Top
Image Alt

إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، الأهلة مواقيت للناس، والقتال في سبيل الله، والنهي عن الاعتداء

  /  إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، الأهلة مواقيت للناس، والقتال في سبيل الله، والنهي عن الاعتداء

إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، الأهلة مواقيت للناس، والقتال في سبيل الله، والنهي عن الاعتداء

1. إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:

 أولًا: الآية (189):

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنِ اتّقَىَ وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

المناسبة:

قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وهو أن ما قبلها من الآيات نزلت في الصيام، وأن صيام رمضان مقرون برؤية الهلال، وكذلك الإفطار في شهر شوال، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)).  وكان أيضًا قد تقدم كلام في شيء من أعمال الحج وهو الطواف.

والحج أحد الأركان التي بني الإسلام عليها، وكان قد مضى الكلام في توحيد الله تعالى، وفي الصلاة والزكاة والصيام؛ فأتي بالكلام على الركن الخامس وهو الحج؛ ليكون قد كملت الأركان التي بني الإسلام عليها.

اللغويات:

قوله: {يَسْأَلُونَكَ} الضمير لجمع فإن كان من سأل اثنين على ما روي فيحتمل أن يكون من نسبة الشيء إلى جمع، وإن كان ما صدر إلا من واحد أو اثنين، أو لكون الاثنين جمعًا على سبيل الاتساع، وإطلاق الجمع على اثنين مسألة خلافية مشهورة.

قوله: {الأهِلّةِ} جمع هلال على وزن أفعلة، وهو مقيس في فعال المضعف، مثل عنان وأعنة، والهلال يطلق لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوله، وقيل: لثلاث من أوله، وقيل: حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق، وقيل: حتى يبهر بضوئه السماء، وذلك ليلة سبع.

قوله: {مَوَاقِيتُ} جمع ميقات -وأصله موقات سكنت فيه الواو وكسر ما قبلها فقلبت ياء- وهو الوقت.

قوله: {وَالْحَجّ} معطوف في الحقيقة على مضاف محذوف ناب لفظ الناس منابه في الإعراب والمعنى: مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت، دينًا ودنيا؛ فجاء قوله: وَالْحَجّ} بعد ذلك تخصيصًا بعد تعميم.

و”الحج” لغة القصد، وهو بكسر الحاء وفتحها وقرئ بهما قال سيبويه: الحج كالرد والشد والحج كالذكر فهما مصدران بمعنى ، وقيل: الفتح مصدر والكسر اسم.

المعنى الإجمالي:

يذكر سبحانه وتعالى أن السؤال وقع من المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم عن سبب وجود الأهلة؛ فأعلمهم الله تعالى بفائدة ذلك وهي أنه سبحانه جعلها ليضبطوا بها مواقيتهم في أمورهم المختلفة وبالأخص وقت حجهم.

ثم أنكر عليهم سبحانه عملًا كانوا قد ابتدعوه في حجهم، وهو أن غير الحمس وهم قريش، وما ولدت كانوا إذا أحرموا لا يدخلون من الأبواب، وإنما يتسورون البيوت تسورًا؛ فيأتونها من ظهورها ويزعمون أن ذلك من دين الله، والتقرب إليه فذكر سبحانه أن البر والتقرب إلى الله إنما يكون بالتقوى، والعمل بما شرع الله على هدى منه، ابتغاء مرضاته، ثم أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها، سواء أكانوا محرمين، أم غير محرمين، وأن يتقوا الله سبحانه؛ فإن في ذلك فلاحهم، ونجاحهم في الدنيا، والآخرة.

ثانيًا: الآية (190):

{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ}.

المناسبة:

ذكر أهل العلم مناسبات عدة، ويمكن أن يقال: إن هذه الآية وما بعدها توطئة لما سيأتي ذكره من بعض أحكام القتال، التي نزلت بسبب عمرة القضية، وما كان يخشى من ورائها؛ فاقتضى الحال ذكر بعض أحكام القتال تمهيدًا لذلك، والمناسبة شاملة لمجموع هذه الآيات، مع الآية السابقة التي تتحدث عن الحج وبعض أحكامه، للجامع المشترك بين الحج والعمرة، وتعلقهما بالصد عن المسجد الحرام، وبإخراج أهله منه، وحرمانهم من جواره، وتيسر النسك عليهم.

