Top
Image Alt

إثبات صفة الكلام لله تعالى، وتنوُّع أدلَّة الإثبات

  /  إثبات صفة الكلام لله تعالى، وتنوُّع أدلَّة الإثبات

إثبات صفة الكلام لله تعالى، وتنوُّع أدلَّة الإثبات

 وهذا العنصر يشتمل على محاور عديدة:

المحور الأول: الأدلة من الكتاب، والسنة المطهرة، وتفسير وأقوال الصحابة، في إثبات صفة الكلام لله عز وجل:

أولًا: أدلة القرآن الكريم على إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى:

أدلة القرآن الكريم كثيرة للغاية، والله عز وجل قد بينها في كتابه ، ووضح هذا الأمر في مواطنَ متعددة: فمثلًا قال الرب سبحانه وتعالى: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}. [النساء: 164]. فأكد تعالى كلامه لعبده ونبيه موسى عليه السلام أكده بالمصدر الذي هو التكليم، وهذا المصدر -لا شك- مثبت للحقيقة، نافٍ للمجاز.

ومما يؤكد ذلك -وأن المخالفين ذلك يعلمون ويعرفونه-: أن بعض المخالفين جاء لأحد أئمة القراءات -وهو أبو عمرو بن العلاء -رحمه الله- وهو أحد أئمة القراء السبعة.

وقد تُوفي سنة 154 هجرية- لَمَّا فهم معنى هذه الآية وما تدل عليه في إثبات صفة الكلام لله ، ألا وهي: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}. وقال له: أريد منك أن تقرأ هذه الآية: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}. أن تقرأها: “وكلم اللهَ موسى” بنصب اسم الله لفظ الجلالة، لماذا؟ ليكون موسى هو المتكلم لا الله، فقال له أبو عمرو بن العلاء -رحمه الله- ، وكان إمامًا، عالمًا، جليلًا، ذكيًّا، فَطِنًا-: هَبْ أني قرأت هذه الآية هكذا كما ذكرت: “وكلم اللهَ”، بنصب لفظ الجلالة، فكيف تصنع بقول الله سبحانه وتعالى: {{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143]. فبُهت هذا الرجل، ولم يستطِعْ جوابًا!

ومما يؤكد أيضًا ويثبت صفة الكلام لرب العزة والجلال من آيات القرآن الكريم: قول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون} [التوبة: 6]. فدل ذلك على أن المستمع يستمع كلام الله عز وجل. إذًا في تلك إثبات لصفة الكلام لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

أيضًا ما جاء في سورة “يس”، في قول الرب سبحانه وتعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيم} [يس: 58]. دليل على إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم قد فَسَّرَ هذه الآية، فعن جابر رضي الله عنه كما أخرج ذلك ابن ماجه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سَطَعَ لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيم}  قال: فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره عليهم في ديارهم)) فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ بهذه الكلمات، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها إثباتٌ لصفة الكلام، وإثبات لصفة الرؤية، وإثبات لصفة العلو، وكل ذلك حق وارد في الكتاب والسنة.

ومما يؤكد أيضًا على أن الله سبحانه وتعالى يتصف بصفة الكلام: قول الرب سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 77]. فأهانهم سبحانه وتعالى بترك تكليمهم، والمراد: أنه لا يكلمهم تكليم تكريم وهو الصحيح، إذ قد أخبر في الآية الأخرى أنه يقول لهم -وهم في النار-: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُون} [المؤمنون: 108]، فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين لكانوا في ذلك هم وأعداؤه سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلًا، وهذا يدل إذًا على أن الله سبحانه وتعالى يكلم عباده المؤمنين في الآخرة وينظر إليهم، وهذا دليل واضح على إثبات صفة الكلام لله عز وجل من سياق القرآن الكريم.

