”. وعنه عن عطاء لِما ذكرناه في الظهر والعصر.

ويرجّح ابن قدامة وجهة النظر التي قال بها الإمام أحمد، وهو: أنّ وقت المغرب موسّع، له بداية وهي: غروب الشمس، وله نهاية وهو: مغيب الشّفق، فيقول: لنا: حديث بريدة الأسلمي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق»، وفي حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت المغرب ما لم يَغب الشّفق»، رواه مسلم.

وفي حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ للصلاة أوّلًا وآخِرًا، وإنّ أوّل وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإنّ آخِر وقتها حين يغيب الأفق»، رواه الترمذي.

سبب اختلاف العلماء في وقت المغرب:

يقول ابن رشد: سبب اختلاف الفقهاء في ذلك: معارضة حديث إمامة جبريل لحديث عبد الله بن عمر؛ وذلك أنّ في حديث إمامة جبريل: أنه صلّى المغرب في اليوميْن في وقت واحد. أمّا في حديث عبد الله، ففيه: أن وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق.

فمَن رجّح حديث إمامة جبريل، جعَل لها وقتًا واحدًا؛ لأنه صلاها في اليوميْن في وقت واحد. ومن رجّح حديث عبد الله بن عمر، جعَل لها وقتًا موسّعًا إلى مغيب الشّفق.

المسألة الرابعة: وقت صلاة العشاء:

يقول ابن رشد: إن الفقهاء قد اختلفوا من وقت العشاء الآخرة في موضعيْن: أحدهما في أوّله، والثاني في آخِره.

أوّل وقت العشاء:

يقول ابن رشد: “ذهب مالك، والشافعي، وأحمد -يعني: جمهور الأئمة- وجماعة إلى: أنّ أول وقت العشاء: مغيب الحمرة أو الشفق الأحمر التي تكون في وسط السماء بعد مغيب الشمس، يعني: في صدر الليل نجِد في صفحة السماء آثار حمرة، إذا غابت هذه الحمرة فقد انتهى وقت المغرب وبدأ وقت العشاء.

وذهب أبو حنيفة إلى: أنه مغيب البياض، يعني: نور النهار.

ويقول ابن قدامة: لا خلاف في دخول وقت العشاء بغيبوبة الشّفق، وإنما اختلفوا في الشّفق ما هو؟

فمذهب إمامنا أحمد بن حنبل أنّ الشفق الذي يخرج به وقت المغرب ويدخل به وقت العشاء هو: الحمرة؛ وهذا قول: ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والزهري، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وصاحبَيْ أبي حنيفة -أبي يوسف ومحمد-.

وعن أنس وأبي هريرة: أن الشفق هو: البياض؛ وبه قال: الأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر؛ لأن النعمان بن بشير قال: “أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة -صلاة العشاء، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّيها لسقوط القمر الثالثة، وهذا ما رواه أبو داود. وروي عن ابن مسعود قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي هذه الصلاة حين يسودّ الأفق)).

يقول ابن قدامة:

ولنا -أي: في الاحتجاج بهذا الوقت- ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ((أعْتَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر بالصلاة، وقال: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما ينتظرها أحَدٌ غيركم؟ قال: ولا يصلّي يومئذٍ إلاّ بالمدينة. وكانوا يصلّون فيما أن يغيب الشفق الأول إلى ثلث الليل))، رواه البخاري.

والشفق الأول هو: الحمرة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقت المغرب ما لم يسقط فوْر الشفق»، رواه أبو داود. وروى: «ثوْر الشفق»، هو: فوْر الشفق: فوَرانه، وسطوعه. وثوره: ثوَران حمرته. وإنما يتناول هذا الحمرة، وآخِر وقت المغرب أوّل وقت العشاء كما سبق في الفرائض الأخرى. وروي عن ابن عمر عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشّفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت العشاء»، رواه الدارقطني. وما رووه لا حجة لهم فيه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخِّر الصلاة عن أوّل الوقت قليلًا، وهو الأفضل والأوْلى؛ ولهذا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لبلال: «اجعَلْ بين أذانك وإقامتك قدْر ما يفرغ الآكل من أكْلِه، والمتوضِّئ من وضوئه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته». إذا ثبت هذا، فإنه إن كان في مكان يظهر له الأفق ويبين له مغيب الشفق، فمتى ذهبت الحمرة وغابت دخل وقت العشاء.

وإن كان في مكان يستتر عنه الأفق بالجدران والجبال، استظهر -يعني: انتظر- حتى يغيب البياض ليستدلّ بغيبته على مغيب الحمرة.

سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة:

يُبيِّن ابن رشد السبب في اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، فيقول:

سبب الاختلاف: اشتراك اسم “الشفق” في لسان العرب. فكلمة “الشفق” في لسان العرب تُطلَق على مغيب النور الأحمر أو الشفق الأحمر، وعلى بياض أو سواد الليل؛ فإنه كما أن الفجر في لسانهم فَجْران، كذلك الشفق شفقان: أحمر وأبيض. ومغيب الشفق الأبيض يلزم أن يكون بعده -يعني: بعد مغيب الشفق الأحمر من أوّل الليل-. أمّا بعد الفجر المستدقّ من آخِر الليل -الفجر الكاذب- وإما بعد الفجر الأبيض المستطير. وتكون الحمرة نظير الحمرة، فالطوالع أربعة: الفجر الكاذب، والفجر الصادق، والشفق الأحمر، والشمس. وكذلك يجب أن تكون الغوارب. ولذلك ما ذكر عن الخليل من أنه رصَد الشّفق الأبيض فوجده يبقى إلى ثلث الليل، كذِب بالقياس وبالتجربة، وذلك أنه لا خلافَ بينهم أنه قد ثبت في حديث بريدة وحديث إمامة جبريل: «أنه صلّى العشاء في اليوم الأوّل حين غاب الشفق»، وقد رجّح الجمهور مذهبهم بما ثبت: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة».

