Top
Image Alt

إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، والمعنى الإجمالي

  /  إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، والمعنى الإجمالي

إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، والمعنى الإجمالي

أولًا: اللُغويّات التي تضمنتها الآيات، والأحاديث، والآثار الواردة فيها:

1. الآية (1): قال تعالى: {الَمَ}:

اختلف المفسّرون في الحروف المقطّعة التي في أوائل السُّور:

منهم مَن قال: هي ممّا استأثر الله بعلْمه، فردّوا علْمها إلى الله، ولم يُفسِّروها، ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء فى معناها على عدة أقوال:

القول الأوّل: لم يثبت فيه شيء عن أحد مِن السلف.

وأخرجه ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان، قال: المتشابهات -فيما بلغنا-: {الَمَ} [البقرة: 1]، و{الَمَصَ} [الأعراف:1]، و{الَمَر} [الرعد:1]، و{الَر} [يونس:1].

وأصحاب هذا القول اعتبروا ذلك مِن المتشابِه، المذكور في قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7].

القول الثاني: هي اسم مِن أسماء الله تعالى: وألفاظ الروايات، تحتمل أنّ الاسم يتكوّن مِن حروفها، أو أنّ كلّ حرف منها يشير لاسم من الأسماء، أو أنها يركّب منها اسم الله الأعظم؛ ثبت ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود.

القول الثالث: هو قسَم أقسم الله به: كما في رواية عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقد جمع فيه بين كونه من أسماء الله، وبين كونه قسمًا؛ ولا يمتنع ذلك.

القول الرابع: هي أسماء للسوَر: قال ابن كثير: “قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: “إنما هي أسماء السُّوَر”.

وعن مجاهد، أنه قال: “{الَمَ}، و{حـمَ}، و{الَمَصَ}، و{صَ}: فواتح افتتح الله بها”، أخرجه ابن جرير، وإسناده صحيح.

القول الخامس: هي للدلالة على مدة: فالعرب لهم حساب يسمَّى: “حساب الجمّل”، وذلك أنهم يحسبون كلّ حرف مِن حروف “أبي جاد”، بما يقابله من العدد، ابتداءً مِن واحد إلى عشرة، ثم عشرين إلى مائة، ثم مائتيْن… إلخ.

فمثلًا: أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي: تقابل: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، ك، ل، م، ن، ص: 20، 30، 40، 50، 60، وهكذا.

القول السّادس: أنّ هذه الحروف المقطّعة هجاء موضوع، وأظنه يعود إلى أنه مِن المتشابِه، لا يُعلَم معناه، فهو كمَن فسّر الماء بالماء.

قال ابن كثير: “وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم، استُغني بذكر ما ذُكر منها في أوائل السُّوَر، عن ذِكْر بواقيها؛ التي هي تتمّة الثمانية والعشرين حرفًا، كما يقول القائل: ابني يكتب في: ا، ب، ت، ث، أي: في حروف المعجم الثمانية والعشرين؛ فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها، حكاه ابن جرير”.

قال ابن كثير: “مجموع الحروف المذكورة في أوائل السُّوَر، بحذف المكرّر منها: أربعة عشر حرفًا، وهي: ا، ل، م، ص، ر، ك، هـ، ي، ع، ط، س، ح، ق، ن، يجمعها قولك: “نصّ حكيم قاطع له سِرّ”؛ وهي نصف الحروف عددًا، والمذكور منها أشرف مِن المتروك، وبيان ذلك مِن صناعة التصريف”.

القول السّابع: هي من التسعة والعشرين حرفًا: عن أبي العالية، في قوله تعالى: {الَمَ}، قال: “هذه الأحرف الثلاثة مِن التسعة والعشرين حرفًا، دارت فيها الألسن كلّها، ليس منها حرف إلَّا وهو مفتاح اسم مِن أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو مِن آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلّا وهو في مدّة أقوام وآجاله”.