  • ومنها أيضًا: ما ذكره الله تعالى في كتابه في أكثر من عشرة مواضع بلفظ النداء، والنداء كلامٌ ولا يكون إلا بصوت، وهذه المواضع منها: قول الله سبحانه وتعالى {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22]، وقال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52]، وقال تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِين}  [الشعراء: 10]، وقال: {فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}  [النمل: 8 ، 9]، يعني: أن المنادي هو الله العزيز الحكيم.
  • وليس مع ما ينكر نداء الله تعالى وأنه تعالى يسمع من يشاء من خلقه نداء إلا مجرد الوهم والقياس الفاسد الناتج عن الأفكار الباطلة المضللة، قال البخاري -رحمه الله- في بيان أن الله سبحانه وتعالى ينادي وأنه يُسمع عبادَه صوتَه: “ويُذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت، وأن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قرُب، فليس هذا لغير الله عز وجل”.

وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يُشبه أصوات الخلق؛ لأن صوت الله عز وجل يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، وسيأتي الإشارة إلى هذه الأحاديث بعد قليل -إن شاء الله تعالى- فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال عز وجل: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً} [البقرة: 22]. فليس لصفة الله نِد ولا مَثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين.

هذه بعض أدلة القرآن الكريم في إثبات أن الله سبحانه وتعالى يتكلم، وقد أيدنا بعضها بأدلةٍ من السنة النبوية التي فسرت هذه الآيات.

ثانيًا: أدلة السنة النبوية في إثبات صفة الكلام لله عز وجل:

أكد الإمام أبو داود -رحمه الله- في سننه وقد ساق حديثًا يدل على أن الله سبحانه وتعالى يتكلم، وأن كلامه بصوت يُسمع، فقال -رحمه الله- في سننه: حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، وعلي بن الحسين بن إبراهيم، وعلي بن مسلم، قالوا: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله -يعني: عبد الله مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا تكلم الله بالوحي سَمِعَ أهل السماء للسماء صلصلة كَجَر السلسلة على الصفا، فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق الحق)).

وقال ابن جرير: حدثني زكريا بن أبان المصري، قال: حدثنا نعيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي زكريا، عن جابر بن حيوة، عن النَّوَّاس بن سَمْعان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السموات منه رجفة أو رِعْدة شديدة؛ خوفَ أمر الله عز وجل فإذا سمع بذلك أهل السماء، صُعقوا، وخروا لله سجدًا، فيكون أول مَن يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماءٍ سأله ملائكتُها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثلما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله)).

وقد ذكر ذلك الطبري -رحمه الله- في كتابه (التفسير).  وبهذا يتبين معنى قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير}.

وفي الأحاديث السابقة أيضًا ونحوها مما يدل دَلالة واضحة على أن الله عز وجل يتكلم بكلام يُسمع، تسمعه السموات ومَن فيهن، وتسمعه الملائكة، وأن كلامه سبحانه وتعالى لا يشبه كلامَ خلقه، وأن مَن أنكر كلام الله فليس معه إلا مجرد الوهم، وشبه الشيطان الباطلة، وفي الأحاديث السابقة إثبات الصوت لله تعالى، وأن صوته سبحانه وتعالى لا يشبه صوت العباد.

ومما يؤكد ذلك أيضًا: ما ذكره البخاري -رحمه الله- في (الصحيح) حيث قال: ويُذكر عن جابر، عن عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يحشر اللهُ العبادَ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديانُ)). هكذا أورد البخاري -رحمه الله- هذا الحديث، وقد ذكره في مواضع من صحيحه، مرة بصيغة الجزم، ومرة بصيغة التمريض، وقد رواه في (الأدب المفرد) مسندًا مرفوعًا، حيث قال: حدثنا موسى قال: حدثنا همام، عن القاسم بن عبد الواحد، عن ابن عقيل أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه حدَّثه: أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فابتعت بعيرًا فشددت إليه رحلي شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس فبعثت إليه أن جابرًا بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني، فلما خرج جابر بن عبد الله رضي الله عنه واعتنق أنيسًا، فقال له: حديث بلغني أنك سمعته لم أسمعه، خشيت أن أموت، أو تموت قبل أن أسمعه منك.

فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يحشر الله العباد أو الناس عراةً غرلًا بُهمًا، قلنا: ما بُهمًا؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد -أحسبه قال: كما يسمعه من قرب- أنا المالك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، قلت: وكيف وإنما نأتي الله عراة بُهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات)).

فقوله هنا صلى الله عليه وسلم: ((فيناديهم بصوت)) والنداء لا يكون إلا بصوت، ولا يعرف الناس نداءً بدون صوت، فذكر الصوت هنا؛ لتأكيد النداء.

وهذا في غاية الصراحة والوضوح في أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام يُسمع منه تعالى، وأن له صوتًا ولكن صوته لا يشبه أصوات خلقه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)).

فهذه الصفة تختص بصوته سبحانه وتعالى وأما أصوات خلقه فيسمعها القريب منها فقط حسب قوة الصوت وضعفه.

ثالثًا: تفسير الصحابة رضي الله عنهم بما يوافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:

ذكر ابن القيم -رحمه الله- كلامًا جميلًا وسياقًا حسنًا يحسن أن نسوقه في هذا المقام، وقد فسر الصحابة رضي الله عنهم هذه الآية بما يوافق الحديث الصحيح، وهو قول الله سبحانه وتعالى: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ}.

وبالحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((إذا تكلم الله بالوحي، سَمِعَ أهلُ السماء صلصلةً كجر السلسلة على الصفا، فيُصعقون)). هذه الآية وهذا الحديث فسرها الصحابة رضي الله عنهم بما يتفق مع الآية والحديث.

فقال أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن كامل بن خلف، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير}. -وكلام ابن عباس يفسر هذه الآية ويتفق مع الحديث الجليل الذي سبق أن ذكرناه- : “لما أوحى الجبار جل جلاله إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسولَ من الملائكة؛ ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة صوتَ الجبار يتكلم بالوحي، فلما كُشف عن قلوبهم، فسألوا عَمَّا قال الله تعالى؟ قالوا: الحق. علموا أن الله تعالى يقول حقًّا، وأنه منجز ما وعد”.

قال ابن عباس: “وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوه خَرُّوا سجدًا، فلما رفعوا رءوسهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير”.

هكذا قال ابن عباس رضي الله عنه وأخبر أن صوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، وأن الله سبحانه وتعالى يتكلم بصوت.

وعلق ابن القيم على كلام ابن عباس بقوله: وهذا إسناد معروف يروي به ابن جرير، وابن أبي حاتم، وعَبْد بن حُميد، وغيرهم عن ابن عباس، وهو إسناد متداول بين أهل العلم، وهم ثِقَاتٌ.

المحور الثاني: أقوال الناس في مسمى الكلام، والقول عند الإطلاق:

إن الناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق، لهم أربعة أقوال -ونعني مسمى الكلام والقول عند الإطلاق إذا قيل: تكلم فلان بكذا أو قال كذا، هذه الكلمة تشمل أيَّ شيء-:

القول الأول: أن يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن معًا، وهذا قول السلف وسيأتي توضيحه -إن شاء الله تعالى، في نقطة مستقلة- ويتناول ما تشتمل عليه هذه الكلمة في ملفوظها ومنطوقها، وكذلك ما تدل عليه من معنًى.

القول الثاني: أنه اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزءَ مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول جماعةٍ من المعتزلة وغيرهم، أن كلمة قول أو كلام تشمل اللفظ فقط، والمعنى ليس جزءَ مسمَّى هذا اللفظ.

القول الثالث: أنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز؛ لأنه دالٌّ عليه وهذا قول ابن كُلّاب ومن اتبعه.

القول الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية، وللكلابية قول ثالث؛ لأن القول الثالث أنه اسم للمعنى، والقول الرابع أنه مشترك بين اللفظ والمعنى كلاهما قال بهما بعض الكلابية، ولهم قول ثالث أيضًا في هذه المسألة يُروى عن أبي الحسن: أنه مجاز في كلام الله، حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائمًا بغير المتكلم بخلاف كلام الله، فإنه لا يقوم عنده بالله فيمتنع أن يكون كلامه، ولا شك أن هذه أقوال باطلة.

