Top
Image Alt

إثبات صفة الوجه لله تعالى

  /  إثبات صفة الوجه لله تعالى

إثبات صفة الوجه لله تعالى

وهذا العنصر ينقسم إلى نقاط متعددة:

1. أدلة ثبوت صفة الوجه لله تعالى, من القرآن والسنة وأقوال السلف وعلماء الحديث:

أ. أدلة ثبوت صفة الوجه لله تعالى, من القرآن الكريم:

الأدلة من القرآن الكريم في إثبات صفة الوجه لله تعالى كثيرة ومتوافرة، منها:

قول الحق سبحانه وتعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} [الرحمن: 26، 27], وقول الحق سبحانه وتعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28], وغير ذلك من آيات كثيرة تدل دَلالة واضحة على أن رب العزة والجلال له صفة الوجه سبحانه وتعالى.

ب. أدلة ثبوت صفة الوجه لله تعالى, من السنة النبوية المطهرة:

قد يقول البعض: إن القرآن مجمل يحتاج إلى تفسير –وهذا حق- والسنة تفسر كتاب الله وتوضحه، وتبين ما أجمل فيه، أو ما أغمض فهمه؛ لأن الله عز وجل أسند بيان القرآن إلى رسول الله الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم.

ومن الأحاديث التي ذكرها الإمام ابن خزيمة –رحمه الله- في كتابه (التوحيد) دالة على ذلك, ما يلي:

الحديث الأول: حديث جابر رضي الله عنه قال: ((لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، قال: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: 65]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، قال: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65]، قال صلى الله عليه وسلم: هاتان أهون وأيسر)).

الحديث الثاني: حديث عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: كُنَّا جلوسًا في المسجد، فدخل عمار بن ياسر، فصلى صلاة أخفّها، فمر بنا، فقيل له: يا أبا اليقظان، خففتَ الصلاة! فقال: أوخفيفة رأيتموها؟ قلنا: نعم، قال: أَمَا أني قد دعوت فيها بدعاء قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى، فاتبعه رجل من القوم، قال عطاء: يرونه أُبي اتبعه، ولكنه كره أن يقول: اتبعته. فسأله عن الدعاء، ثم رجع، فأخبرهم عن الدعاء، وهو: ((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أجمعين، أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسالك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق والعدل في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يبيد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذةَ النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)).

الحديث الثالث: حديث أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم –أي: ينظروا إلى وجه ربهم- في جنة عدن، إلا رداء الكبرياء على وجهه))، إلى آخر ما ذكر –رحمه الله- من أحاديث كثيرة في ذلك.

جـ. أدلة ثبوت صفة الوجه لله تعالى, من أقوال بعض السلف وأئمة أهل السنة:

قال الإمام ابن خزيمة: “فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر؛ مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبِّه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين –عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين”، وعز أن يكون عدمًا كما قال المبطلون؛ لأن ما لا صفة له عدم –تعالى الله عما يقوله الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا, الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الدكتور محمد أمان –رحمه الله- في كتابه (الصفات الإلهية): “صفة الوجه, وهي من الصفات الخبرية التي أشكلت على الخلف؛ على الرغم من ثبوتها بصريح القرآن، وصحيح السنة، والعقل تابع ومصدق وغير رافض”.

ثم ينقل عن الإمام أبي الحسن الأشعري –رحمه الله- قوله: أما بعد، فَمَن سألنا فقال: أتقولون: إن لله سبحانه وجهًا؟ قيل له: نقول ذلك خلافًا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} ، قلت: -أي: الدكتور محمد أمان رحمه الله-: نضيف إلى الآية التي استدل بها الإمام قول الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام… )). قال بأن هذه الأحاديث كلها شاهدة على إثبات وجه الرب سبحانه وتعالى.

وذكر الشيخ –رحمه الله- أنه يكتفي بما ذكره من آيات، وما أشار إليه من أحاديث مع وجود غيرهما من أحاديث الرؤية التي تصرح أكثرها بذكر الوجه؛ لأن العبرة في إثبات صفة من الصفات ليست بكثرة الأدلة، وإنما العبرة بصحة الأدلة وصراحتها.

