Top
Image Alt

إطلاقات أهل العلم للشرك

  /  إطلاقات أهل العلم للشرك

إطلاقات أهل العلم للشرك

قد يطلق الشرك ولا ندري هل المراد به الشرك الأكبر المُخرج من الملة، أم المراد به الشرك الأصغر؟ إلا أن السياق قد يحدد أحد الإطلاقين؛ ولكي لا نحكم بالشرك الأكبر على من حكمه الأصغر وبالعكس. ينبغي أن نعرف أن الشرك في معناه الشرعي يطلق على ثلاثة معان:

أولها: الاعتقاد بوجود شريك مع الله تعالى في الملك والربوبية والخلق والرزق والتصرف في الكون، فمن اعتقد أن أحدًا غير الله يتصرف في هذا الكون ويدبر شئونه، فقد أشرك في الربوبية، وكفر بالله تعالى، والدلائل على بطلان الربوبية لغير الله تعالى كثيرة ظاهرة: مرئية، ومسموعة، أما المرئية فما نشاهده من آيات في هذا الكون المنظم من أرض وسماء، وجبال وأشجار، ونجوم وكواكب، فإن هذه المخلوقات بما هي عليه من النظام والدقة، وحسن الخِلقة، وأساليب العيش، تقول بلسان حالها: آمنوا بخالقي العظيم الذي أبدعني ونظمني، وهذا الاستدلال يدركه كل ذي نظرة سليمة، وعقل سليم، وفي المثال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير.

ولقد أحسن القائلُ:

وفي كل شيء له آية

*تدل على أنه واحدُ

وأما الأدلة السمعية فمنها: قول الله -تبارك وتعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِير} [سبأ:22].

فأخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء المدَّعى أنهم آلهة لا يملكون في الأرض والسماء ذرة من خير وشر، أو نفع وضر، ولم يشتركوا مع الله في شيء من خلق السماء والأرض، وأنه سبحانه وتعالى لم يتخذ منهم معينًا، وبهذا يعرف أنه لا استحقاق لهم في الألوهية.

ومن الأدلة السمعية قول الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} [فاطر:40].

فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في هاتين الآيتين أن يوبخ الكفار ويبكتهم بأن يسألهم عن الشركاء الذين يدعونهم من دون الله ويعبدونهم: بأي شيء أوجبوا لهم الشركة في العبادة. هل ذلك بشيء خلقوه من الأرض، أو شاركوا خالق السموات والأرض؟!

ومنها: قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء:111]، فذكر سبحانه أن من صفاته ألا مشارك له في ملكه وربوبيته، كما تزعمه الثنوية ونحوُهم من الفرق القائلة بتعدد الآلهة.

وهذا الشرك لم يكن عند جميع الكفار في عهد الرسالة، فقد كان بعضهم يُقِر بأن الله هو الخالق للكون المصرف لِمَا فيه. قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون} [العنكبوت:61].

ثانيها: الاعتقاد في غير الله النفع والضر، وأن هذا الغير واسطة بين الله والخلق، فيتوجه إليه، ويصرف له بعضَ أنواع العبادة، وهذا الشرك هو الشرك في الألوهية، وهو الذي كان عليه أكثر كفار قريش، فقد كانوا يقولون عن آلهتهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَر:3]. وقد كان هذا الشرك اعتقادهم السائد، كما قال تعالى عنهم: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِير} [غافر:12].

فإنهم كانوا إذا دُعِيَ الله وحده، أنكروا أن تكون له الألوهية خاصةً، وإن أشرك به مشرك صدقوه، يشهد لذلك قول الله تعالى: {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص:4-5].

وأخبر سبحانه أن توحيد الله تعالى وترك الشرك به، هو الأمر الذي من أجله بعث رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآب} [الرعد:36]، وأن الشرك مقابل لذلك تمامًا، فإنه يهدم ويحبط العمل، وذلك في كل الأمم، فقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} [الزُّمَر:65].

ومن أجل ذلك أمر الله بعبادته ونهى عن الشرك به في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل:36].

وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحدى المشركين ويعجزهم بأن يقول لهم: {ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُون} [الأعراف:195].

وأخبر سبحانه عن ضَلال المشركين وسفه عقولهم باعتقادهم نفع غير الله أو ضره، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا} [فاطر:40].

ثالثها: المراءاة لغير الله في الأعمال والأقوال، وهو أن تَظهر من المسلم أمور فيها مراءاة غير الله معه فيما يستحقه وحدَه. وقد تكون هذه المراءاة في الأعمال: كالرياء في العمل، وقد تكون في الأقوال: كالتلفظ بأقوال فيها المساواة لغير الله بالله، وإن لم يعتقد معناها.

فأما المراءاة بالأعمال: فكالمراءاة بالعبادات الدينية، كمن يصلي، فيطيل القيام ويطيل الركوع والسجود، ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيظهر للناس أنه صائم، فيقول -مثلًا- مخاطبًا غيره: اليوم الاثنين أو الخميس، ألا تعلم؟ ألست بصائم؟. ومثل ذلك يقال في الحج والجهاد، فيذهب إليهما ومقصِده المراءاة فحسب.

وهنا ذكر أهل العلم قصة ظريفة حصلت لمُراءٍ في أحد المساجد، وهو أن هذا المرائي كان مرة يصلي في مسجد فحسَّن صلاته، وأظهر خشوعه وهو يحس برجل يرمقه ببصره، فلما انتهى من صلاته، سلَّم عليه ذلك الرجل الذي كان ينظر إليه، وقال له: ما أحسنَ هذه الصلاة، وما أجمل خشوعَك فيها، فقال هذا المرائي: هل أعلمك بشيء آخر؟ فقال له الرجل: نعم. فقال: إني مع ذلك صائم أيضًا.

وأما المراءاة بالأقوال إظهارًا للتدين كمن يتصدر المجالس بالوعظ والتذكير، فيحفظ الأخبار والآثار الخاصة بالمناسبات؛ ليحاور بها الناس ويجادلهم، فيظهر لهم أنه على معرفة بها، فيظهر لهم غزارةَ العلم، وشدة العناية بأحوال السلف، وتجده بعيدًا عن حياة السلف وأخلاقهم مع أهله وخاصته. فكل هذه الأعمال ينافي فعلها كمال التوحيد والإخلاص.

وقد دل على ذم الرياء أدلة كثيرة؛ منها: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله -تبارك وتعالى-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)). (صحيح مسلم).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة لا ريب فيه، نادَى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابَه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)). رواه ابن ماجه.

ومما يدل على ذلك أيضًا: ما رواه عمرو عن محمود بن لبيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، ويقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزَى الناسَ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا: هل تجدون عندهم جزاء؟)) رواه الإمام أحمدُ.

ومن الأدلة الجامعة لذم الأعمال والأقوال التي فيها رياء: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سَمَّعَ سَمَّعَ الله به، ومن راءى راءى الله به)) رواه مسلم. اللهم ارزقنا إيمانًا دائمًا، وعلمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، لا رياء فيه ولا شوبًا. إنك أنت ولي ذلك والقادرُ عليه.

error: النص محمي !!