Top
Image Alt

إثبات الصِّفات من غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، وبعض أقوال أئمة السَّلف

  /  إثبات الصِّفات من غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، وبعض أقوال أئمة السَّلف

إثبات الصِّفات من غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، وبعض أقوال أئمة السَّلف

معتقد أهل السنَّة والجماعة في إثبات الصِّفات قائم على أن الله عز وجل يُوصف بما وَصَفَ به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم نفيًا وإثباتًا، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل. فقول أهل السُنَّة والجماعة: من غير تحريف ولا تعطيل، يريدون به تمييز معتقدهم عن معتقد أهل التعطيل.

فالتحريف في اللغة: التغيير والتبديل والإمالة والعدول، مأخوذ من الفعل حَرَّفَ، إذا عدل بالشيء عن وجهه.

وشرعًا: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره.

والتحريف في باب الأسماء والصِّفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصِّفات أو معانيها عن مراد الله بها. فقول أهل السُنَّة والجماعة: من غير تكييف ولا تمثيل، فيه تمييز لمعتقدهم عن معتقد المشبهة.

فالتكييف في اللغة: كيَّف الشيء جعل له كيفية. والكيفية: مصدر صناعي، يقال في جواب سؤال كَيْفَ، وهي حالة الشيء وصفته. والتمثيل في اللغة: التشبيه، مأخوذ من مَثَّل الشيء بالشيء تمثيلًا: شَبَّهَهُ به.

وأما في الاصطلاح: فهو جعل الشيء على كيفية معينة مع تقيدها بمماثل، وهو مرادف للتشبيه وإن كان بينهما فرق في أصل اللغة. ولقد حفلت الكتب المعتنية ببيان معتقد أهل السُنَّة والجماعة بذكر الآثار عن السَّلف الصالح في تقرير هذه العقيدة، وما تضمنته من أصول وأسس لأهل السنة والجماعة في باب الصِّفات، ومن ذلك: الإجماع الذي نقله الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- بقوله: “أهل السُنَّة مجمعون على الإقرار بالصِّفات الواردة في القرآن والسُنَّة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيّفون شيئًا من ذلك، ولا يحدّون فيه صفة محصورة”.

وفي تقرير هذا الإجماع يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في عقيدته (الواسطية) التي تحدى بها جميع المخالفين لأهل السُنَّة والجماعة، من جميع الطوائف في زمانه؛ أن يأتوا بحرف واحد عن أحد من الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة الأولى المشهود لهم بالخيرية، يخالف ما ورد فيها.

قال -رحمه الله: “أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السُنَّة والجماعة” إلى أن قال: “ومن الإيمان بالله، الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11]”.

ومن أقوال أعلام السَّلف الصالح التي تبيِّن هذا المنهج في هذا الباب: قول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله: “وله يدٌ ووجهٌ ونفسٌ.

كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف.

ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصِّفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال”.

ومنها قول الإمام مالك -رحمه الله- لما سُئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرق مالك، حتى علته الرَّحْضَاء، ثم رفع رأسه وقال: “الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”. والرحضاء: عرق يغسل الجلد لكثرته. فأصبح كلام الإمام مالك -رحمه الله- قاعدة من قواعد هذا الباب عند أهل السُنَّة والجماعة، يستخدمونها في سائر الصِّفات للرد على كل من خالفهم.

وقال الإمام الشافعي -رحمه الله- وقد سُئل عن صفات الله تعالى وما يُؤْمَن به: “لله تعالى أسماءٌ وصفاتٌ، جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسع أحدًا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة رَدُّهَا؛ لأن القرآن نزل بها وصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القولُ بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه، فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية ولا بالفِكر”.

وقال الإمام أحمد -رحمه الله- في أحاديث الصِّفات: “نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئًا، ونعلمُ أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نردُّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، ولا يُوصَف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، بلا حد ولا غاية: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت”.

فهذه بعض أقوال أئمة السَّلف المتبوعة، كلها متفقة على هذا الاعتقاد، وهذا المنهج، قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- لما سُئل عن اعتقاد الشافعي: “اعتقاد الشافعي واعتقاد سلف الإسلام كمالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد الله التُّسْتَري، وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة -رحمة الله عليه- واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسُنَّة”.

ومن خلال النصوص الشرعية الواردة في هذا الباب من الكتاب والسُنَّة، وأقوال السَّلف الصالح وآثارهم، استنبط أهل السُنَّة والجماعة أسسًا ثلاثةً يرتكز عليها معتقدهم في هذا الباب عمومًا، ومنها تستنبط وتتفرع عنها بقية القواعد والأصول الأخرى.

وهذه الأسس هي:

1. الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسُنَّة من أسماء الله عز وجل وصفاته، إثباتًا ونفيًا.