ولذلك أطبق السلف وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة، كغيرها من صفات الرب سبحانه وتعالى وإثباتها على ما يليق بالله، لا يفسرونها بالذات، ولا يطلقون عليها شيئًا من الألقاب التي يرددها النفاة مثل: “العضو”، أو “الجزء”، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفيها، بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار، وهي صناعة معروفة لا تروج في سوقنا ولله الحمد –أي: سوق أهل السنة والجماعة- إذ قد شرحنا أمثالها وعرفناها على حقيقتها هذه، وإن الذين ينكرون وجه الله ورؤية وجهه يوم القيامة، وينكرون كلامه أيضًا لأهل الجنة، يا تُرى! إلامَ إذًا يسعَوْن؟!! ولماذا يعملون؟ ولماذا يجتهدون في العبادة؟ لأن غاية ما يسعى إليه المؤمن المصدق بهذه الآيات والأحاديث، أن يتفضل ربه عليه فيرى ربه، ويرى وجه ربه الكريم، ويكلمه رب العزة والجلال.

وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة حديثًا طويلًا فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين))، قال أبو سعيد: وعلى تصديق هذه الآثار والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والعلم, وذكر أحاديث في ذلك.

وهذا ما أردنا أن نؤكده ونشير إليه، ونبين أن السلف وأهل العلم أثبتوا هذه الصفة الجليلة لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى, وقد تكاثرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بوجه الله تعالى, كما في الحديث الذي ذكره البخاري- أي حديث جابر-. وفي (مسند أحمد) أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات))، وكذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم سؤال ربه لذة النظر إلى وجهه الكريم.

الحاصل: يتبين أن إثبات الوجه والإيمان به متعين، وأنه داخل في الإيمان بالله تعالى، وهو كسائر صفات الله الثابتة يجب معرفتها والإيمان بها بدون تأويل أو تشبيه، بل على ما يجب لله من الإجلال والتعظيم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله –تعالى ربنا وتقدس عن ظنون أهل الانحراف والزيغ من المؤولين والمعطلين, الذين جعلوا أنفسهم هي الأصل، فقاسوا عليها ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر عنه به رسوله صلى الله عليه وسلم فحَرَّفوا وعطلوا.

والشاهد من ذلك: أن أهل السنة والجماعة –رحمهم الله- بدءًا من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذين رووا لنا هذه الأحاديث الصحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم, ومَن تبعهم من التابعين –يؤمنون بهذه الصفة الجليلة لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى على ما يليق بجلال الله عز وجل وبكماله.

وأما المعطلة فقامت في أذهانهم شبهات، وانحرفوا عن الطريق الصحيح والسوي؛ لأنهم شبهوا الله –أولًا- حينما سمعوا صفاته، فاضطرهم ذلك إلى تعطيل جميع الصفات.

2. التأويلات المختلفة لصفة الوجه، والرد عليها:

تأويل المعطلة لصفة الوجه:

أوّل المعطلة هذه الصفة، وصرفوها عن ظاهرها، وقالوا: إن الوجه الوارد في الآيات أو في الأحاديث مجاز، ثم اختلفوا في جهة التجوز في هذا:

أ- فقالت طائفة: لفظ الوجه زائد، أي: كلمة زائدة، والتقدير في قول الله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام}: ويبقى ربك، وأيضًا في قول الله تعالى: {إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} [الليل: 20]، الوجه زائد، والتقدير: إلا ابتغاء ربه الأعلى، ويريدون ربهم وما إلى ذلك.

ب- وقالت فرقة أخرى: الوجه بمعنى الذات، وهذا قول أولئك السابقين –وإن اختلفوا في التعبير عنه-.

ج- وقالت فرقة ثالثة: المراد بالوجه: الثواب والجزاء، فهؤلاء جعلوا الوجه مخلوقًا منفصلًا، قالوا: لأن هذا هو الذي يراد من العمل وهو الثواب.

وكل هذه أقوال, نعوذ بوجه الله العظيم من أن يجعلنا من أهلها.