قال ابن كثير: “كلّ سُورة افتُتحت بالحروف، فلا بدّ أن يُذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظَمته؛ وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع؛ ولهذا يقول تعالى: {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ (2) الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [آل عمران: 1- 3]، و {الَمَصَ (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ} [الأعراف: 1، 2]، و {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]، وغير ذلك مِن الآيات الدّالة على صحّة ما ذهب إليه هؤلاء، لِمَن أمعن النظر”.

وقال غيره: لولا أنّ العرب كانوا يعرفون أنّ لها مدلولًا متداولًا بينهم، لكانوا أوّل مَن أنكر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم بل تلا عليهم: “حم” فصلت، و “ص”، وغيرهما فلم ينكروا ذلك؛ بل صرّحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة.

2. الآية (2):  قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ}:

لُغويّات (مفردات، وبلاغة):

{ذَلِكَ}، بمعنى: هذا، والعرب تعارض بين اسمي الإشارة؛ فيستعملون كُلًا منهما مكان الآخَر؛ وهذا معروف عندهم.

وقيل: معناه: ذلك الكتاب الذي وُعدوا به.

قال الزمخشري: فإن قلتَ: لِم ذكَر اسم الإشارة، والمشار إليه مؤنّث، وهو السُّورة؟

قلتُ: لا أخلو مِن أن أجعل الكتاب: خبَره، أو صفته.

فإن جعلته خبَره، كان ذلك في معناه، ومسمّاه مسمّاه؛ فجاز إجراء حُكمه عليه في التذكير، كما أجرى عليه في التأنيث في قولهم: مَن كانت أمك؟

وإن جعلته صفَته، فإنما أشير به إلى الكتاب صريحًا؛ لأن اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له، تقول: هند ذلك الإنسان، أو ذلك الشخص فعل كذا.

والريب: الشك، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.

ويُستعمل أيضًا في الحاجة، كما قال بعضهم:

قضيْنا من تِهامة كلّ ريب

*وخيْبر ثم أجمَمْنا السيوفا

و”الريب”: مصدر: “رابني”، إذا حصل فيك الريبة؛ وحقيقة الريبة: قلَق النفس واضطرابها، ومنه ما روى الحسن بن علي قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبك؛ فإنّ الشك ريبة، وإن الصِّدق طُمأنِينة)).

قال الزمخشري: فإن قلت: فهلّا قدّم الظرف على الريب، كما قدّم على الغَوْل، في قوله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات:47]؟

قلت: لأنّ القصد في إيلاء الريب، حرف النفي: نفي الريب عنه، وإثبات أنه حقّ وصدق، لا باطل، وكذب كما كان المشركون يدّعونه.

و”المتّقون”: جمْع متقٍ: وهو لغة: اسم فاعل، من قولهم: وقاه فاتّقى.

والوقاية: فرْط الصيانة، ومنه: فرس واق.

وهو في الشريعة: الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة مِن فِعْل، أو ترْك.

ومحلّ {هُدًى لّلْمُتّقِينَ}: الرّفْع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبَر مع {لاَ رَيْبَ فِيهِ} لـ{ذَلِكَ}، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدّم خبرًا عنه.

الهُدى: مصدر على فعل كالسّرى، والبكى، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية؛ بدليل وقوع الضلالة في مقابلته، قال الله تعالى: {أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرُواْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ}، وقال تعالى: {لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ} [سبأ:24].

و{هُدًى} يحتمل -مِن حيث العربية- أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال.

3. الآية (3): قال تعالى: {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}:

لغويّات: (مفردات، بلاغة):

{يُؤْمِنُونَ} الإيمان: إفْعال، مِن: الأمْن، يقال: أَمَنْتُه وآمَنْتُه.

وأما تعْديته بالباء، فلِتضمينه معنى: أقرّ، واعترف.

وأما ما حكاه بعضهم عن العرب من قولهم: ما آمنت أنْ أجد صحابة، أي: ما وثقت؛ فحقيقته: صرت ذا أمن به، أي: ذا سكون وطمأنينة، وكِلا الوجهين حسَن، في: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}، أي: يعترفون به، أو يثقون بأنه حق.

