Top
Image Alt

إذن الواحد، وما كان يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل، ووصيته لوفود العرب

  /  إذن الواحد، وما كان يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل، ووصيته لوفود العرب

إذن الواحد، وما كان يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل، ووصيته لوفود العرب

 1. “باب: ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم مِن الأمراء والرّسل”:

أ. حديث ابن عباس رضي الله عنهما:

قال ابن عباس: بَعَث النبي صلى الله عليه وسلم دِحية الكْلبي بكتابِه إلى عظيم بُصرَى أن يَدفَعه إلى قيصر.

ثم قال الإمام البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثني الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنّ عبد الله بن عبَّاس أخبره: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَث بكتابه إلى كِسْرَى، فأمَرَه أن يَدفعَه إلى عظيم البحرين، يَدفعُه عظيم البحرين إلى كِسرى))، فلمّا قرأه كسرى مَزّقه، فحسِبتُ أنّ ابن المسيّب، قال: ((فدَعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمزَّقوا كلَّ مُمَزَّق)).

قول البخاري: “باب ما كان يَبعَث النبي صلى الله عليه وسلم مِن الأمراء والرُّسل واحِدًا بَعْد واحد”، قال الإمام الشافعي: بَعَث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرَاياه، وعلى كلّ سَريّة واحد، وبَعَثَ رُسُلَه إلى المُلوك، إلى كُلِّ مَلِك واحد، ولَم تَزَل كُتُبُه تَنفُذ إلى وُلاتِه بالأمر والنّهْي، فلَم يَكن أَحَدٌ مِن وُلاتِه يَترُك إِنفاذ أمرِه، وكذا كان الخلفاء بَعدَه. انتهى.

 قوله: ((بَعَثَ بِكتابَِه إلى كِسرى، فأمَرَه أنْ يَدفَعَه إلى عظيم البحرَين))، كذا هنا.

والضّمير في قوله: ((فأمَره)): للمبعوث الذي دلّ عليه قوله: ((بَعَث)). والرسول كان: عبد الله بن حذافة السَّهميّ.

وقوله: “فحسِبْت أنّ ابنَ المسيّب”، القائل هو: ابن شِهاب.

ومعنى ذلك: أنّ هذا الجزء مُرسَل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنْ يُمَزَّقوا كلَّ مُمَزَّق))، هو تلميح بما أخبر الله سبحانه وتعالى أنّه فَعََل بأهل سَبأ، وأجاب الله سبحانه وتعالى هذه الدعوة فسَلّطَ شيرويه على والِده كسرى أَبروِيز الذي مزّق الكتاب، فقتََله ومَلَك بعدَه، فلم يَبقَ إلاّ يسيرًا حتى مات، والقصة مشهورة.

وبُصرى كانت في مملكة هِرَقل مَلِِكِ الرّوم، والبحرَين كانت في مملكة كسرى مَلِك الفُرس.

ب. حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه:

قال الإمام البخاري: حدثنا مسدَّد، قال: حدثنا يحيى، عن يزيد بنِ أبي عبيد، قال: حدثنا سَلَمة بنُ الأكوع، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل مِن أسلَم: ((أذِّن في قَومِك -أو في النّاس- يومَ عاشوراء: أنّ مَن أَكلَ فلْيتُِمّ بقيّة يومِه؛ ومَن لم يأكل فلْيَصُم))، وهذا الحديث كان قَبلَ نَسخ فَرْضِ صَوم يوم عاشوراء، ولمّا فُرِض رمضان، نُسِخ فَرضُ صَوم يوم عاشوراء، ومعنى ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَرسل واحدًا ليُبلّغَهم بهذا الحُكم ويعمَلوا به، بما في هذا مِن إجازة العمَل بخبر الواحد.

2.  “باب: وِصاة النبي صلى الله عليه وسلم وُفودَ العرب أن يُبلّغوا مَن وراءهم”، قاله مالك بنُ الحوريث.

قال البخاري: حدثنا عليّ بنُ الجَعد، قال: أخبرنا شُعبة، ثم حوّل الإسناد، ثم قال: وحدّثني إسحاق، قال: أخبرنا النّضر، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: كان ابن عباس يُقعِدني على سريره، فقال: ((إنّ وفد عبد القيس لمّا أتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَن الوَفد؟ قالوا: رَبيعة، قال: مَرحبًا بالوفد والقوم، غيرَ خَزايا ولا نَدَامى. قالوا: يا رسول الله، إنّ بينَنا وبينَك كُفّار مُضَر، فمُرنا بأمْر نَدخل به الجنَّة، ونُخبِر به مَن وراءَنا، فسألوا عن الأشرِبة، فنهاهم عن أربع وأمَرَهم بأربع، أمَرَهم بالإيمان بالله، قال: هل تَدرُون ما الإيمان بالله؟، قالوا: الله ورسولُه أعلَم. قال: شَهادةُ أن لا إله إلّا الله وَحدَه لا شَريك له وأنّ محمدًا رسول الله، وإقامُ الصّلاة، وإيتاءُ الزّكاة -وأظُنّ فيه: ((صيامُ رمضان))- وتُؤتوا مِن المَغانِم الخُمُس، ونهاهم عن الدُّبّاء والحَنتَم والمُزفَّت والنَّقير -وربما قال: ((المُقيَّر))- قال: احفَظوهنّ، وأَبلغوهنّ مَن وراءَكم)).