الرد على تأويل المعطلة لصفة الوجه:

رد الإمام العلامة ابن القيم –رحمه الله- على هؤلاء المؤولين ردًّا واسعًا ومفصلًا، لو نظر إليه أي أحد؛ لوجد أن هؤلاء الناس ليس لهم ولا معهم دليل على ما ذهبوا إليه.

يقول: القول بأن لفظ الوجه مجاز, باطل من وجوه:

الوجه الأول: أن المجاز لا يمتنع نفيه، فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: “ليس لله وجه ولا حقيقة لوجهه”، وهذا تكذيب صريح لما أخبر الله سبحانه وتعالى به عن نفسه، وأخبر به عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: قولهم بأنه مجاز، فيه خروج عن الأصل والظاهر بلا موجب، أي: عدلوا عن أصل الكلام، وظاهر الكلام بلا موجب يدل على ذلك. ومن ذلك –أيضًا- أن قولهم بأن الوجه مجاز، وتأويل ذلك يستلزم كون حياته وسمعه وبصره وقدرته وكلامه وإرادته وسائر صفاته –مجازًا لا حقيقةَ لذلك؛ لأن الصفات كلها من باب واحد.

الوجه الثالث: أن دعوى المعطل أن الوجه صلة، كَذِب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى اللغة، أي: قوله بأنها زائدة، هذا كذب على الله؛ لأن من أين له ذلك؟! كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمن أين له بأن النبي صلى الله عليه وسلم عنى هذا الأمر؟! كذب على اللغة؛ لأنه لا وجهَ له، فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها.

وأيضًا لو ساغ ذلك؛ لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بعزة الله وقدرته)), ويكون التقدير: أعوذ بالله، ويدعي معطل آخر الزيادة في سمعه وبصره وغير ذلك، ولو تركنا المجال لكل معطل ومؤول يقول ما يشاء؛ لم يبقَ في الشريعة شيء على حقيقته وظاهره، فالباطنيون ومنكرو آيات المعاد ما أنكروا ذلك، وما قلبوا الحقائق، وما أفسد الباطنيون في الدين إلا من خلال هذا التأويل.

أيضًا هذا يتضمن إلغاء وجه الله عز وجل لفظًا ومعنًى، وأن لفظه زائد ومعناه منتفٍ، وهذا لا شك كلام باطل.

وقد قال الخطابي والبيهقي وغيرهما –رحمهم الله: لما أضاف الله عز وجل الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة –أي: ليس بزائد- وأن قوله: {ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} صفة للوجه، وأن الوجه صفة للذات.

قال ابن القيم معلقًا على كلام الخطابي والبيهقي وغيرهما –رحم الله الجميع-: “قلت: فتأمل رفع قوله سبحانه: {ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} عند ذكر الوجه، وجره في قوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} [الرحمن: 78]، فـ”ذو” الوجه المضاف بالجلال والإكرام لمّا كان القصد الإخبار عنه، و”ذي” المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم، كيف أنه رفع: {ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} وجر هناك: {رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام}؟”.

ثم قال ابن القيم أيضًا –رحمه الله-: “إنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى: ذاته ونفسه، وغاية ما شبه به المعطل وجه الرب سبحانه وتعالى أن قال: هو كقوله: وجه الحائط، ووجه الثوب، ووجه النهار، ووجه الأمر، فيقال لهذا المعطل المشبه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات، بل هذا مبطل لقولك؛ فإن وجه الحائط أحد جانبيه، فهو مقابل لدبره، ومثل هذا وجه الكعبة ودبرها، فهو وجه حقيقة، ولكنه بحسب المضاف إليه، فلما كان المضاف إليه بناءً كان وجهه من جنسه، وكذلك وجه الثوب أحد جانبيه، وهو من جنسه، وكذلك وجه النهار: أوله، ولا يقال لجميع النهار، وقال ابن عباس رضي الله عنه: وجه النهار: أوله، ومنه قولهم: صدر النهار، قال ابن الأعرابي:

أتيته بوجه نهار وصدر نهار

*… .. … … ….  ….. …… …..