المحور الثالث:  بيان الحق في هذه المسألة -أي: مسمى الكلام والقول عند الإطلاق-:

وفي هذا يقول إمام أهل السنة والجماعة وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو يؤيد القول الأول، وهو: أن مسمى الكلام والقول عند الإطلاق يتناول اللفظ والمعنى جميعًا: إن كلام المتكلم هو عبارة عن ألفاظه ومعانيه، ليس الكلام اسمًا مجردًا لمجرد الألفاظ ولا لمجرد المعاني، وعامة ما يوجد في الكتاب والسنة، وكلام السلف، والأئمة، بل وسائر الأمم عربهم وعجمهم من لفظ الكلام والقول، وهذا كلام فلان أو كلام فلان، فإنه عند إطلاقه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا؛ لشموله لهما، ليس حقيقة في اللفظ فقط كما يقوله قوم، ولا في المعنى فقط كما يقوله قوم، ولا مشترك بينهما كما يقوله قوم، ولا مشترك في كلام الآدميين وحقيقة في المعنى في كلام الله كما يقوله قوم.

وابن تيمية -رحمه الله- يُبين الأقوال في مسمى أيضًا الإطلاق للكلام والقول، وهو يقول ويؤكد أن القول الصحيح هو مسمى الكلام والقول عند الإطلاق يشمل اللفظ والمعنى معًا.

ويؤكد ذلك بضرب أمثلة، فيقول: ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به)). وقول معاذ له: وَإِنَّا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقال: ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)). وأيضًا من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلمتان ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحانه الله العظيم)). وقوله: ((إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل))، وقوله: ((إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند الموت إلا وجد روحه له روحًا، فَمَن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة)). وما في القرآن مثل قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وقوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152]، ونحو ذلك من أسماء القول والكلام جميعًا ونحوهما، فإنه يدخل فيه اللفظ والمعنى جميعًا عند الإطلاق.

المحور الرابع: مذهب السلف في صفة الكلام، ومذهب المخالفين:

ويشتمل هذا العنوان على نقاط:

النقطة الأولى: ذكر مذهب السلف -رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة:

سلف هذه الأمة -رحمهم الله تعالى- يؤمنون ويعتقدون أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام يليق بجلاله وكماله، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك فيما سبق، وبينا أيضًا أن الله سبحانه وتعالى يُنادي بحرفٍ وصوتٍ.

قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي -رحمه الله-. يقول -رحمه الله-: فالله المتكلم أولًا وآخرًا لم يزل له الكلام إذ لا متكلمَ غيره، ولا يزال له الكلام إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16]. يعني: لا يبقى متكلم غير رب العزة والجلال سبحانه وتعالى وهو الذي سينادي عباده قائلًا: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}. ويقول لهم أيضًا: ((أَنَا الْمَلِكُ، أين مُلوكُ الأرضِ؟)).

فلا ينكر كلام الله عز وجل إلا مَن يريد إبطال الله سبحانه وتعالى يعني بذلك: إلا من يريد أن يصف الله عز وجل بالعدم المحض، وهذا لا يليق بأمة تؤمن بالله سبحانه وتعالى وتصدق بخبره كما جاء من عند الله سبحانه وتعالى.

ويقول:وكيف يعجز عن الكلام من علَّم العباد الكلامَ وأنطق الأنام؟!

وكأنه هنا يريد أن يشير إلى قياس الأولى، ويقول بأن الكلام صفة كمال -كما سيأتي ذِكْرُ ذلك أيضًا- والله عز وجل هو واهب هذه الصفة للمتكلم بها من المخلوقين، وهو بالتالي سبحانه وتعالى أولى وأكثر من أن يتصف بهذه الصفة جل في علاه؛ لأنه كما سبق تقرير ذلك أن كل كمال في المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فرب العزة والجلال سبحانه وتعالى أولى به.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: حتى إن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ذكر في كتابه (شرح أصول السنة) -ويعني به: “شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم”- ذكر مقالات السلف والأئمة في الأصول، وذكر منها: أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وقال: فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسًا أو أكثر من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفًا، لكني اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصرًا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه، قال: ولا خلافَ بين الأمة أن أول مَنْ قال: إن القرآن الكريم مخلوق هو الجعد بن درهم، وذلك في سنة نيف وعشرين ومائة، ثم أخذ من الجعد جهم بن صفوان، وجعد قد قتله خالد بن عبد الله القسري، وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن عبد الملك.