ويجوز أن لا يكون بالغيب صلة للإيمان، وأن يكون في موضع الحال، أي: يؤمنون غائبين عن المؤمَن به، وحقيقته: ملتبسين بالغيب، كقوله: {الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ بِالْغَيْبِ} [فاطر:18]، و{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف:52].

{بِالْغَيْبِ}:

فإن قلت: فما المراد بالغيب، إن جعلته صلة، وإن جعلته حالًا؟

الجواب: إنْ جعلته صلة، كان بمعنى الغائب، إمّا تسمية بالمصدر من قولك: غاب الشيء غيْبًا، كما سمِّي المشاهد بالشهادة، قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ} [الأنعام: 73] والباء هنا للتعدية.

وإمّا أن يكون فَيْعلًا، يعني: أصله: غَيّب، أي: ما غاب، فخفّف فقيل: غَيْب، كما في نحو: ميّت وميْت.

والمراد بالغيب: الخفيّ الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلَّا علْم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلَمَناه، أو نصَب لنا دليلًا عليه؛ ولهذا لا يجوز أن يُطلق، فيقال: فلان يعلم الغيْب.

والغيب: ما يتعلق بالله وصفاته، والنبوات وما يتعلق بها، والبعث والنشور والحساب، والوعد والوعيد، وغير ذلك.

وإن جعلته حالًا، كان بمعنى: الغيبة، والخفاء، وتكون الباء هنا للمصاحبة.

{وَيُقِيمُونَ} معنى إقامة الصلاة: تعديل أركانها، وحفْظها من أن يقع زيغ في فرائضها، وسُننها، وآدابها، مِن: أقام العود، إذا قوّمه.

أو الدّوام عليها، والمحافظة عليها، كما قال -عز وجل-: {الّذِينَ هُمْ عَلَىَ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} [المعارج:23]، وقال: {وَالّذِينَ هُمْ عَلَىَ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج:34].

أو المراد: أداؤها، فعبّر عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها.

{الصّلاةَ}: أصْل الصلاة، في كلام العرب: الدعاء، قال الأعشى:

لها حارسٌ لا يبرحُ الدهرَ بيتَها

*وإن ذُبِحت صلَّى عليها وزمزَمَا

قوله: وإن ذُبحت، أي: أزيل ختمها، أخذ يدعو؛ مخافة أن تكون فسدت.

ثم استُعملت الصلاة، في الشرع في: ذات الركوع والسجود، والأفعال المخصوصة، في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.

{رَزَقْنَاهُمْ}: الرزق، في اللغة: العطاء.

وفي العرف: ما ينتفع به الحيوان، وقيل: إنه يعم غيره، كالنبات.

{يُنْفِقُونَ}: أنفق الشيء، وأنفده، أخوان.

وعن يعقوب: نفق الشيء، ونفد، واحد.

والإنفاق، والإنفاد: أخوان، خلا أنّ في الثاني: معنى الإذهاب كليةً، دون الأول.

والمراد بالإنفاق: الصرف إلى سبيل الخير، فرضًا كان أو نفلًا.

وجملة {وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: معطوفة على ما قبلها مِن الصلة، وتقديم المفعول؛ للاهتمام، والمحافظة على رءوس الآي.

4. الآيتان (4، 5): قال تعالى: {والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}:

لغويّات: (مفردات، وبلاغة):

قوله: {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ}: الإنزال هو الإيصال والإبلاغ، ولا يشترط أن يكون من أعلى، خلافًا لمن ادّعاه؛ وإن كان العلوّ هنا صحيحًا، نحو: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} [الصافات:177]، أي: وصل وحلّ.

وذكر أنّ معنى: إنزال القرآن: أنّ جبريل سمع كلام الله تعالى كيف شاء الله تعالى، فنزل به، أو أظهره في اللوح كتابة فحفظه الملَك.

وعدم ذكْر من أنزل إليه مِن الأنبياء -عليهم السلام- لِقصد الإيجاز، مع عدم تعلّق الغرض بالتفصيل، حسب تعلّقه به في قوله تعالى: {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [البقرة: 136].

وبناء الفعليْن للمفعول؛ لتعيّن الفاعل، والجري على شأن الكبرياء.