2. تنزيه الله عز وجل عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.

3. قطع الطمع عن إدراك كيفية اتِّصاف الله بتلك الصِّفات. وهذه الأسس الثلاثة هي التي تَفْصِل وتميِّز عقيدة أهل السُنَّة والجماعة في هذا الباب عن عقيدة أهل التعطيل من جهة، وعن عقيدة أهل التمثيل من جهة أخرى.

ومدار إثبات الصفات على الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله: { أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} [البقرة: 140].

والإيمان بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصف اللهَ بعد اللهِ أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل في حقه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4].

فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وينزه الله -جل وعلا- عن أن تشبه صفته صفة الخلق. وحيث أخل بأحد هذين الأصلين وقع في هوة الضلالة، لأن من تنطع بين يدى رب السموات والأرض وتجرأ على الله بهذه الجرأة العظيمة.

ونفى عن ربه وصفًا أثبته لنفسه فهذا مجنون، فالله -جل وعلا- يثبت لنفسه صفات كمال وجلال، فكيف يليق لمسكين جاهل أن يتقدم بين يدي رب السموات والأرض، ويقول: هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك ويلزمه من النقص كذا وكذا! فأنا أؤوِّله وألغيه، وآتي ببدله من تلقاء نفسي، من غير استناد إلى كتاب أو سنة. سبحانك هذا بُهتان عظيم.

ومن ظن أن صفة خالق السموات والأرض تُشبه شيئًا من صفات الخلق فهذا مجنونٌ جاهل، ملحد ضال، ومن آمن بصفة ربه -جل وعلا- منزهًا ربه عن تشبيه صفاته بصفات الخلق، فهو مؤمن منزه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل. وهذا التحقيق هو مضمون: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}فهذه الآية فيها تعليم عظيم، يحل جميع الإشكالات، ويجيب عن جميع الأسئلة حول الموضوع. ذلك لأن الله قال: { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير } بعد قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ومعلوم أن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات، فكأن الله يشير للخلق ألّا ينفوا عنه صفة سمعه وبصره بادعاء أن الحوادث تسمع وتبصر، وأن ذلك تشبيه بل عليهم أن يثبتوا له صفة سمعه وبصره على أساس: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }.

فالله -جل وعلا- له صفات لائقة بكماله وجلاله، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم وكل هذا حق ثابت لا شك فيه، إلا أن صفة رب السموات والأرض أعلى وأكمل من أن تشبه صفات المخلوقين، فمن نفَى عن الله وصفًا أثبته لنفسه، فقد جعل نفسه أعلم.

ومن ظن أن صفة ربه تُشبه شيئًا من صفة الخلق، فهذا مجنون ضال ملحد لا عقل له يدخل في قوله: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِين} [الشعراء: 97، 98] ومن يسوي رب العالمين بغيره فهو مجنون. ثم اعلموا أنه لا مقارنة بين صفات الخالق وبين صفات المخلوق، فما جاء في القرآن العظيم من وصف الخالق -جل وعلا- بتلك الصفات ووصف المخلوقين بتلك الصفات كله حق، فصفة خالق السموات والأرض حق، وصفة المخلوقين حق، ولكن لا مناسبة بين صفة الخالق وبين صفة المخلوق، فصفة الخالق لائقة بذاته، وصفة المخلوق مناسبة لعجزه وافتقاره، وبين الصفة والصفة من المخالفة كمثل ما بين الذات والذات.

فلا يجوز للإنسان أن يتنطع إلى وصف أثبته الله -جل وعلا- لنفسه، فينفي هذا الوصف عن الله متهجمًا على رب السموات والأرض، مدعيًا عليه أن هذا الوصف الذي تمدح به أنه لا يليق به، وأنه هو ينفيه عنه.

ويأتيه بالكمال من كيسه الخاص، فهذا جنون وهَوَس، ولا يذهب إليه إلا مَن طمَس الله بصائرهم.

وعلى كل تقدير، فهذا الباب توقيفي محض بمعنى أنه: لا يخضع للاجتهاد ولا للقياس، أو الاستحسان العقلي، أو النفي والإثبات بالذوق والوجدان. فالسبيل إليه الأدلة السمعية الخبرية، لا يتجاوز فيه الكتاب والسنة، وهذا الذي جرى عليه أئمة أهل السنة والجماعة، كالإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.