وهذا النقل من شيخ الإسلام ابن تيمية يؤكد -كما ذكر عن أبي القاسم الطبري الحافظ اللالكائي -رحمه الله-: أن علماء الدين والأئمة كلهم على إثبات صفة الكلام لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

وقد قرر أهل السنة والجماعة ذكر هذه المسألة في كتب الاعتقاد؛ لأنها من أمهات مسائل العقيدة التي اعتنوا بها، ومن ذلك ما ذكره الإمام الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته حيث يقول الإمام الطحاوي -رحمه الله-: “وإن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فَمَن سمعه فزَعَم أنه كلام البشر، فقد كَفَرَ، وقد ذَمَّه الله عز وجل وعابَه وأوعده بِسَقر، حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَر} [المدَّثر: 26]. فلما أوعد الله بسقر لمن قال: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر}  [المدَّثر: 25]. علمنا وأيقنّا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر”.

هذا ما ذكره الإمام الطحاوي، وهو كلام نفيس وجيد للغاية، وقد شرحه ابن أبي العز -رحمه الله- في شرح (العقيدة الطحاوية) بكلام نفيس أيضًا، ومما قال في تقرير قول السلف في هذه المسألة: “هذه قاعدة شريفة وأصل كبير من أصول الدين ضل فيه طوائف كثيرة من الناس، وهذا الذي حكاه الطحاوي -رحمه الله- هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما، وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة”.

ثم يقول عن معتقد أهل السنة فيه: “وبالجملة، فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنًى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلمًا، أو أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم؟”.

والذي يدل عليه كلام الطحاوي -رحمه الله- أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم.

وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر، فإنه قال: والقرآن كلام الله، في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزل، وَلَفْظُنَا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق، وما ذكره الله في القرآن حكايةً عن موسى وغيره من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وعن فرعون وإبليس، فإن ذلك كله كلام الله إخبار عنهم، وكلام الله غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، فهو سبحانه وتعالى يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا”.

وهذا في الحقيقة دليل واضح وقول سديد من أئمة أهل السنة والجماعة -رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة العظيمة من أمهات مسائل الاعتقاد، وقد درج على ذلك أهل السنة والجماعة إلى اليوم .

وفي ذلك يقول الشيخ الدكتور/ محمد أمان -رحمه الله- أيضًا في إثبات صفة الكلام لرب العزة سبحانه وتعالى كلامًا جيدًا: “وصفة الكلام عند التحقيق صفة ذاتية قديمة قائمة بذاته تعالى باعتبار نوع الكلام، وهي صفة فعل تتعلق بها مشيئة الله تعالى باعتبار أفراد الكلام”.

هذا كلام واضح ويحتاج فقط إلى شيء من التنبيه، وهو: أن صفة الكلام صفة ذاتية فعلية، فهي صفة ذاتية. بمعنى: أن الله سبحانه وتعالى يتصف بها أزلًا وأبدًا، وأنها قائمة بذاته سبحانه وتعالى ومع ذلك فهي صفة تتعلق بها المشيئة والقدرة وتحدث في وقت دون وقت، وبذلك تكون أيضًا صفة فعل، فهي باعتبار نوع الكلام صفة قديمة قائمة بذات الله سبحانه فهي صفة ذاتية، وباعتبار أفراد الكلام -أي: حدوث الكلام في وقت دون وقتٍ، أو في وقت بعد وقت- تعد صفة فعل، ذلك لأن الكلام الذي خاطب به نوحًا عليه السلام في شأن ابنه لما قال له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين} [هود: 46]، غير الخطاب الذي خطاب به موسى عليه السلام: {أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [القصص: 30]، وهو غير الكلام الذي خاطب به عيسى ابن مريم: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة: 116].