وأنشد للربيع بن زياد:

مَن كان مسرورًا بمقتل مالك

*فليأت نسوتنا بنصف نهار

والوجه في اللغة: مستقبل كل شيء؛ لأنه أول ما يواجه منه، ووجه الرأي والأمر: ما يظهر أنه صوابه، وهو في كل محل بحسب ما يضاف إليه؛ فإن أضيف إلى زمن كان الوجه زمنًا، وإن أضيف إلى حيوان كان بحسبه، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه، وإن أضيف إلى من ليس كمثله شيء كان وجهه تعالى كذلك”.

أيضًا: إن حمل الوجه على الثواب المنفصل من أبطل الباطل؛ فإن اللغة لا تحتمل ذلك، ولا يعرف في لغة العرب أن الجزاء يسمى وجهًا للمجاز، إلى جانب أن الثواب مخلوق، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بوجه الله تعالى، فقال: ((أعوذ بوجهك الكريم أن تضلني، لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)) رواه أبو داود وغيره، ومن دعائه صلى الله عليه وسلم في يوم الطائف: ((أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة))، ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بمخلوق.

وفي (صحيح البخاري): ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه قول الله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] قال: أعوذ بوجهك. {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: من الآية: 65] قال: أعوذ بوجهك)).

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا أخذت مضجعك، فَقُلْ: أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته))، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه في دعائه، فيقول: ((أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك))، ولم يكن ليسأل لذة النظر إلى الثواب، ولا يعرف تسمية ذلك وجهًا لغةً، ولا شرعًا، ولا عرفًا.

ومن تدبّر سياق الآيات، والأحاديث، والآثار التي فيها ذكر وجه الله الأعلى ذي الجلال والإكرام؛ قَطَع ببطلان قول مَن حملها على المجاز، وأنه الثواب والجزاء لو كان اللفظ صالحًا لذلك في اللغة، فكيف واللفظ لا يصلح لذلك لغة, ومن هذا قوله سبحانه: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} ؟ إلى جانب أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، وجميع أهل السنة، والحديث، والأئمة الأربعة، وأهل الاستقامة من أتباعهم -متفقون على أن المؤمنين يرون وجه ربهم في الجنة، وهي الزيادة التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].

فمن أنكر حقيقة الوجه؛ لم يكن للنظر عنده أيضًا حقيقة، ولا سيما إذا أنكر الوجه والعلو، فيعود النظر عنده إلى خيال مجرد، وإن أحسن العبارة قال: هو معنًى يقوم بالقلب نسبته إليه كنسبة النظر إلى العيب، وليس في الحقيقة عنده نظر، ولا وجه ولا لذة تحصل للناظر.

3. تفسير بعض الآيات الواردة في صفة الوجه:

أ. قول الحق سبحانه وتعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}؛ لأن هذه الآية آية جليلة أثبتت هذه الصفة العظيمة لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى, والمعطلة المؤولة صرفوا هذه الآيةَ عن ظاهرها، أما أهل السنة والجماعة ففسروها تفسيرًا يليق بها، وبمعرفة جلال الله عز وجل وبما وصف به نفسه سبحانه وتعالى.

ومن هؤلاء الإمام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- حيث قال في تفسيره, في تفسير قول الله عز وجل {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}: هذا كقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} [الرحمن: 26، 27] ثم قال: والوجه من الصفات التي يجب الإيمان بها, مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، أي: يجب الإيمان بهذه الصفة، وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقين؛ بأن ما ثبت لله عز وجل لا يشبه فيه ربنا سبحانه وتعالى أحدًا من المخلوقين.

وقال الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان -رحمه الله- في شرحه لكتاب “التوحيد” من (صحيح البخاري) في باب قول الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}: أراد البخاري بهذا الباب إثبات صفة الوجه لله تعالى، وهو ثابت لله تعالى في آيات، وأحاديث كثيرة -سيأتي ذكر شيء منها- ثم قال: قال ابن كثير: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} إخبار بأنه الدائم الباقي, الحي القيوم, الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال سبحانه: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} فعبّر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} يعني: إلا إياه.

