Top
Image Alt

أوَّليَّة الشعر الجاهلي

  /  أوَّليَّة الشعر الجاهلي

أوَّليَّة الشعر الجاهلي

المراد بـ”مصادر الأدب الجاهلي”: مظانه التي استقر فيها بعد أن قطع رحلته الطويلة مع الرواية الشفهية والحفظ على ألسن الرواة حتى كتب وقيد بالكتابة في عصر التدوين، وهذه المظان هي المرجع الذي يلجأ إليه كل باحث يريد التعرف على هذا الأدب أو يريد الاطلاع عليه.

والحقيقة أن الشعر عُني به من قِبل الرواة والمدونين عنايةً خاصةً فاقت عنايتهم بالنثر؛ ومن هنا: فإن الحديث عن مصادر الأدب الجاهلي سيتركز على مصادر الشعر، والنثر يأتي تبعًا للشعر، ما روي منه وما قُيِّدَ ودُوِّنَ.

إننا نلاحظ أن القصيدة الجاهلية التي وصلتنا عن طريق الرواية بلغت حدًّا كبيرًا من النضج والاكتمال، وتبلورت فيها عدة خصائص تجعلها نموذجا للفن الراقي والإبداع الأصيل.

وقبل أن نتحدث عن هذه الخصائص لا بد أن نشير إلى أنه من البدهي أن هذه الصورة المكتملة للقصيدة العربية، لا يمكن أن يكون الشعر الجاهلي قد بلغها طفرة دون مراحل سابقة مر بها هذا الشعر.

نعم، إن طبيعة الأشياء تحتم أن يكون الشعر الجاهلي بدأ طفلًا، ثم شبَّ وترعرع حتى بلغ أوج نضجه في هذه النماذج التي رويت لامرئ القيس، وزهير، والنابغة، ولبيد… وغيرهم، فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الشعراء هم الجيل الأول في مسيرة هذا الشعر.

والحق أننا نجد هؤلاء الشعراء -أنفسهم- يصرحون بأنهم في مجال الشعر مسبوقون تابعون، فهذا امرؤ القيس -مثلًا- يقول:

عوجا على الطلل المحيل لأننا

*نبكي الديار كما بكى ابن خزام

فابن خزام إذن شاعر قديم يتبعه امرؤ القيس، ويبكي الديار كما بكى؛ فهو إذًا أستاذه.

وهذا زهير يقول:

ما أرانا نقول إلا معارًا

*أو معادًا من لفظنا مكرورًا


فزهير يشعر أنه يكرر كلام السابقين عليه.

وهذا عنترة بن شداد يبدأ معلقته بقوله:

هلْ غادرَ الشُّعراءُ من متردِّمِ

*…. …. …. ….

والاستفهام في قوله دالٌّ على النفي، والمعنى: لم يغادر الشعراء السابقون لنا شيئًا ولم يتركوا ما نضيفه في مجال الشعر.

إذًا هناك أجيال من الشعراء سبقت من نعرفهم، وهناك مراحل مر بها الشعر الجاهلي قبل مرحلة المعلّقات؛ لكن هذه المراحل وتلك الأجيال غامضة الملامح، والروايات التي تتجاوز امرأ القيس ومعاصريه لا تدل على شيء ذي بال؛ فهم يذكرون -مثلًا- أن المهلهل بن ربيعة هو أول من قصّد القصيد، وأنه سُمي مهلهلًا؛ لأنه هلهل الشعر ورققه، لكنهم لم يذكروا من الذي علّم مهلهلًا الشعر، ولا كيف ترقّى هذا الفن في مراحله السابقة على المهلهل.

وعلى أي حال، فهذا المبحثُ عسير المسلك، غامض الملامح، قليل النتائج، فهل سيكشف المستقبل عن المراحل التي مرّ بها الشعر الجاهلي قبل بلوغه مرحلة الاكتمال؛ علم ذلك عند الله.

error: النص محمي !!