وأدلة الكتاب والسنة يقال لها سمعية، ويقال لها خبرية، ويقال لها نقلية، أي: الأدلة المسموعة عن اللّه أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، والتي أخبر اللّه بها عن نفسه أو أوحى لرسوله، فأخبر بها أو التي نقلت إلينا عن كتاب ربنا أو عن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

هذه الأدلة هي السبيل الوحيدُ إلى معرفة الأسماء والصفات، والعقل السليم لا يخالف النقل الصحيح، وعلى هذا الأساس نثبت صفات الله الواردة التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله؛ إذ لا يصف اللّه أعلم باللّه من اللّه، ولا يصفه من خلقه أعلم باللّه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد وصف اللّه نفسه بالعلم والحلم والحكمة والعزة والسمع والبصر، فعلينا أن نثبت هذه الصفات وغيرها من الصفات الواردة في كتاب ربنا إثباتًا لا يصل إلى حد التشبيه والتمثيل، مع تنزيه الرب تعالى عن مشابهة مخلوقاته فيما أثبتناه له من الصفات تنزيهًا لا يصل بنا إلى حد التعطيل، ويكون موقفًا إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل على ضوء قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}، وقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } يعني: التنزيه، وقوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير } يعني: إثبات السمع والبصر على ما يليق باللّه، لا على ما يليق بالمخلوق.

وهكذا نقول في جميع صفات اللّه الواردة في الكتاب والسنة، ومما أثبت اللّه لنفسه في كتابه: اليد، والوجه، والمجيء لفصل القضاء يوم القيامة، والاستواء على العرش.

وموقفنا من هذه الصفات هو عين موقفنا من السمع والبصر وغيرهما، أي: كما أثبتنا سمعًا وبصرًا يليقان به لا كسمع المخلوقين وبصرهم، كذلك نثبت له يدًا تليق به لا كأيدي المخلوقين، ووجهًا لا كوجوههم، واستواء يليق به لا كاستواء المخلوق، ومجيئًا يليق به لا كمجيء المخلوق، وإذا خطر لك خاطر وأنت تتلو الآيات الكريمة التي تتحدث عن هذه الصفات كقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}  [ص: 75] ، وقوله تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائدة: 64] ، وقوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] ، وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أو مررت وأنت تتصفح كتابًا من كتب الحديث، بحديث صحيح يقول فيه الصادق الأمين محمد -عليه الصلاة والسلام: ((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة إذا بقي الثلث الآخر من الليل…)) الحديث.

أو مررت بغيره من أحاديث الصفات التي قد تكون غريبة عليك، فأول خطوة تخطوها أَن تبحث عن صحة هذه الأحاديث، إما بالمراجعة الفاحصة والواعية في المراجع المعتبرة، أو بسؤال أهل العلم والفقه في الدين إذا كنت لا تقوى على المراجعة.

وإذا تأكدت من ثبوت النصوص لم يبقَ أمامك إلا أَن تقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد اللّه، وآمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى. هذه العبارة تروى عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى.

ثم إياك وإياك أَن تخوض في صفات اللّه بالتأويل والتحريف أو بالتشبيه والتجسيم، بل تثبتها على ضوء الآية السابقة: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}، وقوله تعالى: { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، وقوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد} [الإخلاص: 4]؛ لأن الصفات كلها من باب واحد، ولا يجوز التصرف في صفات اللّه بالعقل المحض على خلاف النصوص بإثبات بعضها وتأويل البعض الآخر، كما فعلت الأشاعرة الكلابية، حيث أثبتوا صفات الذات كالقدرة والإرادة، والسمع والبصر وغيرها، أثبتوها على ما يليق بالله دون تشبيه أو تجسيم، ودون تحريف أو تعطيل.

ولكنهم ادَّعوا وجوب تأويل صفات الأفعال، كالمجيء والنزول، بدعوى أن إثباتها على ظواهرها يؤدي إلى التجسيم، وهذا جهل يتوارثونه، فيقال لهم: كيف أثبتم السمع والبصر على ظاهرهما أم على باطنهما؟ فيكون الجواب الصحيح: على ظاهرهما، ولكن الظاهر الذي يليق باللّه لا على الظاهر الذي يليق بالمخلوق. فيقال لهم: الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر، يحتذي حذوه، فنحن نثبت لله الصفات السمعية من اليد وغيرها على ظاهرها الظاهر، الذي يليق بالله لا على أساس أنها جوارح أو أَعضاء؛ لأن إيماننا باللّه سبحانه إيمان إثبات وتسليم، وكذلك يجب أن يكون إيماننا بصفات الله إيمان إثبات للصفات دون الخوض فيها بالتحريف، أَو بالتأويل، أو بالتشبيه، بل نسلم للّه فيما أَثبته لنفسه ولا ننازعه. ونسلم لرسوله الأمين صلى الله عليه وسلم فيما أثبته لربه سبحانه ولا ننازعه ولا نزيد عليه، إذ لا يصف اللّه أعلم باللّه من اللّه، ولا يصفه من خلقه أعلم باللّه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!