قال الشيخ الغنيمان -رحمه الله- معقبًا على كلام ابن كثير, الذي ذكره في تفسير هذه الآية: “قوله: “فعبر بالوجه عن الذات” لا يقصد نفي صفة الوجه عن الله تعالى، وإنما مراده أن الذات تابعة للوجه، فاكتفى تعالى بذلك”. وقد أردنا أن نبين هذا؛ حتى لا يعتل معتل بقول الإمام ابن كثير في ذلك، وهو إمام من أئمة السلف -رحمه الله-.

ثم قال -رحمه الله-: وقد ذكر البخاري -رحمه الله- هذه الآية في التفسير، وأعقبها بقوله: “إلا ملكه”، ويقال: “إلا ما أريد به وجهه”، ولم يذكر غير هذا، فقد يقال: إن هذا تأويل سلك البخاري فيه طريق أهل التأويل، وليس الأمر كذلك.

وقد بين ذلك أيضًا الشيخ الغنيمان -رحمه الله- فقال: وأما قوله: “إلا ملكه”، فهذا تأويل بعيد، وهو مخالف لصنعه هنا -أي: لصنع الإمام البخاري- وحينما قال بأن المراد: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} يعني: إلا ملكه، هذا تأويل بعيد، وهو مخالف لصنع الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه؛ لأنه ذكر الآية، وهي باب قول الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} ثم أتبعها بحديث جابر رضي الله عنه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بوجهك))، وهو ظاهر جدًّا في أنه أراد إثبات الوجه صفة لله تعالى.

ومما يدل على بطلان ذلك -والكلام للشيخ الغنيمان رحمه الله- وهي حجة قوية جدًّا-: أن الأشياء كلها مِلْك لله تعالى، فهل يجوز أن يُقال: كل شيء هالك إلا كل شيء؟! بخلاف قوله: “إلا ما أريد به وجهه”؛ فإن هذا مما تدل عليه الآية عن طريق المفهوم، مع بقائها نصًّا في إثبات الوجه لله تعالى.

ويعني بذلك أن قوله: “إلا ما أريد به وجهه” ليس تأويلًا للوجه الذي هو صفة لله تعالى، بل هو من المعاني المستنبطة من الآية كما يشير إليه سياق الآية، فإنه تعالى قال: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} [القصص: 87، 88], فقول البخاري: “إلا ما أريد به وجهه” هذا استنباط ومعان مستنبطة من الآية، وليس تأويلًا لوجه الحق سبحانه وتعالى.

ب. تفسير قول الله سبحانه وتعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} [البقرة: 115]. وقد جاء هذا في المنهج، ولعل واضعي المنهج أرادوا وتنبهوا إلى استدلال المعطلة بهذه الآية على نفي وجه الله الكريم؛ لأن هؤلاء القوم جاءوا إلى هذه الآية، وقالوا: إن بعضَ الصحابة والسلف واللغة تؤيدنا في ذلك، وإن معنى: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} يعني: قِبلة الله، فالمراد بالوجه: القبلة.

ونذكر هنا في الرد على تأويل هذه الآية, وتفسيرها كلامَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حول هذه الآية؛ لأنه قد ذكرها في (مجموع الفتاوَى) وتعقّب ابن خزيمة -رحمه الله- في ذكرها؛ لأن ابن خزيمة ذكرها كآيةٍ من آيات الصفات، وابن تيمية يرى -رحمه الله- أنها ليست من آيات الصفات، وإن اعتبرت أو يمكن إدخالها في آيات الصفات مع ما تدل عليه من معان أخر، وسنبين هذا من قوله، ومن قول الإمام ابن القيم -رحمه الله-.

فيعلق ابن تيمية على هذه الآية بقوله -رحمه الله- معقبًا على الإمام ابن خزيمة, لما ذكر هذه الآية في إثبات صفة الوجه لله تعالى- وهي: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}: هذه الآية أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة، حتى عد هؤلاء كابن خزيمة ممن يقرر إثبات الصفة، وجعلها النفاة تفسيرًا للصفة بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع، وأنها مؤولة، ثم قال: ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود، وكنت قد قلت: أمهلت كل مَن خالفني ثلاث سنين, إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئًا مما ذكرته؛ كانت له الحجة، وفعلت وفعلت، وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات) في قول الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} ظفروا بذلك، وقالوا بأن مجاهدًا والشافعي قالا بأن المراد: “قبلة الله”.