{وَبِالاَخِرَةِ}: تأنيث الآخِر: اسم فاعل، مِن: “أخر”، الثلاثي، بمعنى: تأخّر، وإن لم يُستعمل.

{يُوقِنُونَ}: الإيقان: إتقان العلْم بالشيء، بنفي الشكّ والشبهة عنه، وهو العلْم الحادث، سواء أكان ضروريًا، أو استدلاليًّا؛ ولذلك لا يُسمّى علْمه تعالى: يقينًا، ولا يوصف سبحانه بالمُوقِن. يقال: يقن الماء، إذا سكن وظهر ما تحته.

{الْمُفْلِحُونَ}: المفلِح: الفائز بالبُغية، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظّفر، ولم تستغلق عليه، والمفلج -بالجيم-: مثله.

و{هُمُ}: فصل، وفائدته: الدّلالة على أنّ الوارد بعده،: خبر لا صفة، والتوكيد وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره، أو هو: مبتدأ، و{الْمُفْلِحُونَ}: خبره، والجملة خبر: {وَأُوْلَـَئِكَ}.

ومعنى التعريف، في  {الْمُفْلِحُونَ}: الدلالة على أنّ المتّقين هم الناس الذين بلغك عنهم أنهم يفلحون في الآخرة.

وقوله تعالى: {وَأُوْلَـَئِكَ}: فيه دلالة على أنّهم متميِّزون بذلك أكمل تميّز، مُنتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد؛ للإشعار بعلوّ درجتهم، وبُعْد منزلتهم في الفضل.

وقوله عز وجل: {عَلَىَ هُدًى}: فيه من الإبهام المفهوم مِن التنكير؛ لكمال تفخيمه؛ كأنه قيل: على أيّ هدى؟!، هدى لا يُبلغ كنهه، ولا يقادر قدره.

وإيراد كلمة الاستعلاء، بناء على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى، بحال مَن يعتلي الشيء ويستولى عليه؛ بحيث يتصرّف فيه كيفما يريد، أو على استعارتها لتمسّكهم بالهدى، استعارة تبعيّة متفرّعة على تشبيهه باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه، أو على جعلها قرينة للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوب؛ للإيذان بقوة تمكّنهم منه، وكمال رسوخهم فيه، وقد صرّحوا بذلك، في قولهم: جعل الغواية مركبًا، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى.

وقوله تعالى: {مّن رّبّهِمْ} ذكر الرب، مع أنّ الهدى لا يكون إلا منه -سبحانه- تأكيدًا لذلك بإسناده إليه -جل شأنه- وفيه مناسبة واضحة؛ حيث كان ربهم، ناسب أن يهيِّئ لهم أسباب السعادتيْن، ويمنّ عليهم بمصلحة الداريْن.

و{مّن}: لابتداء الغاية، أو للتبعيض على حذف مضاف.

{أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى}: الجملة في محلّ الرفع، إن كان {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}: مبتدأ، وإلّا فلا محلّ لها.

5. الآيتان (6، 7): قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}:

لغويات: (مفردات، وبلاغة):

{كَفَرُواْ}: الكفر لغة: ستْر النعمة، وأصله: الكَفر -بالفتح- أي: السّتر، ومنه، قيل للزُّرَّاع: كُفّار، ولِلّيل: كافر؛ قال تعالى: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد:20]، وعليه قول لبيد:

في ليلة كَفَرَ النجومَ غمامُها*…. …. …. …. …. ….

والكفر في الشريعة: مقابل الإيمان، وهو: إنكار ما عُلم بالضرورة مجيءُ الرسولصلى الله عليه وسلم به.

{سَوَآءٌ}: سواء: اسم بمعنى: الاستواء، وُصف به كما يوصف بالمصادر، ومنه قوله تعالى: {تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران:64]، و{فِيَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَآءً لّلسّآئِلِينَ} [فُصِّلَت:10]، بمعنى: مستوية؛ ولا يُثنّى ولا يُجمع، وقد استغنوا عن تثنيته بتثنية “سي”، إلَّا شذوذًا.