اللغويات:

قوله: {فِي سَبِيلِ اللّهِ}: قدم المجرور على المفعول الصريح، لأنه الأهم، وهو أن يكون القتال بسبب إظهار شريعة الإسلام، ألا ترى الاقتصار عليه في نحو قوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}   [البقرة:244]. وقد استعير السبيل -وهو الطريق- لدين الله وشرائعه.

المعنى الإجمالي:

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بمقاتلة من يقاتلهم من المشركين، مقاتلة حقيقية، شريطة أن يكون ذلك منهم على جهة التقرب إليه، وفي سبيل نصرة دينه، وإعلاء كلمته، لا رياء ولا سمعة، ولا حمية، وألا يتجاوزوا ما حده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في قتالهم هذا من عدم قتل الأطفال والنساء، ومن سالمهم، ومن لم تصله الدعوة، أو أجابهم إلى الجزية، ومن عدم جواز المثلة والغلول، ونحو ذلك مما حرمه الله عليهم؛ لأن ذلك اعتداء والله لا يحب المعتدين.

ثالثًا: الآيات (191- 193):

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىَ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ}.

المناسبة: ما زال الكلام عن القتال والجهاد وبعضه آخذ بحجز بعض.

اللغويات:

قوله: {ثَقِفْتُمُوهُم}: الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله، ويقال: ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر؛ ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك، وإن لم تكن معه ثقافة. والثقف: وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف: سريع الأخذ لأقرانه، قال:

فإما تثقفوني فاقتلوني

*فمن أثقف فليس إلى خلود

والقرآن الكريم يفسر بعضه بعضًا، والذي يشهد لكون معنى ثقفتموهم: وجدتموهم ورود ذلك في قوله تعالى: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ} [النساء:89] وبعدها أيضًا قال: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ} [النساء:91].

والتثقيف معنى غير هذا وهو التقويم أراد به تقويم الرماح؛ فإن تسويتها تثقيفها، والثقاف ما تسوى به الرماح.

قوله: {وَالْفِتْنَةُ}: أصل الفتن إدخال الذهب النار؛ لتظهر جودته من رداءته، والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى، ومن العبد كالبلية والمصيبة، والقتل والعذاب، وغير ذلك من الأفعال الكريهة، ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإنسان يكون بضد ذلك، ولهذا يذم الله الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان نحو قوله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ}. ثم صار يستعمل في الامتحان.

قوله: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىَ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ}: قال البقاعي: كأنه عبر بـ”فيه” في الثاني و”عند” في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفًّا عن القتال فيه، مهما وجد إلى الكف سبيل، تعظيما له وإجلالًا لمحله.

قوله: {حَتّىَ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ}: كان هنا تامة وحتى بمعنى كي أو إلى أن.

قوله: {وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ}: لم يؤت هنا بالتوكيد بـ” كل” كما جاء في آية الأنفال؛ لأن أصل نزول هذه الآية هنا في مشركي العرب، وأما هناك فهي في عموم الكفار فناسب هناك التوكيد بقوله: كله وتركه هنا.

{فَلاَ عُدْوَانَ}: العدوان: مصدر من عدا ويأتي على وجهين بمعنى التعدي عما أمر الله عز وجل وهو الاعتداء بعينه وهو الظلم وأمثلته كثيرة في القرآن، وبمعنى لا سبيل ومنه قوله تعالى هنا: {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ} وقوله سبحانه: {أَيّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيّ} [القصص:28] يعني: لا سبيل علي.

وذكر أبو حيان هذا الوجه في تفسير العدوان هنا وقال: وهو مجاز عن التسليط والتعرض قلت: الأقرب هنا المشاكلة اللفظية، وآية القصص يصح، أن يفسر العدوان فيها بالظلم، وأما قضية المجاز وجوازه في القرآن؛ فقد حدث فيها خلاف، وجمهور أهل العلم من المتأخرين على جوازه، والمسألة أراها اختلافًا لفظيًّا في حقيقة الأمر، وأن سبب نفي وجود المجاز في القرآن توسع الغلاة فيه، مما أوقعهم في التعرض لذات الله وصفاته وأفعاله، بهذا المجاز فضلت في ذلك فرق، والله المستعان.