وهذا الكلام كله غير الكلام الذي خاطب الله به خاتم رسله وإمامهم محمدًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج في شأن الصلاة، وقال: ((لقد خففت عن عبادي وأمضيت فريضتي))، وهذا كله غير القرآن الذي أنزله الله عليه وختم به كتبه.

النقطة الثانية:  مذاهب المخالفين في صفة الكلام:

المذاهب المخالفة لمذهب أهل السنة التي ذكرها ابن القيم في كتابه (مختصر الصواعق)  في إثبات صفة الكلام لله عز وجل

المذهب الأول: الاتحادية:

يقول -رحمه الله-: اختلف أهل الأرض في كلام الله تعالى؛ فذهب الاتحادية – القائلون بوحدة الوجود- أن كل كلام في الوجود كلام الله نظمه ونثره، وحقه وباطله، سحره وكفره، والسب والشتم، والهجر والفحش، وأضداده، كله عين كلام الله تعالى القائم به، كما قاله عارفهم -وهو ليس بعارف وليس عنده من العلم شيء-:

وكل كلام في الوجود كلامه

*سواء علينا نثره ونظامه

وهذا المذهب مبني على أصلهم الذي أصَّلوه، وهو أن الله سبحانه وتعالى هو عين هذا الوجود، فصفاته هي صفات الله سبحانه وتعالى وكلامه هو كلام الله، وأصل هذا المذهب إنكار مسألة المباينة والعلو، فإنهم لما أصلوا أن الله تعالى غير مباين لهذا العالم المحسوس، صاروا بين أمرين لا ثالث لهما:

الأمر الأول: أنه معدوم، أو أنه معدوم لا وجودَ له؛ إذ لو كان موجودًا لكان إما داخل العالم وإما خارجًا عنه، وهذا معلوم بالضرورة.

الأمر الثاني: أن يكون هو عين هذا العالم، فإنه يصح أن يقال فيه حينئذٍ: إنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا حالًّا فيه، ولا مباينًا له. وهذا في الحقيقة كله كلام باطل.

المذهب الثاني: الفلاسفة المتأخرون:

وهم أتباع أرسطو، وهم الذين يحكي ابن سينا والفارابي والطوسي قولهم: إن كلام الله فيضٌ فاضَ من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الذكية بحسب استعدادها، فأوجب لها ذلك الفيض تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته منه، ولهذه النفوس عندهم ثلاث قوى: قوة التصور، وقوة التخيل، وقوة التعبير. فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عنه غيرها، وتدرك بقوة تخيُّلها شكل المعقول في صورة المحسوس، فتتصور المعقول صورًا نورانيةً تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان، وهو عندهم كلام الله ولا حقيقةَ له في الخارج، وإنما ذلك كله من القوة الخيالية الوهمية. وقالوا: وربما قويت هذه القوة على إسماع ذلك الخطاب لغيرها.

وهذا لا شك من الوهم ومن الخيال، وهذا هو أصل هؤلاء في إثبات كلام الرب سبحانه وتعالى وإثبات ملائكته، وأنبيائه، ورسله، والأصل الذي قادهم إلى هذا: عدم الإقرار بالرب الذي عرّفت به الرسل ودعت إليه، وهو سبحانه وتعالى القائم بنفسه المباين لخلقه، العالي فوق سمواته فوق جميع عرشه، الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته، ولكن هؤلاء لا يفقهون ذلك ولا يعلمونه.

المذهب الثالث: الجهمية:

ومن الصفات التي نفوها: أن كلام الله سبحانه وتعالى مخلوق ومن بعض مخلوقاته، وأنه لم يقم بذاته سبحانه وتعالى وقد اتفقوا على هذا الأصل -أي: أن كلام الله سبحانه وتعالى مخلوق، وقد اختلفوا في فروعه، ومن أراد الرجوع إلى هذه الأقوال التي اختلفوا فيها في الفروع فليرجع إلى (مقالات الإسلاميين) للإمام أبي الحسن الأشعري -رحمه الله- حيث قد ذكر أقوالَهم بالتفصيل في هذه المسألة.

