Top
Image Alt

إثبات العرش، والكرسي, وإبطال تأويل من تأولهما

  /  إثبات العرش، والكرسي, وإبطال تأويل من تأولهما

إثبات العرش، والكرسي, وإبطال تأويل من تأولهما

يأتي الحديث عن العرش والكرسي بعد الحديث عن الاستواء؛ لارتباط العرش بالاستواء، فنحن نقول بأن الله سبحانه وتعالى استوى على عرشه.

1. صفة عرش الرحمن سبحانه وتعالى:

ذهبت طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فَلَكٌ مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفَلَك الأطلس والفَلَك التاسع. وليس هذا بصحيح؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((فإن الناس يصعقون, فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور)).

والعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي هو للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم} [النمل: 23]، وعليه فليس هو فلكًا، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب؛ وعليه فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، ومن شعر أمية بن أبي الصلت:

مجدوا الله فهو للمجد أهل

*ربنا في السماء أمسى كبيرا

بالبنا العالي الذي بهر النا

*س وسوى فوق السماء سريرا

شَرْجَعًا لا يناله بصر العيـ

*ـنِ ترى حوله الملائك صورا

والسرير هنا هو العرش في اللغة.

وقد روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش, إن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)) وهذا دليل على أن عرش الله سبحانه وتعالى عظيم، وأنه سبحانه وتعالى له عرش على الحقيقة.

كلامُ الحافظِ الذهبيِّ:

لقد ذكر الحافظُ الذهبيُّ -رحمه الله- شيئًا من ذلك بكلام متقَن جميل، إذ يقول -رحمه الله:

“اعلم أن الله عز وجل قد أخبرنا -وهو أصدق القائلين- بأن عرش بلقيس عرش عظيم فقال: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم} [النمل:23] ثم ختم الآية بقوله: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم} [النمل: 26] فكان عرشها عظيمًا بالنسبة إليها، وما نحيط الآن علمًا بتفاصيل عرشها ولا بمقداره ولا بماهيته، وقد أتى به بعض رعية سليمان عليه السلام بين يديه قبل ارتداد طرفه، فسبحان الله العظيم! فما ينكر كرامات الأولياء إلا جاهل، فهل فوق هذه كرامة؟

فيقال: إنه دعا باسم الله الأعظم، فحضر في لمح البصر من اليمن إلى الشام، فما ثَمَّ إلا محض الإيمان والتصديق، ولا مجال للعقل في ذلك، بل آمنا وصدقنا، فهذا في شيء صغير صنعه الآدميون، وجلبه في هذه المسافة البعيدة بشرٌ بإذن الله تعالى، فما الظن بما أعدَّ الله من السرر والقصور في الجنة لعباده، الذي كل سرير منها طوله وعرضه مسيرة شهر أو أكثر، وهو من درة بيضاء، أو من ياقوتة حمراء، الذي كل باع منها خير من ملك الدنيا؟ فتبارك الله أحسن الخالقين.

آمنا بالغيب والله، وجزمنا بخبر الصادق، ففي الجنة قَطعًا ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر”.

هذه مقدمة جميلة عقب عليها بقوله: “فما الظن بالعرش العظيم, الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه؛ في ارتفاعه وسعته, وقوائمه وماهيته, وحملته والكَرُوبيين الحافين من حوله -الكروبيون الذين هم سادة الملائكة المقربون- وحسنه ورونقه وقيمته؟”.

إلى أن قال: “سبحان الله وبحمده, عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضاء نفسه، ومداد كلماته، ضاعت الأفكار، وطاشت العقول, وكلَّت الألسنة عن العبارة عن بعض المخلوقات، فالله أعلى وأعظم، آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون.

تَبًّا لذوي العقول الخائضة، والقلوب المعطلة، والنفوس الجاحدة: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون} [الزُّمَر: 67].

اللهم بحقك عليك، وباسمك الأعظم، وكلماتك التامة، ثبت الإيمان في قلوبنا، واجعلنا هداة مهتدين.

نعم, ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة في فَلَاة، وما الكرسي في العرش العظيم إلا كحلقة في فلاة، اسمع وتعقل ما يقال لك، وتدبر ما يلقى إليك، والجأ إلى الإيمان بالغيب، فليس الخبر كالمعاينة، قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] وقال تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَة} [الحاقة:17- 18] وقال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} [غافر: 15]”.

هذه هي الكلمات التي قالها الحافظ الذهبي -رحمه الله- بين يدي سياقه لبعض الأحاديث الواردة في صفة العرش، وإثبات عرش الرب سبحانه وتعالى.