المعنى الإجمالي:

أمر الله تعالى المؤمنين بقتل المشركين في أي مكان وجدوهم فيه -حسب الشرط المتقدم من عدم الاعتداء ونحوه؛ وباستثناء ما يأتي ذكره في الآية التالية، فإن الآيات كلها مترابطة متصلة- ثم أمرهم بالسعي في إخراجهم سواء بالقتال أو بغيره من حيث أخرجوهم، أي: من مكة قصاصًا وتطهيرًا.

والذي تدل عليه الآثار أن المراد بالفتنة هنا هو الشرك، سواء المقيم عليه الكافر، أو المراد عليه المؤمن؛ فالشرك من حيث هو شرك، أشد من القتل.

والحاصل: أن الله تعالى عندما أمر عباده بمقاتلة من يقاتلهم ونبههم إلى عدم الاعتداء في هذا القتال، أمرهم بقتلهم في أي مكان وجدوهم فيه، سوى ما سوف يستثنيه، محرضًا إياهم عليهم بذكر ما فعلوه من إخراجهم من مكة، آمرًا لهم بالاقتصاص منهم في ذلك.

ولما كان ذلك الأمر بالقتال، والقتل على هذا الوجه من التهييج والتحريض الشديد، مؤديًا في مضمونه لحصول القتل المتكرر في كل من الفريقين المؤمن والكافر، بيّن سبحانه أن قتل المؤمن في سبيل دينه، أهون ضررًا من وقوعه في يد الكافر؛ ليفتنه ويرده إلى الشرك والكفر، وأن قتل الكافر بيد المؤمن أهون ضررًا من بقائه على كفره الذي يدفعه إلى الصد عن سبيل الله، ومحاربة دين الله فقال: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ}.

ثم إن الله سبحانه وتعالى استثنى مكانًا لا يقتل فيه المؤمنون الكافرين؛ إن ثقفوهم فيه؛ إلا بشرط واحد وهو إقدام الكافرين على مقاتلة المؤمنين في هذا المكان، وهو عند بيته الحرام، وإنما كان هذا الاستثناء لعظم حرمة هذا المكان، وكون الله سبحانه وتعالى جعل مكة مثابة للناس جميعهم وأمنًا، وجعلها حرمًا آمنًا لا يجوز فيه ما يجوز في غيره.

فجعل سبحانه غاية الكف عن قتال المشركين فيه، هو بدؤهم بقتال المسلمين هناك؛ فإذا فعلوا ذلك فالمسلمون مأمورون بقتالهم فيه؛ فهذا هو الجزاء اللائق بهم لكفرهم وانتهاكهم حرمة المكان ابتداء.

ثم حث الله الكافرين على التوبة والرجوع عما هم فيه؛ لأن الله سبحانه وتعالى مهما تقدم منهم من كفر وقتل لعباده المؤمنين سوف يغفر لهم، ويرحمهم إن صدقوا في توبتهم وانتهوا عن كفرهم، وذلك لاتصافه سبحانه بأنه غفور رحيم.

ثم بين الله جل جلاله الغاية التي لأجلها أمر الله  سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بقتال الكفار، وهي: زوال الشرك أو ما يدعو إليه من رفعة الكفر وأهله، وانتشار الإسلام وارتفاع مناره بعلو كلمة التوحيد، وهيمنتها على سائر الأديان، ودينونة الخلق لشريعة ربهم -جل وعلا- فإن حصلت الغاية فانتهى الكفار عن محاربة أهل الإسلام بإسلامهم، أو بإذعانهم؛ فلا يقبل إيقاع شيء من الظلم على هؤلاء المنتهين من قبل المؤمنين إلا على سبيل المجازاة للظالم منهم، كمن أصر على الكفر ولم يذعن، أو أقام على محاربة أهل الإسلام، ولم يقلع، أو تبين عدم صدقه فيما ادعاه من الإسلام أو الإذعان.

رابعًا: الآية (194):

{الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ}.

المناسبة:

قال الرازي: اعلم أن الله تعالى لما أباح القتال، وكان ذلك منكرًا فيما بينهم، ذكر في هذه الآية ما يزيل ذلك، فقال: {الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ}.

اللغويات:

الحرمات: جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة والحرمة ما منع من انتهاكه.

{فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ}: عبر جمع من المفسرين عن هذه الجملة من الآية بأنها فذلكة، وشرحها الشهاب فقال: فذلكة: أي إجمال لما فصل متفرع عليه تفرع النتيجة.

