Top
Image Alt

إثبات العرش، والكرسي

  /  إثبات العرش، والكرسي

إثبات العرش، والكرسي

يأتي الحديث عن العرش والكرسي بعد الحديث عن الاستواء؛ لارتباط العرش بالاستواء، فنحن نقول: بأن الله سبحانه وتعالى استوى على عرشه.

1. هل العرش والكرسي موجودان الآن أم لا؟

الله عز وجل أخبرنا بأنه استوى على عرشه، وأخبر بأن كرسيه وسع السموات والأرض؛ فهل العرش والكرسي موجودان الآن أم لا؟

والسبب في ذكر ذلك: أن بعض الناس سألوا عن هذا، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: هل العرش والكرسي موجودان أم مجاز؟ ولعل السائل أراد أن يصرف حقيقة العرش عن معناه؛ لأنه إذا صرف المئولة حقيقة العرش عن معناه ربما يسهل عليهم بعد ذلك أن يصرفوا أيضًا معنى الاستواء عن معناه.

فأجاب شيخ الإسلام عن ذلك، فأجاب -كما جاء في (مجموع الفتاوى) في الجزء السادس في المجلد السادس الصفحة خمسمائة وأربعة وثمانين- قال: “الحمد لله، بل العرش موجود بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وكذلك الكرسي ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع جمهور السلف”.

2. معنى العرش في لغة العرب:

قال الأزهري -رحمه الله-: العرش في كلام العرب: سرير الملك؛ يدلك على ذلك سرير ملكة سبأ سماه الله سبحانه وتعالى عرشًا فقال: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم}[ [النمل: 23].

قال بعض العلماء: والعرش في كلام العرب أيضًا: سقف البيت، وجمعه: عروش، ومنه قول الله سبحانه وتعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259].

قال الكسائي -رحمه الله-: {عَلَى عُرُوشِهَا}: على أركانها. وقال غيره من أهل اللغة: على سقوفها أراد أن حيطانها قائمة، وقد تهدمت سقوفها فصارت في قرارها وانقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة قبلها.

وقال الليث: العرش: السرير للملك، والعرش والعريش: ما يستظل به. قال: وعرش الرجل: قوام أمره، فإذا زال قوام أمره قيل: ثُلّ عرشه.

حاصل الأمر: يظهر مما ذكره أهل اللغة: أن العرش اسم للسرير المرتفع العظيم الذي يجلس عليه الملك، ويطلق على السقف، وعرش الرب عز وجل له المعنيان، فهو محل استوائه تعالى، وهو أيضا سقف المخلوقات؛ ولذلك قال رب العزة والجلال في القرآن الكريم: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} [هود: 7].

قال ابن جرير -رحمه الله-: وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن.  ثم روى عن مجاهد: “وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئًا”.

وروى بسنده عن قتادة: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} ينبئكم ربكم سبحانه وتعالى كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض، ثم روى حديث أبي رزين العقيلي ((قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء)) وفي رواية: ((قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟)).

ثم روي عن ابن عباس أنه سُئل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} على أي شيء كان الماء؟ قال: “على متن الريح”.

3. صفة عرش الرحمن سبحانه وتعالى:

ذهبت طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فَلَك مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفَلَك الأطلس والفَلَك التاسع.

وليس هذا بصحيح؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((فإن الناس يصعقونك فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور)).

والعرش في اللغة -كما ذكرنا- عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم} [النمل: 23]، وبالتالي ليس هو فلكًا، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، وبالتالي فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، ومن شعر أمية بن أبي الصلت:

مجدوا الله فهو للمجد أهل

*ربنا في السماء أمسى كبيرا

بالبنا العالي الذي بهر النا

*س وسوى فوق السماء سريرا

شَرْجَعًا لا يناله بصر العيـ

*ـنِ ترى حوله الملائك صورا

والصور هنا جمع “أَصْوَر” وهو المائل العنق لنظره إلى العلو، والشَّرْجَع: هو العالي المنيف، والسرير: هو العرش في اللغة. وأمية بن أبي الصلت شاعر جاهلي، ولكنه ذكر حقًّا في هذا الكلام. وقد قال ابن قتيبة عنه: وكان يحكي في شعره قصص الأنبياء، ويأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب، يأخذها من الكتب المتقدمة، وبأحاديث من أحاديث أهل الكتاب، ولا شك أن هذا الرجل بلغه خروج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به حسدًا به، ولكنه هنا ذكر كلامًا حقًّا في ذلك.