{أَأَنذَرْتَهُمْ}: الإنذار: إعلام بالمخوف؛ للاحتراز عنه، والمراد ها هنا: التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي.

{خَتَمَ}: الختْم، والكتْم، أخوان؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه، كتمًا له وتغطية؛ لئلّا يُتوصّل إليه، ولا يُطّلع عليه.

{قُلُوبِهمْ}: والقلوب: جمْع قلب، وهو في الأصل مصدر سُمِّي به الجسم الصنوبري المودَع في التجويف الأيسر من الصدر.

وقال الشاعر:

قد سُمّي القلبُ قلْبًا مِن تقلّبهِ

*فاحذر على القلبِ مِن قلبٍ وتحويلِ

وهو العضو الرئيس الذي هو منشأ الحرارة الغريزية الممِدّة للجسد كلِّه، ويُكنى بصلاحه وفساده، عن صلاح صاحبه، أو فساده.

قال صلى الله عليه وسلم: ((ألَا وإنّ في الجسد مُضغةً، إذا صلَحتْ صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه؛ ألَا وهي: القلب)).

{سَمْعِهِمْ}: السّمع: إدراك القوّة السّامعة، وقد يُطلق عليها، وعلى العضو الحامل لها؛ وهو المراد ها هنا، إذ هو المختوم عليه أصالة.

{أَبْصَارِهِمْ}: البصر: نور العين، وهو ما يُبصر به الرائي، ويدرك المرئيات، كما أنّ البصيرة: نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمّل؛ وكأنهما جوهران لطيفان خلَقهما الله فيهما آلتيْن للإبصار، والاستبصار.

{غِشَاوَةٌ}: الغشاوة: الغطاء، فِعالة مِن: غشّاه إذا غطّاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء، كالعصابة، والعمامة، وتنكيرها؛ للتفخيم والتهويل، وهي -على رأي سيبويه-: مبتدأ، خبره: الظرف المقدّم، والجملة: معطوفة على ما قبلها.

{عَذَابٌ}: العذاب، مثل: النّكال بناءً ومعنًى؛ لأنك تقول: أعْذب عن الشيء، إذا أمسك عنه.

كما تقول: نكل عنه، ومنه: العذب؛ لأنه يقمع العطش ويرْدعه، بخلاف الملح فإنه يزيده، ثم اتّسع فيه، فسمّي كل ألم فادح عذابًا، وإن لم يكن نكالًا، أي: عقابًا يرتدع به الجاني عن المعاودة. 

{عظِيمٌ}: ذكر الراغب: أنّ أصل عظم الرّجُل: كبر عظمه، ثم استعير لكلّ كبير، وأُجري مجراه محسوسًا كان أو معقولًا، معنًى كان أو عينًا، والعظيم إذا استُعمل في الأعيان، فأصله أنْ يقال في الأجزاء المتّصلة، والكبير يقال في المنفصلة؛ وقد يقال فيها أيضًا: عظيم، وهو بمعنى: كبير، كجيش عظيم.

والفرْق بين العظيم، والكبير: أنّ العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير؛ فكأنّ العظيم فوق الكبير، كما أنّ الحقير دون الصغير.

6. الآيات (8 -10): قال تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}:

لغويّات: (مفردات، وبلاغة):

{النّاسِ}: هو اسم جمْع، لا واحد له مِن لفْظه.

وأصل ناس: أناس، حُذفت همزته تخفيفًا.

ويشهد لأصله: إنسان، وأناسيّ، وإنس، وسُمُّوا لظهورهم، وأنهم يؤنَسون. أي: يُبصَرون كما سُمِّي الجنّ لاجتنانهم، قال تعالى: {آنَسَ مِن جَانِبِ الطّورِ نَاراً} [القصص:29]، أي: أبصر.

ووزن ناس: فعال؛ لأن الزنة على الأصول.

وقيل: مأخوذ من: الأنس، ضّد الوحشة؛ لأنسه بجنسه؛ لأنه مدنيّ بالطبع، ومن هنا قيل:

وما سُمّي الإنسانُ إلا لِأُنسهِ

*ولا القلبُ إلَّا أنَه يتقلّبُ

و{مَن} في: {مَن يَقُولُ}: موصوفة، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله: {مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} [الأحزاب:23]، إن جعلتَ اللام للجنس.