المعنى الإجمالي:

دلت الآثار الثابتة في الباب على اتصال هذه الآية بالآيات قبلها، وبينت أصل القضية بتمامها؛ فإن المسلمون لما صدهم المشركون عن العمرة عام الحديبية أصابهم من الغم والضيق ما لا يخفى على أحد، وهموا بالقتال وأحداث ذلك مشهورة، فطيب الله خاطرهم وبين لهم في هذه الآية أنه اقتص لهم منهم، وصدقهم وعده في دخولهم المسجد الحرام متلبسين بإحرامهم في نفس الشهر الحرام الذي صدوا فيه، وبين لهم من الأحكام ما قد تدعو إليه الحاجة إذا حصل قتال، كما كان على وشك الحصول في العام الفائت؛ فكان من تلك الأحكام ما تقدم من الأمر بقتال من يقاتلهم، والمنع من ابتدائهم القتال في الحرم، حتى يبدءوا هم الكف عنهم إن انتهوا.

ثم استكمل  سبحانه وتعالى أحكام القتال التي كان الموقف في حاجة إلى بيانها لتعلق الأمر بمكان حرام في شهر حرام بأناس محرمين؛ فكانت خلاصة كل ما تقدم الإذن العام لهم بمقابلة المعتدي بمثل اعتدائه، بغض النظر عن هذه الحرمات.

ثم أمرهم  سبحانه وتعالى بأن يتقوا مخالفة أوامره، وانتهاك محارمه؛ ليفوزوا بمعيته –سبحانه- الخاصة التي أعلمهم بأنها لعباده المتقين وتستلزم نصرتهم في الدنيا والآخرة.

خامسًا: الآية (195):

{وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ}.

المناسبة:

لما أمر تعالى بالقتال في ما سبق من آيات والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بآلات، وأدوات يحتاج فيها إلى المال، وربما كان ذو المال عاجزًا عن القتال، وكان القادر على القتال فقيرًا عديم المال؛ فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء، بأن ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال؛ فأمر الله بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالأنفس.

ولما كانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من أعلى خلال الإيمان، ونوعًا من أنواع الإحسان قال تعالى: {وَأَحْسِنُوَاْ}.

اللغويات:

{التّهْلُكَةِ}: قال الراغب: ما يؤدي إلى الهلاك. وقال البخاري: التهلكة والهلاك واحد، وقال البعض: التهلكة مصدر بمعنى الهلاك كالتضرة والتسرة، أو أنها كالتجربة؛ ثم أبدل من الكسرة ضمة.

قوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} قال الرازي: اتفقوا على أن الباء في قوله: {بِأَيْدِيكُمْ} تقتضي إما زيادة أو نقصانًا؛ فقال قوم: الباء زائدة والتقدير: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، وهو كقوله: جذبت الثوب وبالثوب، وأخذت القلم وبالقلم؛ فهما لغتان مستعملتان مشهورتان، أو المراد بالأيدي الأنفس، كقوله: {بِمَا قَدّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] أو {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] فالتقدير: ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وقال آخرون: بل ههنا حذف، والتقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة.

المعنى الإجمالي:

يمكن إجمال المعنى المستفاد من الآية في أن الله -سبحانه- تكميلًا لما شرعه من أحكام في القتال، وعلما منه –سبحانه- بما جال في خواطر الأنصار المتعلقة بأمر القتال، وظنهم أنه يمكنهم القعود عن الجهاد بالنفس والمال؛ فترة لإصلاح أموالهم وأحوال معايشهم؛ أمرهم –سبحانه- أمرًا أكيدًا بالاستمرار في بذل مالهم في إعلاء راية الجهاد في سبيله؛ لأن ترك النفقة وما يترتب عليها وهو القعود عن الجهاد في سبيل الله معصية من أكبر المعاصي التي تؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة.

وأن عليهم أن يراقبوا الله عز وجل في أداء كل ما افترضه عليهم؛ كأنهم يرونه، فإن كانوا لا يرونه فإنه يراهم، وهو مطلع على ما في قلوبهم وما في خواطرهم، وهذه هي درجة الإحسان التي يحب الله سبحانه من اتصف بها.