وقد روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش، إن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)) وهذا دليل على أن عرش الله سبحانه وتعالى عظيم، وأنه سبحانه وتعالى له عرشًا على الحقيقة.

أ. كلام الحافظُ الذهبي:

وقد ذكر الحافظُ الذهبي -رحمه الله- شيئًا من ذلك بكلام متقَن جميل، يقول -رحمه الله:

“اعلم أن الله عز وجل قد أخبرنا -وهو أصدق القائلين- بأن عرش بلقيس عرش عظيم فقال: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم} [النمل:23] ثم ختم الآية بقوله: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم} [النمل: 26] فكان عرشها عظيمًا بالنسبة إليها، وما نحيط الآن علمًا بتفاصيل عرشها ولا بمقداره ولا بماهيته، وقد أتى به بعض رعية سليمان عليه السلام بين يديه قبل ارتداد طرفه، فسبحان الله العظيم! فما ينكر كرامات الأولياء إلا جاهل، فهل فوق هذه كرامة؟ فيقال: إنه دعا باسم الله الأعظم، فحضر في لمح البصر من اليمن إلى الشام، فما ثَمًّ إذن إلا محض الإيمان والتصديق، ولا مجال للعقل في ذلك، بل آمنا وصدقنا، فهذا في شيء صغير صنعه الآدميون، وجلبه في هذه المسافة البعيدة بشرٌ بإذن الله تعالى، فما الظن بما أعدَّ الله من السرر والقصور في الجنة لعباده، الذي كل سرير منها طوله وعرضه مسيرة شهر أو أكثر، وهو من درة بيضاء، أو من ياقوتة حمراء، التي كل باع منها خير من ملك الدنيا، فتبارك الله أحسن الخالقين, آمنا بالغيب والله، وجزمنا بخبر الصادق، ففي الجنة قَطعًا ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”.

هذه مقدمة جميلة عقب عليها بقوله: “فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه، في ارتفاعه وسعته, وقوائمه وماهيته, وحملته والكروبيون الحافون من حوله -الكروبيون الذين هم سادة الملائكة المقربون- وحسنه ورونقه وقيمته” إلى أن قال: “سبحان الله وبحمده عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلمات، ضاعت الأفكار، وطاشت العقول وكلَّت الألسنة عن العبارة عن بعض المخلوقات، فالله أعلى وأعظم، آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون. تبًّا لذوي العقول الخائضة، والقلوب المعطلة، والنفوس الجاحدة: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون} [الزُّمَر: 67] اللهم بحقك عليك، وباسمك الأعظم، وكلماتك التامة، ثبت الإيمان في قلوبنا، واجعلنا هداة مهتدين. نعم, ما السموات والأرض في الكرسي إلى كحلقة في فلاة، وما الكرسي في العرش العظيم إلا كحلقة في فلاة، اسمع وتعقل ما يقال لك، وتدبر ما يلقى إليك، والجأ إلى الإيمان بالغيب، فليس الخبر كالمعاينة، قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] وقال تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَة} [الحاقة:17- 18] وقال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ}” [غافر: 15].

هذه هي الكلمات التي قالها الحافظ الذهبي -رحمه الله- بين يدي سياقه للأحاديث أو لبعض الأحاديث الواردة في صفة العرش، وإثبات عرش الرب سبحانه وتعالى.