و”الوفدُ”: الجماعة المختارة للِقاءِ العظماء، و”عبْدُ القيس”: قَبيلة كبيرة كانت مَساكنُهم في شَرق الجزيرة العربية، قُربَ الأحساء والقَطيف، وكانت تسمَّى: البحرَين.

و”مُضَر”: أبو القَبيلة المشهورة، وهو: مُضَر بنُ نزار بنَ مَعْد بنِ عَدنان. وقولهم: “إنّ بَيننا وبَينك كفار مُضَر”، يعني: أنّ بلادَهم بعيدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي طريقهم إليه المشركون الذين هُم أعداءٌ لهم؛ فإذا تَمكّنوا مِنهم قَتلوهم، وهُم بحاجة إلى التَّعلُّم مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالوا: “فمُرنا بأمر”، وفي الرواية الأخرى: “بأمْر فَصْل”، أي: بَيِّنٍ جامِع لا نحتاج معه إلى غيرِه، وفاصِل بين الحق والباطل؛ ولهذا قالوا: “إنْ عَمِلنا به دَخلْنا الجَنّة، نخبر به مََن وراءَنا”، أي: الأمر الذي تأمرُنا به، نَعمَل به، وندعو قومَنا إلي العمل به.

وفي هذا اعتماد لخبر الواحد؛ حيث إنّ كلّ واحد مِنهم سيَرجِع ويأمُر مَن يليه بهذه الأوامر، وهذه التعليمات التي سيُفيدها لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: “وإنّا لا نَصِل إليك إلاّ في أشهرٍ حُرُم”، دليل على تعظيم الأشهُر الحُرُم حتى عند المشركين؛ حيث لا يَتعرّضون لأعدائهم في الأشهر الحُرُم، وقد نوّه الله سبحانه وتعالى عن حُرمَتها في كِتابه حين قال: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}   [التوبة: 36].

و قوله: ((فنهاهم عن أربع وأمرهم بأربع))، أي: أربعِ خِصال.

وقوله:((آمرهم بالإيمان بالله))، فَسّر ذلك بقوله: ((وهل تَدرون ما الإيمان بالله؟، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: شَهادةُ أن لا إله إلا الله))، أي: أن تَشهَدوا أنّ الله هو الإله الحقّ المستحِقّ أن يُؤلَه ويُعبَد وَحده، وأن تفعلوا ذلك مخلِصين له التألّه، ثم بيّن لهم هذه الأوامر وتلك النواهي، واعتَمَد أن يَرجعوا إلى قَومِهم وأن يُبلّغوها قومَهم، وفي هذا إثبات جواز خبر الواحد.

حيث إن هذه الكلمة أصل الإسلام، فلا يَدخُل الإسلامَ أحَدٌ إلاّ بها، وبمعرفتها والعمل بها تَتفاوت دَرجات الناس عند الله تعالى.

وقوله: ((وإقام الصلاة))، أي: تُصلّون الصلواتِ الخَمس مُقيمِين لها، بأن تأتوا بها قائمة غير ناقصة، بشرائطِها وواجباتها وما يَلزم لها.

وقوله: ((وإيتاء الزّكاة))، أي: أن تؤتُوها مََن فَرضها الله لهم مُمتثِلين أمْر الله، خائفين مِن عقابه لو منعتُموها.

وقوله: ((وتؤتوا مِن المَغنَم الخُمُس))، أي: خُمس ما غَنمتم؛ فإنّه لله ورسوله، وهو بمنزلة الزكاة في الوجوب، فتُعطوه مَن هو له بمستحق، مُمتثِلِين أمْر الله في ذلك، كما في الزكاة.

وأمّا النواهي: فهي: أن لا يُشرب في ((الدُّباء))، وهي: ثمَر اليَقطين إذا يَبُس؛ فإنه يكون كالجِرار، وإذا وُضع فيه نَبيذ التّمر أو غيرُه، وأسرَع إليه الغلَيان، فيكون خَمرًا، وكذلك بقية الأوعية المذكورة.

و((النَّقير)): وعاء يُتَّخذ مِن جُذوع النخل، يُنقَر وسَطُه حتى يصير شِبهَ الجَرّة. و((المُزفَّت)) هو: المَطليّ بالزِّفت، وهو: ((المقيَّر))، وأمّا ((الحنتَم))، فقال في (النهاية): هي جِرار مَدهونة خُضْر، كانت تُحْمَل الخمْر فيها إلى المدينة، ثم تُوضَع فيها، فقيل: للخَزَف كلّه: “حَنتَم”، واحِدتُها: “حَنتمة”، وإنما نَهى عن الانتباذ فيها؛ لأنّها تُسرِع الشِّدة فيها لأجْل دَهنها.

وقوله: ” فمُرنا بأمْر نَدخل به الجنَّة، ونُخبِر به مَن وراءَنا ))، قال: ((وأمُرهم بأربع))، فعلّمهم الّذي بسبِبه يَدخُلون الجَنّة.

ثم يَنطلق كلّ واحد مِنهم إلى أهلِه، ويَنقل إليهم هذه الأوامر و النواهي، فيَعمَلون بها وتكون أخبار آحاد.

error: النص محمي !!