سادسًا: الآية (196):

{وَأَتِمّواْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتّىَ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

المناسبة:

لما أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة، وكانت العمرة لا وقت لها معلومًا بيّن أن الحج له وقت معلوم؛ فهذه مناسبة الآية لما قبلها.

اللغويات:

قوله: {وَأَتِمّواْ}: قال الراغب: “تمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه، والناقص ما يحتاج إلى شيء خارج عنه”. اهـ.

والمعنى في الآية هنا موافق للمعنى في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ} [البقرة:124] وقوله تعالى: {ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ} [البقرة:187].

قوله: {الْحَجّ}: لغة: القصد  وأصله القصد للزيارة. قال الشاعر:

…. …. …. ….

*يحجون بيت الزبرقان المعصفرا

وخص في تعارف الشرع بقصد بيت الله تعالى إقامة للنسك.

وأما في الشرع؛ فهو اسم الأفعال مخصوصة منها أركان ومنها أبعاض ومنها هيئات”.

قوله: {وَالْعُمْرَةَ}: الاعتمار، والعمرة الزيارة التي فيها عمارة الود، وفي الشرع زيارة البيت الحرام بالشروط المخصوصة المعروفة.

قوله: {أُحْصِرْتُمْ}: اختلف أهل العلم من اللغويين والفقهاء والمفسرين في معنى هذه الكلمة هنا؛ وقال الرازي –رحمه الله-: اتفقوا على لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه.

أما لفظ الإحصار فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:

القول الأول: وهو اختيار أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وابن قتيبة وأكثر أهل اللغة: أنه مختص بالمرض.

القول الثاني: أن لفظ الإحصار يفيد الحبس والمنع سواء كان بسبب العدو أو بسبب المرض وهو قول الفراء.

القول الثالث: أنه مختص بالمنع الحاصل من جهة العدو وهو قول الشافعي.

{الْهَدْيِ}: قال ابن جرير: وأما الهدي؛ فإنه جمع واحدها هدية على تقدير جدية السرج، والجمع الجدي مخفف، ثم روي عن أبي عمرو بن العلاء قوله: لا أعلم في الكلام حرفًا يشبهه. ونقله ابن عطية بلفظ: لا أعرف لهذه اللفظة نظيرًا. وقال الرازي: الهدي: جمع هدية كما تقول: تمر وتمرة.

{نُسُكٍ}: قال ابن جرير: النسك: الذبح لله في لغة العرب، يقال: نسك فلان لله نسيكة بمعنى: ذبح لله ذبيحة ينسَُكها نَسكا.

ويطلق النُسْك والنُسُك على العبادة والطاعة وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى. والناسك: العابد ونسك وتنسك أي تعبد.

{تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}: الإشارة إلى الثلاثة والسبعة ومميز العدد محذوف أي “أيام” وإثبات التاء في العدد مع حذف المميز أحسن الاستعمالين.

قوله: {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

الحاضر: ضد المسافر. وعليه فالمراد بالموصول من كان من الحرم على مسافة القصر، وهو كذلك عند الشافعي.

قوله: {وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. وإضافة شديد من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها.

المعنى الإجمالي:

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بأداء الحج والعمرة خالصة له، والإتيان بهما على وجه الكمال والتمام.

ويأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حال منعهم المشركون من عمرتهم، أو حجهم وحالوا بينهم وبين إتمام نسكهم؛ فعليهم أن يذبح كل منهم ما تيسر له من الأنعام، وأقل ذلك شاة هدية تذبح داخل الحرم، ومنعهم سبحانه من التحلل من نسكهم؛ بحلق رءوسهم قبل أن يبلغ هديهم الحرم ويذبح فيه؛ فإن هذا هو محل الهدي.

ويبين سبحانه وتعالى حكمًا لأمر طرأ واحتيج إليه في تلكم السفرة إلى العمرة، وهو حكم من أصيب بأذى في رأسه أو مرض وهو مقيم على إحرامه، فماذا يفعل وقد حيل بينه وبين الذهاب للبيت ليعتمر ويتحلل؟ فكان الجواب أنه إذا ترخص في شيء من إحرامه بسبب هذا المرض، أو الأذى ؛ فإنه مخير بين أمور ثلاثة: إما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يطعم ستة مساكين، ويجزئه في ذلك نصف صاع من تمر لكل مسكين، وإما أن يذبح لله نسيكه ويجزئه في ذلك شاة.

يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ويوجههم أنهم إذا أمنوا مما هم فيه من الإحصار والخوف الذي يتمتمع منهم بالعمرة إلى الحجة، أي: يؤدي العمرة ويمكث في مكة حلالًا حتى يحج من هذا العام؛ فإنه عليه أن يقدم هديًا ما تيسر من الهدي وأقل ذلك شاة.

ويأمر سبحانه وتعالى من لم يجد هديًا لتمتعه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وهو محرم به، آخرها يوم عرفة لمن غلب على ظنه ألا يجد هديًا، وأما من لم يصم تربصًا لوجود الهدي؛ فلم يجده حتى انقضى يوم عرفة، فله أن يصوم ثلاثة أيام التشريق، وذلك إضافة إلى سبعة أيام يصومها من لم يجد الهدي لتمتعه، إذا رجع من حجه سواء أكان رجوعه إلى أهله -كما هو الأغلب الأعم- أم كان في طريقه إليهم أم إلى أي جهة أخرى.

ثم بين سبحانه لهم ماذا عليهم إذا زال عنهم ماهم فيه من خوف وأمنوا وأدوا العمرة، وتسنى لهم البقاء للحج؛ حيث قد اقترب موعده؛ فأصبح من فعل ذلك منهم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، حيث اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه في سفرة واحدة؛ فذكر سبحانه أن عليه ما استيسر من الهدي شاة فما فوقها، لكل محرم أو اشتراك كل سبعة في بدنه، فمن لم يجد هديًا لتمتعه؛ فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وهو محرم له آخرها يوم عرفة لمن غلب على ظنه ألا يجد هديًا.

وأما من لم يصم تربصًا لوجود الهدي؛ فلم يجده حتى انقضى يوم عرفة، فله أن يصوم ثلاثة أيام التشريق، وذلك بالإضافة إلى سبعة أيام يصومها من لم يجد هديًا إذا رجع من حجه سواء كان رجوعه إلى أهله، كما هو الأغلب الأعم، أو كان في طريقه إليهم، أو إلى أي جهة أخرى، ثم بين سبحانه أن ذلك الحكم من التمتع بالعمرة إلى الحج، وما ترتب عليه خاص بأهل الآفاق، ممن ليس من أهل المسجد الحرام، وهم أهل الحرم فقط. ثم أمرهم بتقواه والخوف من عقابه.

ويبين الله سبحانه لعباده الوقت الذي يصح فيه؛ فرضهم الحج بعد إذ أمرهم به، وهو شهر شوال، وشهر ذي القعدة، وعشر ذي الحجة إلى فجر العاشر، فمن أحرم بالحج بأن شرع في أول أعماله، وهي التلبية في هذه الفترة الزمنية؛ فعليه أن يجتنب ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

سابعًا: الآية (197):

{الْحَجّ أَشْهُرٌ مّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنّ الْحَجّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُواْ فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَىَ وَاتّقُونِ يَأُوْلِي الألْبَابِ}.

اللغويات: {الْحَجّ أَشْهُرٌ مّعْلُومَاتٌ}: قال ابن جرير: يعني عز وجل بذلك: وقت الحج أشهر معلومات، والأشهر مرفوعات بالحج، وإن كانت له وقتًا لا صفة ونعتًا، إذ لم تكن محصورات بتعريف بإضافة إلى معرفة أو معهود، فصار الرفع فيهن كالرفع في قول العرب في نظير ذلك من المحل: المسلمون جانب، والكفار جانب، برفع الجانب الذي لم يكن محصورًا على حد معروف، ولو قيل: جانب أرضهم أو بلادهم لكان النصب هو الكلام.

قوله تعالى: {وَتَزَوّدُواْ}: قال الأصفهاني: الزاد: المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت، والزود أخذ الزاد… والمزود: ما يجعل فيه الزاد من الطعام، والمزادة: ما يجعل فيه الزاد من الماء.

المعنى الإجمالي:

يبين الله سبحانه أن من أحرم بالحج فعليه أن يجتنب الجماع والمعاصي كلها وملاحاة الناس.

