Top
Image Alt

إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم وقتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وما جاء في المتأوِّلين

  /  إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم وقتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وما جاء في المتأوِّلين

إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم وقتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وما جاء في المتأوِّلين

. “باب: إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه  وسلم وَلَمْ يُصَرِّحْ نَحْوَ قَوْلِهِ: “السَّامُ عَلَيْكَ”:

حديث أنس بن مالك رضي الله  عنه :

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا شُعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك، قال: سمعْتُ أنسَ بنَ مالك يقول: مَرّ يهوديّ برسول الله صلى الله عليه  وسلم، فقال: السّامّ عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((وعليك))، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((أتدرون ما يقول؟، قال: السّامّ عليك))، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتُله؟ قال: ((لا، إذا سَلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم)).

قوله: “باب إذا عَرّض الذميّ أو غيْرُه” -أي: المعاهَد، ومَن يُظهِر الإسلام- بسبّ النبي صلى الله عليه  وسلم”، أي: وتنقيصِه، وقول البخاري: “ولم يصرِّح”، تأكيد؛ فإن التعريض خلاف التصريح، وقوله: “نحو قولِه: السّامّ عليك”، والسام : الموت، ولم يُختلف في حديث أنس في لفْظ: “عليك” بالإفراد، واعتُرض بأن هذا اللفظَ ليس فيه تعريض بالسّبّ.

والجواب: أنه أََطلق التعريضَ على ما يخالِف التصريح، ولم يُرِِد التعريضَ المصطلَح، وهو : أن يَستعمِل لفظًا في حقيقته يلوِّح به إلى معنىً آخَر يقصده.

ونقل أبو بكر الفارسي -أحدُ أئمة الشافعية- في كتاب “الإجماع”: أنّ سَبّ النبي صلى الله عليه  وسلم مما هو قَذفٌ صريحُ، كُفرٍ باتفاق العلماء، فلو تاب لم يَسقُط عنه القتل؛ لأن حَدّ قذْفِه القتلُ، وحَدّ القذف لا يَسقُط بالتوبة، فإنْ عرَّض برسول الله صلى الله عليه  وسلم، قال الخطابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتلِه، إذا كان مُسلِمًا.

ونُقل عن بعضِ المالكية: أنه إنما لم يَقتل اليهودَ في هذه القصة؛ لأنهم لم تقُم عليهم البيِّنة بذلك، ولا أقرّوا به، بل يقضِي فيهم، فلم يقضِ فيهم بعِلمِه.

وقيل: إنه لم يَحمِل ذلك منهم على السّبِّ، بل على الدعاء بالموت الذي لا بدّ منه، ولذلك قال في الرّدِّ عليهم: ((وعليكم))، أي: الموت نازِلٌ علينا وعليكم، وكذا من قال: السأَم -بالهمز- بمعنى: السآمة، وهو دعاء بأن يَملُّوا الدِّين، وليس بصريح في السّبّ، والله أعلم.

2.” باب: قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ”:

حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :

قال الإمام البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا خيثمة، قال: حدثنا سُويد بن غفَلة، قال: قال علي رضي الله  عنه: “إذا حَدّثتُكم عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم حديثًا، فوالله لأَن أخِرّ مِن السماء أحبّ إليّ مِن أن أكذِب عليه، وإذا حدّثتُكم فيما بيني وبينَكم فإن الحرب خُدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول: ((سيَخرج في آخِر الزمان أحداثُ الأسنان، سفهاءُ الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرَهم، يمرقون من الدِّين كما يَمرق السهم من الرّميّة، فأينما لقِيتُموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتْلهم أجرًا لِمَن قَتَلهم يوم القيامة))”.

قال علي رضي الله  عنه: “إذا حدّثتُكم…” إلخ، وكان عليٌّ في حال المحاربة يقول ذلك، وإذا وقع له أمْر يُوهِم أنّ عنده في ذلك أثرًا، وبيّن لهم أنه إذا حَدّث عن النبي صلى الله عليه  وسلم لا يَكْني ولا يُعرِّض ولا يُوْري، وإذا لم يُحدِّث عنه فعَل ذلك ليَخدع بذلك مَن يحاربُه؛ ولذلك استدَل بقوله صلى الله عليه  وسلم: ((الحَرْب خُدعة)).

وقوله: “فوالله لأنْ أخِرّ”، أي: أَسقُط مِن السماء، وقوله: “فيما بيني وبينَكم”، أي: عن نفسي.