المذهب الرابع: الكُلّابية:

مذهب الكُلّابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، وهؤلاء قالوا: إن القرآن الكريم معنًى قائمٌ بالنفس لا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وأنه لازم لذات الرب كلزوم الحياة والعلم، وأنه لا يُسمع على الحقيقة، والحروف والأصوات حكاية له دالة عليه وهي مخلوقة، وهو أربع معانٍ في نفسه: الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، فهي أنواع لذلك المعنى القديم الذي لا يسمع، وذلك المعنى هو المتلوُّ المقروء وهو غير مخلوق، والأصوات والحروف هي تلاوة العباد وهي مخلوقة. وهذا المذهب أول قال به: ابن كلاب، وبناءً على أن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم والحروف والأصوات حادثة، وبالتالي قال: لا يمكن أن يقوم بذات الرب سبحانه وتعالى ومن هنا قال: بأن القرآن الكريم معنى قائم بنفس الله سبحانه وتعالى.

المذهب الخامس: الأشعرية:

المذهب الخامس مذهب الأشعري -رحمه الله- وذلك في الفترة الانتقالية التي كان عليها حينما كان متبعًا ابن كُلَّاب. ومذهب الأشعري ومَن وافقه في هذه المسألة: أنه معنى واحد قائم بذات الرب سبحانه وتعالى فهو وافق ابن كُلَّاب في هذا؛ لأنه أخذه منه، قال: وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا له أبعاض، ولا له أجزاء، وهو عين الأمر، وعين النهي، وعين الخبر، وعين الاستخبار، الكل واحد، وهو عين التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وكونه أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا صفات لذلك المعنى الواحد لا أنواع له، فإنه لا ينقسم بنوع ولا جزء، وكونه قرآنًا وتوراةً وإنجيلًا تقسيمًا للعبارات عنه لا لذاته، بل إذا عبر عن ذلك المعنى بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراةً، وإن عبر عنه بالسريانية كان اسمه إنجيلًا، والمعنى واحد وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية.

ومذهب الأشعري يلتقي مع مذهب الكُلَّابية، فهو مأخوذ عنهم وإن اختلفت بعض العبارات في تصوير هذا المذهب، فالكُلَّابية مثلًا يقولون: إن القرآن حكاية عن كلام الله، والأشاعرة يقولون: عبارة عن كلام الله، والأشعري نفسه قد أخذ هذا القول عن ابن كُلاب في المرحلة الانتقالية بين الاعتزال والسلف، ولكنه رجع عنه بعد أن هداه الله ووفقه إلى أن يمحص طريقته بالرجوع إلى مذهب السلف.

المذهب السادس: الكَرَّامية:

مذهب الكرّامية: قالوا: كلام الله عز وجل متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات الرب سبحانه وتعالى وهو: حروف وأصوات مسموعة، وهو حادث بعد أن لم يكن، فهو عندهم متكلم بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن متكلمًا، كما يقوله سائر فرق المتكلمين أنه فَعلَ بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن فاعلًا.

المذهب السابع: السالمية:

مذهب السالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة، ومَالَ إلى ذلك بعضُ أهل الحديث: أنه صفة قديمة قائمة بذات الرب سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال، لا يتعلق بقدرته ومشيئته، ومع ذلك هو حروف وأصوات وسور وآيات سمعه جبرائيل منه، وسمعه موسى بلا واسطةٍ، ويُسمعه سبحانه لمَن يشاء، وإسماع الله نوعان: بواسطة، وبغير واسطة.

هذه هي الأقوال السبعة, ويهمنا أن نذكر ونؤكد بعد ذلك: أن قولَ السلف أهل السنة والجماعة هو القولُ الحقُّ الذي عليه جمهور أهل السنة وجمهور أهل الحديث، وهو الذي لا ينبغي على الإنسان أن يذهب إلى خلافه.

error: النص محمي !!