ب. كلام ابن تيمية:

تكلم ابن القيم -رحمه الله- بكلام جميل أيضًا في ذلك، أخذه من شيخه ابن تيمية -رحمه الله- وأنا هنا سأقتصر على كلام ابن تيمية؛ لأهميته، ولأنه وصف العرش وصفًا دقيقًا. قال -رحمه الله-:

“وأما العرش فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات، وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى بعض، قال الله سبحانه وتعالى: {يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7] وقال سبحانه وتعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17] فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة، وأن حملته ومن حوله يسبحونه ويستغفرون للمؤمنين، ومعلوم أن قيام فَلَك من الأفلاك -بقدرة الله تعالى- كقيام سائر الأفلاك، لا فرق في ذلك بين كرة وكرة. وإن قُدِّر أن لبعضها ملائكة في نفس الأمر تحملها؛ فحكمه حكم نظيره، قال تعالى: {وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزُّمَر: 75] فذكر هنا أن الملائكة تحف مِن حول العرش، وذكر في موضع آخر أن له حملة، وجمع في موضع ثالث بين حملته ومَن حوله فقال: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ}” [غافر: 7].

وهذا في الحقيقة وصف وتحليل دقيق من ابن تيمية -رحمه الله- لعرش الرحمنعز وجل ثم قال: “وأيضًا فقد أخبر الله تعالى أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}” [هود: 7].

ثم ساق حديث عمران بن حصين الذي سبق أن أشرت إليه سابقًا، وقال:

“وثبت في (صحيح مسلم) عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)) وهذا التقدير بعد وجود العرش، وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهو سبحانه وتعالى متمدح بأنه ذو العرش كقوله عز وجل: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا} [الإسراء: 42] وقوله سبحانه وتعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَق * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار} [غافر:15- 16] وقال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُود * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد} [البروج: 14- 15- 16] وقد قرئ {الْمَجِيد} بالرفع صفة لله عز وجل وقرئ بالخفض صفة للعرش؛ لأن العرش مفخوض: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد} فتكون الصفة تابعة للموصوف على القراءتين.

وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون} [المؤمنون:86، 87] فوصف الله عز وجل العرش في كتاب بأنه مجيد، وأنه عظيم وقال سبحانه وتعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم} [المؤمنون: 116] فوصفه أيضًا بأنه كريم.

وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم)) فوصفه في الحديث بأنه عظيم وكريم أيضًا.

وقد ثبت في (صحيح مسلم) عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى، فقال: ((لقد قلت بعدكِ أربع كلمات، لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته)) فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: ((جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لُطِم وجهه، فقال: يا محمد، رجلٌ من أصحابك لطم وجهي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ادعوه. فدعوه: فقال: لمَ لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: يا خبيث، وعلى محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء, فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذًا بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته)) فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم، وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق، والأقوال متشابهة في هذا الباب”.

4. الكرسيّ ومعناه:

قال الله سبحانه وتعالى عن الكرسي: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255].

وقد قيل بأن الكرسي هو العرش، والصحيح أنه غيره، نُقل ذلك عن ابن عباسرضي الله عنهما وغيره، حيث روى ابن أبي شيبة في كتاب (صفة العرش) والحاكم في (المستدرك)، وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه. عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله سبحانه وتعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أنه قال: الكرسي موضع القديمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى. وقد روي مرفوعًا، والصواب أنه موقوف عن ابن عباس رضي الله عنه وهذا هو الصحيح.

وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.

وقال ابن جرير: قال أبو ذر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض)).

وقيل: كرسيه علمه. وينسب ذلك إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه وقد أخرجه الطبري في تفسيره من طريقين، وذلك ضعيف، وقد سبق أن بينت أن الصحيح الموقوف على ابن عباس رضي الله عنه هو: أن الكرسي موضع القدمين، وهو المحفوظ عنه، الذي رواه ابن أبي شيبة كما تقدم، ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن.

