Top
Image Alt

إثبات صفة الاستواء لله تعالى

  /  إثبات صفة الاستواء لله تعالى

إثبات صفة الاستواء لله تعالى

1. الاستواء على العرش:

أ. معنى: الاستواء:

الاستواء هو: العلو والارتفاع.

ذكر الإمامُ البخاريُّ -رحمه الله- عن السلف رضي الله عنهم عبارات في معنى الاستواء:

قال البخاري -رحمه الله- في (صحيحه): “قال أبو العالية: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [البقرة: 29] أي: ارتفع. {فَسَوَّاهُنَّ} [البقرة: 29]: خلقهن. وقال مجاهد: استوى على العرش”.

قال الشيخ عبد الله الغنيمان -رحمه الله- في شرحه لكتاب (التوحيد) من صحيح البخاري -معقبًا على قول البخاري هذا-: “هذا الذي ذكره البخاري عن أبي العالية ومجاهد هو الذي يقوله ويعتقده عامة السلف من الصحابة وأتباعهم إلى اليوم، وهو الحق الذي دلَّت عليه النصوص.

وجاءت تعبيراتُهم في ذلك في أربعة ألفاظ، ما ذكره البخاري هنا، وهو: أن {اسْتَوَى} [البقرة: 29] بمعنى: ارتفع. وبمعنى: علا على العرش.

قال: وثالثها: صعد. ورابعها: استقر. قال: وسوف أذكرها مع أسانيدهم إليهم”.

وقال البخاري -رحمه الله- في كتاب (خلق أفعال العباد): “حُدثت عن يزيد بن هارون قال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يُقر في قلوب العامة فهو جهمي”. ومراده بذلك: أن الاستواء من الأمور الواضحة التي يفهمها عامة المسلمين إذا كانوا من أهل اللغة العربية.

ب. النصوص الدالة على استواء الله عز وجل على عرشه:

إن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه في كتابه في سبعة مواضع من القرآن، بأنه استوى على العرش، لم يذكر سبحانه كلمةً أخرى، ولم يُبدّل حرفًا واحدًا من حروف هذه الكلمة.

والمواضع السبعة هي:

الأول: قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [الأعراف: 54].

و”سورة الأعراف” هي أول سورة في القرآن الكريم ذكر فيها استواء الله على عرشه.

الثاني: قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3].

الثالث: قال الله سبحانه وتعالى: {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: 2].

الرابع: قال الله سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].

وللأسف الشديد أراد بعض المعطلة في هذه الآية أن يَحُكّها من المصحف؛ لأنها لا تروق له، ولا يحب إثبات هذه الصفة لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى فيحذف، ويتطاول على كتاب الله عز وجل وهذه ثمرات البدع.

الخامس: قال الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ} [الفرقان: 59].

السادس: قال الله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [السجدة: 4].

السابع: قال الله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4].

2. الأقوال المنحرفة في الاستواء:

ما ترك المبتدعة أمرًا من مسائل الاعتقاد كان يمكن لهم أن يفسدوه إلا أفسدوه؛ ولذلك أُثرت عنهم أقوال انحرفوا بها عن المعاني الصحيحة الثابتة للاستواء -والتي سبق أن قلتها- وإليك بيان ذلك فيما هو آتٍ:

أ. أولُ مَن أوَّلَ الاستواء:

يقول في ذلك الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: “فإنّ أوّل من حُفظ عنه أنه قال هذه المقالة فى الإسلام -أعنى أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة، وأن معنى “استوى” بمعنى: “استولى”… ونحو ذلك- هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه”.

إذن أول من أوّل الاستواء بالاستيلاء هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان أخذ هذه المقالة عن الجعد، وهو الذي أشاعها وأظهرها بين الناس؛ فنسبت إليه عندئذٍ هذه المقالة الباطلة الفاسدة.

ب. أقوال الجهمية ومَن وافقهم في تأويل الصفات في معنى الاستواء:

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-:

“إنهم قالوا عن الاستواء: إنه مجاز، ثم اختلفوا بعد ذلك في مجازه، والمشهور عنهم ما حكاه الأشعري -رحمه الله- عنهم -وبدعهم، وضللهم فيه-: أن “استوى” بمعنى: استولى، أي: ملك وقهر، هكذا قالوا. وقالت فرقة منهم: بل هو بمعنى: قصد وأقبل على خلق العرش.

وقالت فرقة أخرى: بل هو مجمل في مجازاته يحتمل خمسة عشر وجهًا، كلها لا يعلم أيُّها المراد؟ إلا أننا نعلم انتفاء الحقيقة عنه بالعقل”.

