Top
Image Alt

إرادة الله سبحانه في الكون، ومسألة الاحتجاج بالقدر

  /  إرادة الله سبحانه في الكون، ومسألة الاحتجاج بالقدر

إرادة الله سبحانه في الكون، ومسألة الاحتجاج بالقدر

كل ما يحدث في الكون فهو بإرادته سبحانه: وهذا ردٌّ لقول القدرية والمعتزلة؛ فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم، والكافر أراد الكفر.

وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح، وهؤلاء سُمّوا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب.

أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا، فهو لا يُحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلنَّ كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله وإن كان واجبًا أو مستحبًّا، ولو قال: إن أَحب الله حنث إذا كان واجبًا أو مستحبًّا.

والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خَلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية. فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، وهذا كقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]. وقوله تعالى عن نوح عليه السلام: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34]. وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253].

وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26]. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 27، 28].

وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ} [المائدة: 6]. وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]. فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به.

وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل، فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلًا فهذه الإرادة المعلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلًا فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى. فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أَمر به، وقد لا يريد ذلك، وإذا كان مريدًا منه فَعله.

وتحقيق هذا مما يبيّن فصل النزاع في أمر الله تعالى هل هو مستلزم لإرادته أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله -عليهم السلام- بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يَخلق فعله، فأراد سبحانه أن يَخلق ذلك الفعل ويجعله فاعلًا له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات، غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو مصلحة للعبد، أو مفسدة.

وهو سبحانه إذا أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان، كان قد بيّن لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة، من حيث هو فعل له، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعله، أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو، أو جعل المأمور فاعلًا، فأين جهة الخلق من جهة الأمر.

فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه، مريدًا لنصحه ومبينًا لما ينفعه، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل؛ إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضادّه، فجهة أمره لغيره نصحًا غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين، فهو في حق الله أولى بالإمكان.

والقدرية تضرب مثلًا بمن أمر غيره بأمر، فإنه لا بدّ أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله، كالبِشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك. فيقال لهم: هذا يكون على وجهين:

أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود إلى الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يُصلح ملكه، وأمر الإنسان شركاءه بما يصلح الأمر المشترك بينهما، ونحو ذلك.

الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، وإذا أعان المأمور على البر والتقوى، فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته على الطاعة، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه؛ فأما إذا قُدِّر أن الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور كالناصح المشير، وقُدِّر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر.

مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال لموسى: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20].فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه السلام بالخروج، لا في أن يُعينه على ذلك؛ إذ لو أعانه لضره قومه، ومثل هذا كثير.

وإذا قيل: إن الله تعالى أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ما أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدًا على ما به يصير فاعلًا، وإذا عللت أفعاله بالحكمة فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نحن لا نعلمها، فلا يلزم إذا كان في نفس الأمر له حكمة في الأمر.

يعني: فلا يلزم إذا كان في نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي ألا يعينه على ذلك، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر بأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر ألا يعينه على ذلك، فإنكار ذلك في حق الرب أولى وأحرى.

والمقصود: أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه، فالخالق أولى لإمكان ذلك في حقه مع حكمته، فمَن أمره وأعانه على فعل المأمور؛ كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره نشأةً خُلقًا ومحبة، فكان مرادًا بجهة الخلق ومرادًا بجهة الأمر، ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره، ولم يتعلق به خُلقه؛ لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده، وخَلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر.

فإن خلق المرض الذي يحصل به ذلّ العبد لربه ودعاؤه وتوبته، وتكفير خطاياه، ويرقّ به قلبه، ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يُضادّ خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، ولذلك خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم مِن جنس ما يحصل بالمرض، يضادّ خَلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يَعدل.

وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر، والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة، مثَّلوا الله فيها بخلقه، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه.

احتجاج آدم على موسى عليه السلام بالقدر: قال آدم لموسى: “أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أُخلق بأربعين عامًا؟!” وشهد النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم حَجَّ موسى، أي: غلبه بالحجة. هذا الحديث عن أبي هريرة في البخاري حديث رقم 3409، ومسلم حديث رقم 2652.

ماذا يقول أهل السنة في احتجاج آدم بالقدر؟

هذا الحديث تلقاه أهل السنة بالقبول والسمع والطاعة؛ لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتلقاه أهل السنة بالرّدّ والتكذيب كما فعلت القدرية، ولا يتلقاه أهل السنة أيضًا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتجّ بالقضاء والقدر على الذَّنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يَحتج بالقدر، فإنه باطل.

وموسى عليه السلام كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم عليه السلام على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم عليه السلام بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة.

فإن القدر يُحتجّ به عند المصائب لا عند المعايب، وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قُدِّر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله ربًّا، وأما الذنوب فليس للعبد أن يُذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعايب ويصبر على المصائب.

قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: 55]. وقال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120].

وأما قول إبليس: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 40] إنما ذُمَّ على احتجاجه بالقدر، لا على اعترافه بالقدر وإثباته له، ألم تسمع قول نوح عليه السلام: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34]. ولقد أحسن القائل:

فما شئت كان وإن لم أشأ

*وما شئت إن لم تشأ لم يكن

وعن وهب بن منبه أنه قال: “نظرت في القدر فتحيَّرت، ثم نظرت فيه فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفَّهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه”.

error: النص محمي !!