وكذلك يبين الله سبحانه في هذه الآية لعباده الوقت الذي يصح فيه فرضهم الحج بعد إذ أمرهم به، وهو شهر شوال وشهر ذي القعدة وعشر ذي الحجة إلى فجر العاشر، فمن أحرم بالحج بأن شرع في أول أعماله وهي التلبية في هذه الفترة الزمنية؛ فعليه أن يجتنب الجماع والمعاصي كلها وملاحاة الناس، ويكثر من فعل الخيرات؛ فإنه مهما فعل من خير يعلمه الله، وعليه ألا يهمل التزود كما كان يفعل بعض أهل اليمن، ومن فعل فعلهم من ترك التزود ظنًّا منهم أن ذلك من التوكل على الله، ولا يفوته أن يجمع مع زاده الزاد الأخروي؛ فإن خير زاد يتزود به هو تقوى الله سبحانه وتعالى فإن التقوى أمر الله لعباده الذين يعقلون مايؤمرون به ويدركون أهميته.

2. جعل الله الأهلَّة بلطفه ورحمته مواقيتَ للناس:

أ. بعض الآثار الواردة في سبب نزول {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ}:

أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ} يعلمون بها حَل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم.

وأخرج صاحب تنوير المقباس من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ} عن زيادة الأهلة ونقصانها لماذا؟ قل يا محمد: هي مواقيت للناس لقضاء دينهم، وعدة لنسائهم، وصومهم، وإفطارهم والحج وللحج نزلت في معاذ بن جبل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

أخرج ابن جرير عن ابن جريح، قال: قال الناس: لم خلقت الأهلة؟ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ} لصومهم وإفطارهم وحجهم ومناسكهم، قال: قال ابن عباس ووقت حجهم، وعدة نسائهم، وحل دينهم.

ب. بعض الآثار الواردة في سبب نزول {وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنِ اتّقَىَ وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}.

أخرج البخاري واللفظ له، ومسلم، والطيالسي، والنسائي، وابن جرير، وأبو يعلى، وابن أبى حاتم، والواحدي في أسباب النزول، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن البراء رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا -وفي رواية- إذا قدموا من سفر لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار؛ فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت هذه الآية الكريمة.

وأخرج وكيع، والبخاري، واللفظ له، وابن جرير عن البراء رضي الله عنه قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها؛ فأنزل الله: {وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنِ اتّقَىَ وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}.

جـ. مسائل حول الآيات:

المسألة الأولى: وقوع السؤال من المسلمين هو الأرجح كما دلت عليه مجمل الآثار، وما جاء ذكر اليهود إلا في الرواية التي علقها الواحدي، والأقرب أنها من رواية ابن الكلبي، وهو متهم وكذا الرواية بتخصيص السؤال في معاذ أو فيه، ومعه ثعلبة بن عنمة لا تصح، وحمل اللفظ على ظاهره من وقوع السؤال من جماعة هو الأولى، ثم إن هذا هو الموضع الأول في سورة البقرة، بل في القرآن كله حسب ترتيب المصحف المتضمن كلمة: {يَسْأَلُونَكَ} والمتدبر لباقي المواضع كلها في سورة البقرة يجد الضمير فيها راجعًا للمسلمين وهي {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة:215] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة:217]، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [الأنعام:219]، {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} [البقرة:219]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىَ} [البقرة:220]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة:222] بل إنه من الملاحظ أن آيات السؤال كلها في القرآن المدني الضمير فيها راجع للمسلمين، بخلاف آيات السؤال في القرآن المكي؛ فالضمير فيها راجع لكفار مكة، أو لليهود.

المسألة الثانية: قد يقول قائل: لسنا بحاجة في تقدير الأزمنة إلى حصول الشهر، ويمكن تقديرها بالسنة الشمسية وأيامها، والجواب أن إحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام؛ لأن الشهور اثنا عشر شهرًا، والأيام كثيرة، وقد أراد الله اختلاف أحجام القمر فيما يظهر للناس تيسيرًا للحساب؛ لأنه يساعد على معرفة أوائل الشهور وأنصافها، وأواخرها بدون حاجة لحساب مسبق يتعرض للخطأ، إن اختل في يوم أو يومين أثر في حساب السنة بكاملها.

المسألة الثالثة: أفرد الحج بالذكر؛ لأنه أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة، قاله أبو حيان، ولبيان أنه مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج، وأنه لا يجوز نقل تلك الأشهر لأشهر أخر، إنما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء، قاله القفال، والخازن بنحوه مبينًا عظم هذه الفائدة.