3.” باب: مَا جَاءَ فِي الْمُتَأَوِّلِينَ”:

حديث عليّ كرم الله وجهه في قصّة المرأة:

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن فلان، قال: تَنازَع أبو عبد الرحمن وحِبّان بن عطية، فقال أبو عبد الرحمن لحبّانَ: لقد علمْتَ ما الذي جرّأ على صاحبك الدماء -يعني عليًا- قال: ما هو؟ لا أبا لك، قال: شيء سمعتُه يقول، قال: ما هو؟، قال: بعثني رسولُ الله والزبيرَ وأبا مرثد -وكلّنا فارس- قال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج))، قال أبو سلمة: هكذا قال أبو عوانة: “حاج”، ((فإنّ فيها امرأةً معها صحيفة مِن حاطبِ بن أبي بلتعة إلى المشركين؛ فأْتوني بها))، فانطلقْنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم تَسِير على بعير لها، وكان كَتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله صلى الله عليه  وسلم إليهم، فقلنا: أين الكتاب الذي معكِ؟، قالت: ما معي كتاب، فأنخْنا بها بعيرها، فابتغَينا في رَحْلها فمّا وجدْنا شيئًا.

قال صاحباي: ما نرى معها كتابًا، قال: فقلت: لقد عَلِمْنا ما كذَب رسولُ اللهصلى الله عليه  وسلم ثم حَلف عليٌّ: والذي يُحلفُ به، لتخرِجِنَّ الكتاب أو لأجرِّدنَّكِ، فأهوَت إلى حُجزتِها -وهي محتجِزة بكِساء- فأخرجَت الصحيفةَ، فأَتوا بها رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الَلهَ ورسولَه والمؤمنين؛ دعْني فأضربَ عنقَه! فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((يا حاطبُ، ما حَمَلك على ما صنعتَ؟))، قال: يا رسول الله، ما لي ألا أكون مؤمنًا بالله ورسوله، ولكني أردتُ أن يكون لي عند القوم يدٌ يُدفع بها عن أهلي ومالي، وليس مِن أصحابك أحد إلّا له هنالك مِن قومه مَن يدفع الله به عن أهله ومالِه، قال: ((صَدَق، لا تقولوا له إلّا خيرًا))، قال: فعادَ عمرُ، فقال: يا رسول الله قد خان اللهَ ورسولَه والمؤمنينَ؛ دعني فلْأضرِبْ عنقَه، قال: ((أوَ ليس مِن أهلِ بدر؟ وما يدريك؟ لعلّ الله اطَّلع عليهم فقال: اعمَلوا ما شئتم؛ فقد أوجبْتُ لكم الجنة!))، فاغرَورقَتْ عيناه، فقال: الله ورسوله أعلم.

في نهاية الحديث، قال البخاري: “خاخ”، يعني: ((حتى تأتوا روضة خاخ)).

وقوله: “لقد علمتَ ما الذي جرّأ صاحبَك -يعني: في محارَبته لأعدائه- على الدماء”، أي: إراقة دماء المسلمين؛ لأن دماءَ المشركين مندوب إلى إراقتها اتفاقًا.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((وقد أَوجبْتُ لكم الجنّة))، وفي رواية: ((فقد غفَرْتُ لكم))، أي: أن ذنوبهم تقع مغفورة وبطبيعة الحال، إذا غَفر الله لهم دخلوا الجنة.

وفي هذا الحديث من الفوائد:

الفائدة الأولى: أنّ المؤمن، ولو بلَغ بالصّلاح أن يُقطع له بالجنة لا يُعصَم من الوقوع في الذنب؛ لأنّ حاطبًا دخل فيمن أوجَب الله لهم الجنة، ووقع منه ما وقع.

الفائدة الثانية: أنّ مَن وقَع منه الخطأ لا ينبغي أن يَجحده، بل يعترف ويعتذر، لئلّا يَجمع بين ذنبيْن.

الفائدة الثالثة: جواز التشديد في استخلاص الحقّ، والتهديدِ بما لا يفْعَله المهدِّد، تخويفًا لمَن يستخرج منه الحق.

الفائدة الرابعة: هتْك سِتر الجاسوس، وقد استَدلّ به من يرى قتلَه من المالكية، لاستئذان عمرَ في قتلِه، ولم يرُدّه النبي صلى الله عليه  وسلم عن ذلك إلّا لكوْنه من أهل بدر.

وقد نَقل الطحاوي الإجماعَ على: أنّ الجاسوس المسلِم لا يُباح دمه.

الفائدة الخامسة: العفْو عن زَلّة ذوي الهيئة، كما عَفا رسول صلى الله عليه  وسلم عن حاطب.

الفائدة السادسة: عَلَم مِن أعلام النبوة؛ إطْلاع الله نبيَّه على قصّة حاطب مع المرأة.

الفائدة السابعة: أن العاصي لا حُرمة له، وقد أجمعوا على أنّ الأجنبية يَحرُم النظر إليها، مؤمنةً كانت أو كافرة، ولولا أنها لعِصيانها سقطَت حُرمتها ما هدّدها عليٌّ بتجريدها.

الفائدة الثامنة: جواز غفران جميعِ الذنوب الجائزة الوقوع عمّن شاء الله، خلافًا لِمن أبَى ذلك مِن أهل البِدَع، والله أعلم.

وبهذا، نكون بعون الله قد وصلنا إلى ختم “كتابَ استتابة المُرتدِّين والمُعاندين، وقتالِهم”.

error: النص محمي !!