2. معنى الكرسيّ:

قال الله سبحانه وتعالى عن الكرسي: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255].

وقد قيل بأن الكرسي هو العرش، والصحيح أنه غيره؛ نُقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. روى ابن أبي شيبة في كتاب (صفة العرش) والحاكم في (المستدرك)، وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه, عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله سبحانه وتعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أنه قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى. وقد روي مرفوعًا، والصواب أنه موقوف عن ابن عباس رضي الله عنه وهذا هو الصحيح.

وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.

وقال ابن جرير: قال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد, أُلقيت بين ظهري فَلَاة من الأرض)).

وقيل: كرسيه: علمه, وينسب ذلك إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه وقد أخرجه الطبري في تفسيره من طريقين، وذلك ضعيف، وقد سبق أن بينا أن الصحيح الموقوف على ابن عباس رضي الله عنه, وهو أن الكرسي موضع القدمين، وهو المحفوظ عنه الذي رواه ابن أبي شيبة كما تقدم، ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن.

والظاهر أن هذا الكلام الذي قالوه في أن معنى الكرسي هو العلم، من جراب الكلام المذموم، كما ذكروا في العرش أيضًا كلمات لا تصحُّ، وإنما هو كما قال غير واحد من السلف: “بين يدي العرش كالمرقاة إليه”.

إذًا: الصواب في صفة الكرسي أنه موضع، ومعناه: أنه موضع قدمي رب العزة والجلال سبحانه وتعالى, وهذا هو الصحيح الثابت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه, وأما ما ورد خلاف ذلك فليس بصحيح.

وقد قال البيهقي -رحمه الله- بعد أن ذكر ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في أن الكرسي هو العلم: “وسائر الروايات عن ابن عباس, وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور، المذكور مع العرش” وقد ذكر ذلك البيهقي -رحمه الله- في كتابه (الأسماء والصفات), وهذا في الحقيقة كلام صحيح.

وقد أورد الذهبي -رحمه الله- في كتابه (العلو) عن ابن عباس رضي الله عنه قال: “الكرسي: موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره”. وقال الذهبي -وهو من هو الذهبي في الحفظ والإتقان-: “رواته ثقات”.

وقد ذكر الشيخ الألباني -رحمه الله- في مختصر كتاب (العلو للعلي الغفار) للذهبي عن هذا الكلام، فقال: صحيح موقوف، أخرجه ابن خزيمة في (التوحيد) صـ71-72 في النسخة التي رجع إليها، والدارمي في الردّ على المرسي، وأبو جعفر بن أبي شيبة في (العرش)، وعبد الله بن أحمد في (السنة)، ثم قال: “وهذا إسناد صحيح, رجاله كلهم ثقات”.

والحاصل: أن الصواب والصحيح في الكرسي أنه موضع القدمين، وهذا هو الحق الذي يجب المسير إليه؛ أما من تأوله بالعلم أو غير ذلك، فهؤلاء هم المعطلة والمؤولة الذين لم ينسبوا هذا الأمر لرب العزة والجلال, كما أخبر به الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

3. أدلة ثبوت العرش والكرسي، وإبطال تأويل من تأولهما:

أ. أدلة ثبوت العرش والكرسي:

العرش والكرسي ثابتان بالقرآن الكريم وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: “والعرش والكرسي حق”. ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك من القرآن الكريم فقال: “قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد} [البروج: 15] وقال سبحانه وتعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} [غافر: 15] وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: 59] في غيرما آية من القرآن, ومن ذلك: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم} [المؤمنون: 116]، ومثله: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم} [النمل: 26]، وقوله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7]، وقوله سبحانه وتعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17], وفي دعاء الكرب المرويّ في الصحيح: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم))”.

هكذا ذكر الإمام ابن أبي العز -رحمه الله- هذه الآيات وهذا الحديث، في إثبات أن العرش ثابت بالأدلة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما ساق الحديث المذكور آنفًا، وساق أحاديث أخرى لكنها ضعيفة، كأحاديث الأطيط وما إلى ذلك؛ ولذلك نترك ذكرها هنا لنذكر بعض ما قال الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله- في ذلك حيث قال: “والقرآن مشحون بذكر العرش، وكذلك الآثار بما يمتنع أن يكون مع ذلك أن المراد بذلك المُلْك، فدع المكابرة والمراء؛ فإن المراء في القرآن كفر، ما أنا قلتُه، بل المصطفى صلى الله عليه وسلم قاله”.

