Top
Image Alt

أيهما أسبق: التوحيد أم الشرك؟

  /  أيهما أسبق: التوحيد أم الشرك؟

أيهما أسبق: التوحيد أم الشرك؟

لقد ناقش العلماء هذه المسألة؛ فانقسموا على رأيين:

الرأيُ الأول -وهو مرجوح-: الشرك أسبق من التوحيد:

حيث ذهب بعض العلماء المشتغلين بالتاريخ والآثار إلى أن الشرك كان أولًا ثم طرأ التوحيد.

واستدلوا على ما ذهبوا إليه بآثار ونقوش وجدوها، وكتابات منحوتة تدل على أن الشرك سابق لعقيدة التوحيد، واستدلوا بشيء آخر أيضًا: وهو أنهم وجدوا أن القبائل البدائية التي تعيش في أواسط إفريقيا، بعيدة عن حضارة العلم والتمدن، وهي على عقيدة الوثنية، وقالوا: إن عقيدة التوحيد مرحلة علمية وحضارية لا تكون إلا بعد تقلبات عديدة تمر إثرها على كثير من التصورات الميتافيزيقية، أي: الغيبية، وكثير من الممارسات الوثنية: كالاعتقاد في الإنسان، أو الحيوان، أو مظهر من مظاهر الكون الأخرى، كعبادة الشمس، والقمر، والنار، والمطر، والرعد، والبرق، وأخيرًا ما وجد عند مشركي العرب من عبادة الأصنام، وهي:

تماثيل من الحجارة وضعوها على صور أشخاص مثل: هبل، وغيره من الأصنام التي يقال: إن عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ أتى بها إلى مكة قادمًا من الشام.

وهذا الرأي مرجوح.

الرأي الثاني -وهو رأي الجمهور وهو الراجح -: التوحيد أسبق من الشرك:

ويؤيد هذا الرأي الدليل والواقع؛ فإن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء من الجنة إلى الأرض وتناسلا، وكثرت ذرية بني آدم كان الله تعالى يبعث في كل أمة رسولًا، وكان أول ظهور للشرك في قوم نوح عليه السلام يقول الشيخ حافظ الحَكَمي –رحمه الله-: “وأول ما ظهر في قوم نوح على المشهور، وقد كان بنو آدم على ملة أبيهم عليه السلام نحو عشرة قرون -كما قدمنا- وبه قال ابن عباس وغيره في تفسيره قوله عز وجل: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [البقرة:213]؛ وذلك لأن الشيطان لعنه الله لم يزل دائبًا جادًّا مستمرًّا في عداوة بني آدم عليه السلام منذ كان أبوهم طينًا، فلما نفخ الله فيه الروح، وعلمه الأسماء كلها، وأمر الملائكة بالسجود له فسجدوا كلهم إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين: {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء:61]، وقال تعالى: {قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُون} [الحِجر:33]، فلما سأله الله عز وجل عن سبب امتناعه من السجود واستكباره عن أمر ربه -والله تعالى أعلم به-، فقال سبحانه له: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف:12]، فأجاب الخبيث مفتخرًا بأصله طاعنًا على ربه تعالى في حكمته وعدله: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين} [ص:76]، فعامله الجبار بنقيض ما قصده وأذاقه وبال حسده، وأثمر له استكباره الذل الأبدي الذي لا عز بعده: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين} [الأعراف:13]…. ثم كان من كيد الشيطان مما قص الله عز وجل من إلقائه الفتنة بين بني آدم، وقتل أحدهما الآخر كما في سورة المائدة، ولما مات آدم عليه السلام، وكان وصيه شيثًا عليه السلام ومضت تلك المدة التي ذكرنا، والناس كلهم على شريعة من الحق، كما قال ابن جرير –رحمه الله-: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين” … وقد قص الله تعالى في كتابه كل ذلك مفصلًا عن الأمم ورسلهم”. انتهى كلامه.

ولما نقل ابن كثير –رحمه الله- هذه الرواية عن ابن جرير الطبري –رحمه الله-، وهي رواية ابن عباس رضي الله عنهما كما ترون، ونقل معها روايات أخر عقب ابن كثير بقوله: “والقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا ومعنًى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض”. انتهى كلامه.

وبهذا يتضح لنا أن معرفة الله تعالى والإقرار به أمر سابق لحدوث الشرك وعبادة غير الله تعالى؛ ولهذا لما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عن دليل الفطرة، وأن معرفة الله تعالى هل هي فطرية أم تنال بالنظر؛ قال –رحمه الله-: “يختلف باختلاف الناس، ولكن الصحيح أنها فطرية؛ لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل مولود يولد على الفطرة))، ولكن قد يعرض للفطرة ما يفسدها، فتحتاج حينئذ إلى النظر فهي في الأصل ضرورية، وقد تكون نظرية ثم المعرفة الواجبة لا تتعلق بنظر خاص، بل قد تحصل ضرورية، فتصفية النفس ورياضتها من أعظم الأسباب في حصول المعرفة الضرورية؛ ولكن قد يحتاج إلى أمور يجب الإيمان بها فيتوقف على النظر، فيجب النظر لما طرأ على الفطرة من الفساد، فإن كون هذا العالم لا بد له من صانع و خالق، ومدبر فهذا ضروري، فكون لا يعرف هذا إلا بطريق النظر، فيه نظر وأي نظر؟ بل هو معلوم عقلًا وواجب عقلًا، وقد أركزه الله تعالى في فطرة مخلوقاته، متحركها وساكنها، ناطقها وصامتها، حيوانها، وجمادها، كما تقدم أنها مسبحة بحمده عارفة به، ففي كل شيء له آية: تدل على أنه واحد”. انتهى كلامه.

ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- أيضًا في رسالة الفطرة: “ولقد حدثنا شيخنا ابن قاضي الجبل عن بعض العلماء لا أستحضره قال: لو ترك طفل رضيع في بيت لا يكلم، وله من يقوم بأمره لعرف ربه، ونطق بالسريانية، وكون نطق بفطرته التي فطر عليها لم يستعبد”. انتهى كلامه.

ولما ذكر ابن أبي العز الحنفي –رحمه الله- حديث الفطرة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))، قال: “ولا يقال: إن معناه يولد ساذجًا لا يعرف توحيدًا ولا شركًا -كما قال بعضهم- لما تلونا، ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: ((خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)) الحديث، وفي الحديث المتقدم ما يدل على ذلك؛ حيث قال: ((يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))، ولم يقل: ويسلمانه، وفي رواية: ((يولد على الملة))، وفي أخرى: ((على هذه الملة)). انتهى كلامه. 

error: النص محمي !!