والظاهر أن هذا الكلام الذي قالوه في أن معنى الكرسي هو العلم، من جراب الكلام المذموم، كما ذكروا في العرش أيضًا كلمات لا تصحُّ، وإنما هو كما ما قال غير واحد من السلف: “بين يدي العرش كالمرقاة إليه”.

إذًا الصواب في صفة الكرسي أنه موضع، ومعناه: أنه موضع قدمي رب العزة والجلال سبحانه وتعالى وهذا هو الصحيح الثابت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأما ما ورد خلاف ذلك، فليس بصحيح.

5. أدلة ثبوت العرش والكرسي، وإبطال تأويل من تأولهما:

أ. أدلة ثبوت العرش والكرسي:

العرش والكرسي ثابتان بالقرآن الكريم وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: “والعرش والكرسي حق”.

ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك من القرآن الكريم فقال: “قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد} [البروج: 15] وقال سبحانه وتعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} [غافر: 15] وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: 59] في غير ما آية من القرآن, ومن ذلك: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم} [المؤمنون: 116]، ومثله: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم} [النمل: 26]، وقوله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7]، وقوله سبحانه وتعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17], وفي دعاء الكرب المروي في الصحيح: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم))”.

ثم بعد ذلك ساق بعض الأحاديث التي أثبتت العرش، ومن ذلك ما قال عن حسان بن عطية قال: “حملة العرش ثمانية، يتجاوبون بصوت حسنٍ رخيم، فيقول أربعة منهم: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك. ويقول أربعة: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس, فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنها الجنة)) وقد أخرج ذلك الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه، ثم ساق أيضًا حديث عمران بن حصين الذي قلته آنفًا، كما ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما قال: “العرش فوق الماء، والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم”.

وهذه كلها أدلة من السنة النبوية تثبت عرش الرحمن سبحانه وتعالى وأن الله عز وجل له عرش ثابت بالكتاب الكريم، وبسنة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

ب. ما قيل في تأويل العرش والكرسي، وبيان بطلانه:

أوّل بعض الناس العرش، وكذلك الكرسي، وقد سبق أن أشرت إلى أن هناك من أوَّل الكرسي بالعلم، والعرش بالمُلك، وقد رد عليهم بعض الأئمة في ذلك.

ومن هذا ما قاله الإمام الدارمي -رحمه الله- في الرد على الجهمية قال: “وما ظننا أننا نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وقد حقق الله العرش في آي كثيرة من القرآن” ثم ذكر الآيات، ثم قال:

“فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرّون به؛ لأنه مذكور في القرآن، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان {الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] وكالذين إذا {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون} [البقرة: 14] أتقرون أن لله عرشًا معلومًا موصوفًا فوق السماء السابعة، تحمله الملائكة والله فوقه كما وصف نفسه، بائن من خلقه؟ فأبى أن يقر به كذلك، وتردد في الجواب، وخلط ولم يصرح. قال أبو سعيد: فقال لي زعيم منهم كبير: لا، ولكن لما خلق الله الخلق -يعني: السموات والأرض وما فيهن- سمى ذلك كله عرشًا، واستوى على جميع ذلك كله.

قلت: لم تدعو من إنكار العرش والتكذيب به غاية، وقد أحاطت بكم الحجج من حيث لا تدرون، وهو تصديق ما قلنا: إن إيمانكم به كإيمان الذين قالوا: {آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] فقد كذبكم الله سبحانه وتعالى به في كتابه، وكذبكم به الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، أرأيتم قولكم: إن عرشَه سمواتُه وأرضه وجميع خلقه؟ فما تفسير قوله عندكم: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [غافر: 7] أحملة عرش الله، أم حملة خلقه؟ وقوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17] أيحملون السموات والأرض ومن فيهن، أم عرش الرحمن؟”.

إلى آخر ما ذكر هذا الإمام -رحمه الله- في إبطال قول هؤلاء الذين أنكروا العرش.

error: النص محمي !!