ورجّح أبو حنيفة مذهبه بما ورد في تأخير العشاء واستحباب هذا التأخير، وقولهصلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشقّ على أمّتي لأخّرتُ هذه الصلاة -أي: صلاة العشاء- إلى نصف الليل».

بيان آخِر وقت العشاء:

ينتقل ابن رشد إلى بيان آخِر وقت العشاء، هل هو ثلث الليل؟ هل هو نصف الليل؟ هل هو ممتدّ إلى الفجر؟

يقول: “وأما آخِر وقتها -في الاختيار، وليس في الضرورة- فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:

القول الأول: إنه ثُلث الليل. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة؛ وهو رواية أيضًا عن أحمد. وهو المشهور من مذهب مالك.

القول الثاني إنه نصف الليل. وروي عن مالك.

القول الثالث: إنه إلى طلوع الفجر. وهذا قول داود بن علي الظاهري.

ثم يقول: وقد اتفقوا على أنّ الوقت يخرج بطلوع الفجر.

يقول ابن رشد:  إن سبب الخلاف في ذلك: تعارض الآثار؛ ففي حديث إمامة جبريل: «أنه صلاها بالنبي e في اليوم الثاني ثُلثَ الليل». وفي حديث أنس: أنه قال: «أخّر النبي صلاة العشاء إلى نصف الليل»، خرّجه البخاري ومسلم. وروي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي e أنه قال: «لولا أن أشقّ على أمّتي لأخّرتُ العشاء إلى نصف الليل». وفي حديث أبي قتادة الذي رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي: «ليس التفريط في النوم، إنما التفريط أن تؤخّر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى».

فهذه الأحاديث قد يبدو من ظاهرها التعارض؛ لذلك ذهب العلماء في بيانها مذهب الجمْع، ومذهب الترجيح. فمَن ذهب مذهب الترجيح لحديث إمامة جبريل، قال: ثلث الليل هو آخِر وقت العشاء. ومَن ذهب مذهب الترجيح لحديث أنس، قال: آخِر وقت العشاء: نصف الليل.

المسألة الخامسة: وقت الصّبح:

يذكر ابن رشد اتفاقًا للفقهاء واختلافًا بينهم في وقت الصبح:

الاتفاق: فكان على أوّل وقت الصبح؛ فقد اتفقوا على: أنّ أوّل وقت الصبح: طلوع الفجر الصادق. وكذلك اتفقوا على آخِر وقت الصبح، وآخِره: طلوع الشمس، إلاّ ما روي عن ابن القاسم، وعن بعض أصحاب الشافعي من: أنّ آخِر وقتها: الإسفار، وهذا خطأ.

الاختلاف: وكان في وقتها المختار، هل هو الصلاة بالغلس -وهو: الظلام-؟ أو الصلاة مع النور -وهو: الإسفار-. يقول: اختلفوا في وقتها المختار.

فذهب الكوفيون، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأكثر العراقيِّين إلى: أنّ الإسفار بها أفضل.

 وذهب مالك، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود إلى: أن التغليس بها أفضل. والتغليس هو: الصلاة بها في الظلام، حين كان لا يعرف الشخص جاره أو صاحبه، أو لا يرى وجه صاحبه. أما الإسفار فهو: شدة بياض النهار وظهوره.

يقول ابن رشد: سبب اختلافهم هو: اختلافهم في طريقة جمع الأحاديث المختلفة في الظاهر، وذلك أنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم من طريق رافع بن خديج: أنه قال: «أسْفِروا بالصبح، فكلما أسفرْتُم فهو أعظم للأجر»، رواه أصحاب (السنن)، وصحّحه الترمذي وابن حبان. وروي عنه أيضًا صلى الله عليه وسلم أنه قال، وقد سُئِلَ عن أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة لأوّل ميقاتها»، رواه الترمذي والحاكم وصحّحاه. وقد تقدم معنا هذا الحديث. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم «أنه كان يصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفِّعات بمروطهنّ ما يُعرفن من الغلس» -أي: من الظلام-. وظاهر الحديث: أنه كان عمَله صلى الله عليه وسلم في الأغلب.

فمَن قال: إن حديث رافع خاص، وقوله: «الصلاة لأوّل ميقاتها» عام، والمشهور: أنّ الخاص يقضي على العام، فلقد اسثنى من العموم صلاة الصبح، وجعَل حديث عائشة محمولًا على الجواز، إنما تضمّن الإخبار بوقوع ذلك منه، لا بأن ذلك كان غالب أحواله صلى الله عليه وسلم قال -يعني: صاحب هذه الوجهة- الإسفار أفضل من التغليس.

ومن رجّح حديث العموم لموافقة حديث عائشة له، ولأنه نصّ في ذلك أو ظاهر، وحديث رافع بن خديج محتمَل؛ لأنه يمكن أن يريد بذلك تبيِين الفجر وتحقّقه، فلا يكون بينه وبين حديث عائشة ولا العموم الوارد في ذلك تعارضٌ. قال: أفضل الوقت أوّله.

وأمّا مَن ذهب إلى أنّ آخِر وقتها: الإسفار، فإنه تأوّل الحديث في ذلك أنه لأهل الضرورات -أعني: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصبح قبْل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح»، رواه الجماعة.

error: النص محمي !!