قال أحد كبرائهم في المجلس: قد أحضرت نقلًا عن السلف بالتأويل قال: فوقع في قلبي ما أعد، فقلت: لعلك قد ذكرت ما روي في قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} فقال: قد تأولها مجاهد والشافعي، وهما من السلف، قال ابن تيمية: ولم يكن هذا السؤال يرد علي، فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه ولا إثباتها، لكن طلبوها من حيث الجملة، وكلامي كان مقيدًا كما في الأجوبة، فلم أرَ إحقاقهم في هذا المقام، بل قلت: هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلًا، ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات، قال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فما قلت: المراد بها قبلة الله، قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا، ليست من موارد النزاع، فإني إنما أسلم أن المراد بالوجه هنا القبلة، فإن الوجه هو الجهة في لغة العرب، يقال: “قصدت هذا الوجه”، و”سافرت إلى هذا الوجه”، أي: إلى هذه الجهة، وهذا كثير مشهور, فالوجه هو الجهة.

وهو الوجه، كما في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148]، أي: متوليها، فقوله تعالى: {وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} كقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}… والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين, أنا نوليه: نستقبله، قلت: والسياق يدل عليه، و”أين” من الظروف، و”تولوا” أي: تستقبلوا, “أينما تولوا” أي: تستقبلوا، فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا بعد قوله: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} وهي الجهات كلها، كما في الآية الأخرى: {قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [البقرة: 142]. فأخبر أن الجهات له، فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف، كأنه قال: جهة الله، وقبلة الله.

ثم نتأمل بعد ذلك ما قاله ابن تيمية -رحمه الله-: ولكن مِن الناس مَن يسلم أن المراد بذلك جهة الله, أي: قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة، وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قِبَل وجهه))، وكما في قوله: ((لا يزال الله مقبلًا على عبده بوجهه ما دام مقبلًا عليه، فإذا انصرف صرف وجهه عنه))، ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، قال: “هذا شيء آخر ليس هذا موضعه”.

ولكن الإمام ابن القيم -رحمه الله- مَالَ إلى هذا القول الأخير، وهو ما أشار إليه ابن تيمية -رحمه الله- وهو أن الآية تدل على الصفة، وعلى أن العبد يستقبل ربه، ويستقبل وجه رب العزة والجلال.

وفي هذا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: إن تفسير وجه الله بقبلة الله -وإن قاله بعض السلف كمجاهد، وتبعه الشافعي- فإنما قالوه في موضع واحد لا غير، وهو قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}، فَهَبْ أن هذا كذلك في هذا الموضع، فهل يصح أن يقال ذلك في غيره من المواضع التي ذكر الله تعالى فيها الوجه؟ فما يفيدكم هذا في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} وقوله تعالى: {إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} [الليل: 20]، وقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9]، على أن الصحيح في قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه؟

فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة -أي: الوجه- مضافًا إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ومعنًى واحد، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} وهذا لا يتعين حمله على القبلة والجهة، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقةً، فحمْله على غير القبلة كنظائره كلها أولى، ويوضح ذلك أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة، لا لغةً، ولا شرعًا، ولا عرفًا؛ بل القبلة لها اسم يخصها والوجه له اسم أيضًا يخصه، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا يستعار اسمه له.

نعم القبلة تسمى وِجهة، كما قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا} [البقرة: 148]، وقد تسمى جهة، وأصلها: وجهة؛ لكن أعلت بحذف فائها كَزِنة وعدة، ومعنى أعلت بحذف فائها: أعلت بحذف الواو في أول الكلمة المقابلة للفاء في الميزان الصرفي، وإنما سميت قبلة ووجهة؛ لأن الرجل يقابلها ويواجهها بوجهه، وأما تسميتها وجهًا فلا عهد به، فكيف إذا أضيف إلى الله تعالى مع أنه لا يعرف تسمية القبلة وجهة الله في شيء من الكلام، مع أنها تسمى وجهة، فكيف يطلق عليها وجه الله ولا يعرف تسميتها وجهًا؟!