3. ردود العلماء على هذه التأويلات:

أ. رد الإمام أبي الحسن الأشعري ت324هـ:

قال -رحمه الله- في كتابه (الإبانة عن أصول الديانة):

“وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}: أنه استولى، وملك، وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستويًا على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة”.

ثم بدأ في الرد عليهم، فقال: “ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء، والأرض لله، سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم. فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو تعالى مستوٍ على الأشياء كلها؛ لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقدار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها. وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله تعالى مستوٍ على الحشوش والأخلية -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها.

وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية: أن الله تعالى في كل مكان؛ فلزمهم أنه في بطن مريم، وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين -تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.”

إلى آخر ما ذكره الإمام أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- في ثبوت هذه الصفة، وفي رده على المخالفين .

ب. رد الإمام ابن خزيمة ت311هـ:

رد الإمام ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) على من أوَّلَ الاستواء بالاستيلاء؛ حيث قال -رحمه الله- بعد أن ساق بعض الآيات الواردة في ذلك قال: “فنحن نؤمن بخبر الله عز وجل أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول قولًا غير الذي قيل لنا، كما قالت المعطلة الجهمية: إنه استولى على العرش. فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم، كفعل اليهود، لما أمروا أن يقولوا: حطة، فقالوا: حنطة؛ مخالفين لأمر الله عز وجل كذلك الجهمية”.

جـ. رد الإمام ابن القيم:

رد الإمام ابن القيم -رحمه الله- على من تأول “الاستواء” بـ: الاستيلاء والقهر والغلبة، أو قال: بأنه مجاز، وأن معناه: قصد أو أقبل… أو غير ذلك. وهم منكرو الاستواء والفوقية.

وفي الحقيقة: رد الإمام ابن القيم -رحمه الله- من أوسع الردود وأشملها وأقواها، والذي يتأمله ويتدبره بعين الإنصاف والبصيرة، وعدم التقليد والتبعية لغيره، لا شك أنه سيسلِّم لقوله، وردُّه طويل للغاية، حيث ذكر ابن القيم -رحمه الله- تأويل “الاستواء” بـ الاستيلاء” من اثنين وأربعين وجهًا نذكر بعضها:

الوجه الأول: قال -رحمه الله-: “إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم وأنزل بها كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.

فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف، مثل قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: 14]، وهذا معناه: كمل وتم. يقال: استوى النبات، واستوى الطعام.

وأما المقيد: فيأتي على ثلاثة أوجه أو أضرب:

الضرب الأول: مقيد بـ”إلى” كما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [البقرة: 29]، وكقول القائل: استوى فلان إلى السطح، وإلى الغرفة، وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بـ”إلى” في موضعين من كتابه: في البقرة في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29].

والثاني: في قوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} [فُصِّلَت: 11]. وهذا بمعنى: العلو والارتفاع بإجماع السلف -كما سنذكره ونذكر ألفاظهم بعد -إن شاء الله تعالى-.

الضرب الثاني: أن يكون مقيدًا بـ”على”، وذلك كقول الله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزُّخرُف: 13]، وكقوله سبحانه وتعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ}، وكقوله: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29]، وهذا أيضًا معناه: العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.

الضرب الثالث: المقرون بـ”واو” مع، التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبة، بمعنى: ساواها.

وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلام العرب، والمذكورة عنهم، ليس فيها معنى استولى ألبتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية.

ويوضح ذلك في الوجه الذي يلي ذلك، وهو أن الذين قالوا: “استوى” بمعنى: استولى، لم ينقلوه عن أحد؛ لأنهم إن نقلوه ونسبوه إلى أحد يكونوا بهذا قد جاهروا بالكذب، وإنهم هم قالوه استنباطًا وحملًا منهم للفظة “استوى” على “استولى”، واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:

قد استوى بشرٌ على العراق


*من غير سيفٍ أو دمٍ مهراق


وهذا البيت ليس من شعر العرب -كما بينه ابن القيم- في الوجه الثالث في الأوجه التي ذكرها، وقال فيها: إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار، ولم يجعلوه من لغة العرب، قال ابن الأعرابي -رحمه الله- وقد سُئل: هل يصح أن يكون “استوى” بمعنى استولى؟ قال: لا تعرف العرب ذلك. وهذا من أكابر أئمة اللغة. إذًا البيت الذي دعاهم إلى أن يذهبوا بكلمة “استوى” إلى معنى “استولى” لا يصح نسبته إلى العرب، ولم يقل بذلك أحد من أئمة العربية.

error: النص محمي !!