3. الأمر بالقتال في سبيل الله، مع النهي عن الاعتداء فيه والقتال بغير حق:

أ. بعض الآثار الواردة:

أخرج الواحدي في (أسباب النزول) والبغوي في (معالم التنزيل) معلقًا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: “نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صُدّ عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام؛ فيطوف بالبيت، ويفعل ما شاء، وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام، ويقاتلوهم.

وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم؛ فأنزل الله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني: قريشًا، وفي رواية: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ}، يعني: محرمين الذين يقاتلونكم، يعني: قريشًا ولا تعتدوا، يعني: فتبدءوا بالقتال في الحرم محرمين.

وأخرج أحمد، والبيهقي في (السنن الكبرى)، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في (الكبير) و(الأوسط) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: ((اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)).

وأخرج أبو داود واللفظ له، وابن أبي شيبة في (المصنف)، والبيهقي في (السنن الكبرى)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين)).

أخرج البخاري، ومسلم، ومالك في (الموطأ)، وأحمد، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي في الكبرى، وابن حبان، والدارمي، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) وابن الجارود والبيهقي في (السنن الكبرى) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان.

وعن ابن عباس: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} أي في طاعة الله في الحل والحرم {الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يبدءونكم بالقتال {وَلاَ تَعْتَدُوَاْ} لاتبتدءوا {إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} المبتدئين بالقتال في الحل والحرم.

وعن مجاهد في قوله الله تعالى ذكره: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بقتال الكفار.

وعن عمر بن عبد العزيز: إني وجدت آية في كتاب الله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني النساء والصبيان والرهبان.

ب. خلاصة أقوال المفسرين ومجمل كلامهم:

اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية؛ فقال بعضهم: هذه أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك؛ حيث أُمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم ثم نسخت ببراءة. وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله -تعالى ذكره- للمسلمين بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه عن قتل النساء والذراري، قالوا: والنهي عن قتلهم ثابت حكمه اليوم، قالوا: فلا شيء نسخ من حكم هذه الآية.

جـ. مسائل حول الآيات:

المسألة الأولى: الأثر المروي عن الحسن بإسناد صحيح عنه أن الآية فيمن قتل بعد أخذ الدية؛ الظاهر فيه أن ذكر هذه الآية هنا خطأ، وأن هذا الأثر محله عند قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَىَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وبالفعل بعد مراجعة الآثار الواردة في الآية المذكورة تبين أن الأثر أخرجه وكيع وعبد بن حميد، وابن جرير، عن الحسن بلفظ: في قوله: {فَمَنِ اعْتَدَىَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلًا ينضم إلى قومه؛ فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية، فيخرج الفار وقد أمن في نفسه فيقتله ويرمي إليه بالدية فذلك الاعتداء.

وأظن أن الخطأ في ذلك من عثمان بن محمد بن أبي شيبة أحد رواة الأثر؛ فقد قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ شهير، وله أوهام وقيل: كان لا يحفظ القرآن؛ فلعله اختلطت عليه الآيتان. والله أعلم. ويقوي ذلك ما جاء عن الحسن من غير هذه الطريق.

المسألة الثانية: المعنى الظاهر للآية والآثار الصحيحة الواردة في تفسيرها، يدل على الأمر بالقتال لمن قاتل، ولم تتعرض الآية لمن لم يقاتل في منطوقها، وإنما دل عليه مفهوم المخالفة عند من يأخذ به من أهل العلم، وهي مسألة خلافية، والأقرب أنه لا مفهوم لها، وإنما نص على قوله: {الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} تهييجًا وإغراء بهم كما ذكر ذلك ابن كثير، ويؤيده ورود الأمر مطلقًا في نفس السورة في الآية: 244 المتقدم ذكرها.المسألة الثالثة: تعرضت الآثار في تفسير الآية لبعض المنهيات في القتال، ومنها النهي عن قتل أصحاب الصوامع، والشيخ الفاني، ومن لم يقاتل، ونحو ذلك. والمسألة خلافية وليس هذا موضع تحريرها، وفي النهي عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان والفلاحين ونحوهم أحاديث وآثار كثيرة.

error: النص محمي !!