ثم بعد ذلك ساق بعض الأحاديث التي أثبتت العرش، ومن ذلك ما ذكر عن حسان بن عطية أنه قال: “حملة العرش ثمانية، يتجاوبون بصوت حسنٍ رخيم، فيقول أربعة منهم: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك, ويقول أربعة: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها، قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ قالصلى الله عليه وسلم: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)) وقد أخرج ذلك الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه.

ثم ساق أيضًا حديث عمران بن حصين المذكور آنفًا، كما ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما قال: “العرش فوق الماء، والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم”.

وهذه كلها أدلة من السنة النبوية تثبت عرش الرحمن سبحانه وتعالى, وأن الله عز وجل له عرش ثابت بالكتاب الكريم، وبسنة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

ب. ما قيل في تأويل العرش والكرسي، وبيان بطلانه:

أوّل بعض الناس العرش، وكذلك الكرسي، فهناك من أوَّل الكرسي بالعلم، والعرش بالمُلك، وقد رد عليهم بعض الأئمة في ذلك.

ومن هذا ما قاله الإمام الدارمي -رحمه الله- في الرد على الجهمية, حيث قال: “وما ظننا أننا نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتُلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا…، وقد حقق الله العرش في آي كثيرة من القرآن” ثم ذكر الآيات، ثم قال:

“فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرّون به؛ لأنه مذكور في القرآن، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان {الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] وكالذين {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون} [البقرة: 14], أتقرون أن لله عرشًا معلومًا موصوفًا فوق السماء السابعة تحمله الملائكة, والله فوق كما وصف نفسه، بائن من خلقه؟ فأبى أن يقر به كذلك، وتردد في الجواب، وخلط ولم يصرح.

قال أبو سعيد: فقال لي زعيم منهم كبير: لا، ولكن لما خلق الله الخلق -يعني: السموات والأرض وما فيهن- سمى ذلك كله عرشًا، واستوى على جميع ذلك كله.

قلت: لم تدعوا من إنكار العرش والتكذيب به غاية، وقد أحاطت بكم الحجج من حيث لا تدرون، وهو تصديق ما قلنا: إن إيمانكم به كإيمان الذين قالوا: {آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] فقد كذبكم الله سبحانه وتعالى به في كتابه، وكذبكم به الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، أرأيتم قولكم: إن عرشَه سمواتُه وأرضه وجميع خلقه؟ فما تفسير قوله عندكم: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [غافر: 7] أحملة عرش الله، أم حملة خلقه؟ وقوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17] أيحملون السموات والأرض وما فيهن، أم عرش الرحمن؟”. إلى آخر ما ذكر هذا الإمام -رحمه الله- في إبطال قول هؤلاء الذين أنكروا العرش.

ولذلك لما قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: “والعرش والكرسي حق”، قام شارحه ابن أبي العز -رحمه الله- بذكر الآيات، و بعض الأحاديث الواردة في ذلك وقد بيناها, ثم قال: وأما من حرّف كلام الله، وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17]؟

وهذا في الحقيقة دليل قوي: بم يجيبون؟ وبأي شيء يقولون في قول الله سبحانه وتعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17]؟ بل ماذا يفعلون في قول الله سبحانه وتعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} [هود: 7]؟

أيقول هؤلاء: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟ وكان ملكه على الماء؟ ويكون موسىعليه السلام آخذًا بقائمة من قوائم المُلك، هل هذا يقوله عاقل يدري ما يقول؟ لا يمكن بحال من الأحوال.

فثبت يقينًا أن العرش له حقيقة، وله صفة، وأنه كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى عنه قد استوى عليه، وأن الأمر كما ذكر العلماء؛ أن له قوائم، وأن الله سبحانه وتعالى له استواء عليه حقيقة يليق بجلاله وكماله، وتأويل العرش بالملك باطل لا أصل له. فلا يمكن بحال من الأحوال أن تكون هذه الأحاديث الكثيرة والآيات القرآنية العظيمة التي جاءت في تقرير ذلك, يُعنَى بها أنه ليس لله عرش، وأن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك الملك, فدع المكابرة -كما ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله- والمراءَ في دين الله عز وجل خاصة بعد أن وضحت لنا الطريق، وبان لنا السبيل من قِبَل كتاب الله، وهدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. أما الكرسيُّ فهو موضع القدمين كما أخبر بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه, وهو الصحيح الثابت عنه.

error: النص محمي !!