ويقال لهم أيضًا: إنه سبحانه وتعالى أخبر عن الجهات التي تستقبلها الأمم, منكرة مطلقة غير مضافة إليه، وأن المستقبل لها هو موليها وجهه، لا أن الله شرعها له وأمره بها، ثم أمر أهل قبلته بالمبادرة والمسابقة إلى الخير الذي ادخره لهم وخصهم به، ومن جملته هذه القبلة التي خصهم دون سائر الأمم، فقال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ}.

فتأمل هذا السياق في ذكر الوجهات المختلفة التي توليها الأمم وجوههم، ونزل عليه قول الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} إلى قوله: {وَاسِعٌ عَلِيم} [البقرة: 115]، وانظر هل يلائم السياقُ السياقَ، والمعنى المعنى ويطابقه؟ أم هما سياقان دل كل منهما على معنًى غير المعنى الآخر؟ فالألفاظ غير الألفاظ، والمعنى غير المعنى.

ثم قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: لو كان المراد بوجه الله قبلة الله مثلًا، لكان قد أضاف إلى نفسه القِبَل كلها، ومعلوم أن هذه إضافة تخصيص وتشريف إلى إلهيته ومحبته، لا إضافة عامة إلى ربوبيته ومشيئته، وما هذا شأنها لا يكون المضاف الخاص إلا كـ”بيت الله”، و”ناقة الله”، و”روح الله”، فإن البيوت والنوق والأرواح كلها لله، ولكن المضاف إليه بعضها, فقبلة الله منها هي قبلة بيته لا كل قبلة، كما أن بيته هو البيت المخصوص، لا كل قبلة.

وحمْل الوجه في الآية على الجهة والقبلة، إما أن يكون هو ظاهر الآية، أو يكون خلاف الظاهر، ويكون المراد بالوجه: وجه الله حقيقة؛ لأن الوجه إنما يراد به الجهة والقبلة، إذا جاء مطلقًا غير مضاف إلى الله تعالى كما في حديث الاستسقاء، فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود، أو يكون ظاهر الآية الأمرين كليهما، ولا تنافي بينهما، فأينما ولى العبد وجهه في صلاة تولية مأمورٍ بها فهو قبلة الله، وثم وجه الله فهو مستقبل قبلته ووجهه، وهذا ما يريد أن يصل إليه الإمام ابن القيم -رحمه الله-.

ثم قال: أو تكون الآية مجملةً محتملةً للأمرين، فإن كان الأول هو ظاهرها لم يكن حملها عليه مجازًا -أي: بذلك الجهة والقبلة- وكان ذلك حقيقتها، ومن يقول هذا يقول: وجه الله في هذه الآية قبلته وجهته التي أمر باستقبالها، بخلاف وجهه في قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} -أي: إن الآية الواردة: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} إن أريد بها فثم قبلة الله سبحانه، أو الجهة التي أمر المصلي أن يتوجه إليها وأمر باستقبالها, هذه الآية خلاف الآية الواردة في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} ، والنصوص التي سبق أن ذكرناها في إثبات الوجه كثيرة.

وبهذا نجد أن الإمام ابن القيم -رحمه الله- يلتقي مع شيخه ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الأمر الأول.

ثم قال: وإن كان الثاني فالأمر ظاهر -أي: المراد من وجه الله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} إثبات الوجه على الحقيقة- وإن كان الثالث فلا تنافي بين الأمرين -أي: أن تكون الآية محتملة للأمرين؛ محتملة لقبلة الله، ولوجه الله سبحانه وتعالى- ويصبح المعنى: فأينما ولى المصلى وجهه فهي قبلة الله، وهو مستقبل وجه ربه سبحانه وتعالى وهذا من أفضل الأمور التي تفسر بها الآية، أنها تجمع بين الأمرين، وهو أن معنى: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} يعني: قبلة الله التي يستقبلها المصلي، وثم أيضًا وجه الله على الحقيقة؛ لأن المصلي يستقبل وجه الله كما جاء في الأحاديث؛ لأن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه تعالى، والله عز وجل مقبل على كل مصلٍّ إلى جهة من الجهات المأمور بوجهه، كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قِبَل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه))، وفي لفظ: ((فإن ربه بينه وبين القبلة)).

وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد، فإنه مستقبل وجه الله سبحانه وتعالى, فإنه قد دل -إذًا -العقل، والفطرة، وجميع كُتُب الله السماوية على أن الله تعالى عالٍ على خلقه فوق جميع المخلوقات، وهو مستوٍٍ على عرشه، وعرشُه فوق سماواته كلها، وهو سبحانه وتعالى محيط بالعالم كله، فأينما ولى العبد فإن الله مستقبله، بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط فإنه يستقبل وجه المحيط ويواجهه، والمركز يستقبل وجه المحيط، وإذا كان عالي المخلوقات يستقبل سافلها المحاط به بوجهه من جميع الجهات والجوانب، فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط, وهو سبحانه وتعالى محيط ولا يُحاط به؟ وتفسير القرآن الكريم بعضه ببعض أولى التفاسير, ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا.

وعليه نقول بأن الآية لو احتملت كل واحد من الأمرين؛ فهي تفيد أن العبد متوجه ومتخذ القبلة التي شرعها الله سبحانه وتعالى له؛ كي يتوجه إليها في الصلاة، وهو حينما يقوم ويقف متجهًا إلى هذه الوجهة وإلى هذه القبلة، يكون أيضًا مستقبلًا وجه الرب سبحانه وتعالى وهذا في غاية من الوضوح.

ولهذا نقول تفسيرًا وتوضيحًا لهذه الآية:

إن بعض الأئمة لم يعتبر هذه الآية من آيات الصفات، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ثم قال: على فرض أنها أضافت صفة الوجه لله عز وجل, إلا أن المراد بها قبلة الله، وأنها ليست من آيات الصفات.

ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن الوجه في القرآن الكريم جاء مضافًا إلى رب العزة والجلال سبحانه وتعالى, وهذه الآية: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} تفسر بما تفسر به بقية الآيات، والقرآن الكريم يفسر بعضه ببعض.

ولا مانع من أن نجمع بين الأمرين في تفسير هذه الآية، وهي قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}, حيث أفادت هذه الآية الأمرين معًا؛ أنها: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} يعني: القبلة التي يتوجه إليها المصلي في الصلاة، وأيضًا {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} على الحقيقة، وبهذا نثبت صفة الوجه لله بهذه الآية أيضًا؛ لأن المصلي إذا توجه إلى القبلة يكون بذلك قد توجه إلى وجه الرب سبحانه وتعالى, كما صحت بذلك الأحاديث التي ذكرنا بعضها فيما مضى، وهو: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة, فلا يبصقن قِبَل وجهه؛ فإن الله سبحانه وتعالى قِبَل وجهه)).

ومن تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها مفسرة للآية مشتقة منها، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإنما يستقبل ربه))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فالله يقبل عليه بوجهه, ما لم يصرف وجهه عنه))، وما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة, فلا يبصقن قِبَل وجهه))، وهي تبين أن العبد إذا توجه إلى القبلة، وقام لله عز وجل بالصلاة، فهو مستقبل وجه الله على الحقيقة، والله عز وجل محيط به. وكل هذه الأحاديث والآثار تبين على الحقيقة إثبات وجه الله سبحانه وتعالى, وأن من قال بأن المراد في قول الله سبحانه: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} قبلة الله، نقول له: إن الآيات الأخرى تدل على ثبوت وجه الله صراحةً، ومن يقول بأنها تدل على القبلة، نقول أيضًا: تدل على القبلة، وعلى إثبات وجه الله؛ لأنه إذا توجه إلى القبلة فهو متوجه إلى وجه الله على الحقيقة، كما صحت بذلك الأحاديث التي ذكرناها في نهاية هذا المبحث.

error: النص محمي !!