Top
Image Alt

أول الدونمة

  /  أول الدونمة

أول الدونمة

سبق القول إن “سباتاي” نقل إلى “أدرنة”، وفي إحدى غرف قصر “أدرنة” جلس السلطان محمد الرابع يستمع إلى الحوار الذي كان يجري في غرفة مجاورة، بين مصطفى باشا القائم بأعمال رئيس الوزراء وشيخ الإسلام يحيى أفندي منقري زاده، وإمام القصر محمد أفندي وائلي من جهة، و”سباتاي زئيفي” من جهة أخرى، وقد قيل لـ “سباتاي” عن طريق الترجمان: “تدعي أنك المسيح فأرنا معجزتك سنجردك من ثيابك ونجعلك هدفًا لسهام المهرة من رجالنا، فإن لم تغرز السهام في جسمك فسيقبل السلطان ادعاءك”، وقد أدرك “سباتاي” أبعاد الموقف وأخطاره والموت الذي يتربص به، وأن النهاية قد دنت إن هو استمر في أكذوبته، فترى ماذا يفعل وهو اليهودي الماكر المجبول على الغدر والمخاتلة والخداع؟!

لقد أنكر كل شيء وادعى أن المتقولين هم الذين رسموا صورته وزيفوا عليه أقواله، فأمر السلطان محمد الرابع -الذي كان يسمع الحوار- بعرض الإسلام على “سباتاي زئيفي” كما تقضي قواعد الشرع الحنيف، فرأى “سباتاي” أو المسيح المزيف أنه أصبح بين خطر الموت أو الإسلام، فآثر بدهاء اليهودي وحرصه على الحياة أن يفتدي إمبراطوريته الوهمية بدخوله في الإسلام ظاهرًا، ويتسمى باسم محمد عزيز أفندي وينجو بجلده من الموت، وبهذا كان “سباتاي زئيفي” هو أول شخص في تاريخ الإمبراطورية العثمانية وفي العالم من الدونمة، وهو مؤسس هذه الطائفة.

وقد جاء في كتاب (التاريخ السياسي للدولة العلية) في فصل دور السلطان محمد الرابع تحت عنوان: يهودي يدعي أنه المسيح: أنه في سنة 1666 للميلاد قام حاخام يهودي يدعى “سباتاي زئيفي” يزعم أنه هو المسيح، وكان لبياناته وهو في زيارة القدس أثر في اضطراب وقلق اليهود المقيمين في أوروبا، ووردت أخبار بعض الحاخامين في تأييده وبعضهم في معارضته، فجيء به إلى دار السعادة إستانبول وأودع السجن ثم سيق إلى سجن القلعة السلطانية، ثم إن رجلًا آخر يهوديًّا ادعى بمثل ما ادعى به سابقه، وأتى إلى قصر القائم بأعمال رئيس الوزراء وذكر زيف ادعاء “سباتاي زئيفي”، فجيء به -أي بـ “سباتاي”- واستخدم في أعمال البستنة في القصر بعد أن أعلن إسلامه، وخلال عشر سنوات من الزمان دخل كثير من أتباعه دين الإسلام، ثم إنه حدث أن أعلن أحد أبناء شيوخ الأكراد أنه المهدي المنتظر، فجيء به فرجع عما كان ادعاه من قبل، وأجاب جوابًا صحيحًا لكل سؤال وجه إليه فعين رئيسًا داخليًّا للخزينة الهميونية.

وجاء أيضًا في (تاريخ راشد) وهو كتاب مخطوط في وقائع سنة 1666 ما يوافق هذا الكلام، وانتقل “سباتاي زئيفي” إلى دور جديد وخطير، فقد عين محمد أفندي عزيز -“سباتاي زئيفي” سابقًا- رئيسًا للآذنين وهم الحجاب فانتشر خبر تعيينه وإسلامه بين أتباعه فالتزموا بيوتهم ودورهم، أما الحاخامات من اليهود المعارضين له فقد فرحوا كثيرًا لتخلصهم منه ومن دعوته، لكن “سباتاي” أرسل إلى مريديه تعميمًا يقول فيه: “لقد جعلني الله مسلمًا أنا أخوكم محمد البواب هكذا أمرني فامتثلت، لقد ذكرت الكتب اليهودية المقدسة بأن المسيح سيتبع من قبل المسلمين”، وأعلمهم بأنه سيستمر في أداء رسالته ومهمته بالتكيف مع الوضع الجديد، يفسر أخوه هذه الحالة فيقول: “إن الجسم القديم لـ “سباتاي” قد صعد إلى السماء، فعاد بأمر من الله -تعالى- في شكل ملاك يلبس الجبة والعمامة ليكمل رسالة المسيح”.

وتقدم “سباتاي” محمد أفندي عزيز إلى المفتي يطلب السماح له بدعوة اليهود إلى الإسلام، وكانت هذه خطته الأولى. ولما حصل على ما أراد استأنف دعوته السابقة، مستهدفًا تأسيس مذهبه الجديد المسلم في الظاهر اليهودي في الباطن، فجاءه الأتباع من كل مكان في الدولة العلية وغيرها، ولبسوا الجبب والعمائم على صورة خاصة، فأطلق الأتراك عليهم اسم الدونمة، وتركت لهم الدولة حرية الحركة والعمل، فقد ترك لـ “سباتاي” حرية التجول والدعوة، وضمن لنفسه عدم الشبهة، وانصرف إلى تنظيم وتقنين ورسم معالم مذهبه الجديد، وجمع كل ذلك في وثائق، وما يهمنا من هذه الوثيقة المادتان السادسة عشرة والسابعة عشرة، وهذا نصهما؛ المادة السادسة عشرة: يجب أن تطبق عادات الأتراك المسلمين بدقة لصرف أنظارهم عنكم، ويجب ألا يشعر أحد من الأتباع تضايقه من صيام رمضان ومن الأضحية، ويجب أن ينفذ كل شيء يجب تنفيذه أمام الملأ. أما المادة السابعة عشرة فيقول: “إن مناكحتهم -أي المسلمين- ممنوعة قطعًا”.

وعلم المسئولون بأن “سباتاي” يجمع أنصاره على طقوس وعبادات وعقائد خاصة، فانكشف زيفه وعلموا أن إسلامه إنما كان تكأة، فقبض عليه ونفي إلى برات في ألبانيا مع بعض أتباعه، وبقي هناك خمس سنوات تزوج خلالها من امرأة يهودية من سلانيه اسمها “بوهيفيد”، فأسماها عائشة بعد أن ماتت زوجته الأولى سارة، ثم مات هو في الثلاثين من سبتمبر سنة 1675 للميلاد، وقد ناهز التاسعة والأربعين عامًا ودفن على ضفة نهر هناك.

error: النص محمي !!