وإن جعلتَها للعهد، فموصولة، كقوله: {وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ} [التوبة:61].

{وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ}: يحتمل أن يراد به: الوقت الدائم من الحشر؛ بحيث لا يتناهى، أو ما عيّنه الله تعالى منه إلى استقرار كلّ من المؤمنين، والكافرين فيما أعدّ له، وسُمِّي آخِرًا؛ لأنه آخِر الأوقات المحدودة.

{يُخَادِعُونَ}: الخداع: إظهار غير ما في النّفس، وأصله: الإخفاء. ومنه سُمِّي البيت المنفرد في المنزل: مخدعًا؛ لتستُّر أهل صاحب المنزل فيه.

والخدع: أن يوهم صاحبُه خلاف ما يريد به من المكروه، من قولهم: ضبّ خادع وخدِع، إذا أمرّ الحارش يده على باب جحره، أوهمه إقباله عليه، ثم خرج من باب آخر.

{أَنْفُسَهُم}: جمع: نَفْس، وتطلق على الدّم؛ لأن قوامها به، وعلى المودَع في الهيكل القائم به الحياة، وعلى الخاطر.

والنفس: حقيقة الشيء، وعينُه، ولا اختصاص لها بالأجسام؛ لقوله تعالى: {وَيُحَذّرْكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:28]، ثم قيل للقلب: نفْس؛ لأن النفس به.

{يَشْعُرُونَ}: الشعور: الإدراك بالحواسّ الخمس الظاهرة، ويكون بمعنى العلْم، قال الراغب: شعرت كذا، يُستعمل بوجهين: بأنّ يؤخذ من: مسّ الشّعر، ويعبر عنه عن اللمس، ومنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلان لا يشعر، فذلك أبلغ في الذمّ من أنه لا يسمع، ولا يبصر؛ لأن حسّ اللمْس أعمّ مِن حسّ السمع والبصر.

ومنه أخذ: الشاعر؛ لإدراك دقائق المعاني.

{مّرَضٌ}: المرض: عبارة عما يعرض للبدن، فيُخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفاعيله، ويؤدِّي إلى الموت، استُعير ها هنا، لما في قلوبهم من الجهل، وسوء العقيدة، وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من فنون الكفر المؤدِّي إلى الهلاك الروحاني، والتنكير، للدلالة على كونه نوعًا مبهمًا غير ما يتعارفه الناس من الأمراض.

والجملة، مقرّرة لما يفيده قوله تعالى: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} من استمرار عدم إيمانهم، أو تعليل له، كأنه قيل: ما لهم لا يؤمنون؟ فقيل: في قلوبهم مرض يمنعهم.

{أَلِيمٌ}: يقال: ألم فهو أليم، كوجع فهو وجيع، ووصف العذاب به، نحو قوله: “تحيّة بينهم ضربٌ وجيعُ”، وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه، والألم في الحقيقة للمؤلم، كما أن الجدّ للجادّ.

{يَكْذِبُونَ}: والكذب، هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه.

7. الآيات (11 – 13): قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ قَالُوَاْ إِنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلآ إِنّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـَكِن لاّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النّاسُ قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السّفَهَآءُ أَلآ إِنّهُمْ هُمُ السّفَهَآءُ وَلَـَكِن لاّ يَعْلَمُونَ}:

لغويّات: (مفردات، وبلاغة):

{تُفْسِدُواْ}: الفساد: خروج الشيء عن حال استقامته، وكونه منتفَعًا به، ونقيضه: الصّلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النّافعة.

والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن؛ لأن في ذلك فسادَ ما في الأرض، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع، والمنافع الدينيّة والدنيويّة.

قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلّىَ سَعَىَ فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ} [البقرة: 205].

{السّفَهَآءُ}: جمع سفيه، كما أنّ الحكماء: جمع حكيم، والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضارّ؛ ولهذا سمَّى الله النساء والصبيان سفهاء، في قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً} [النساء:5]، قال عامّة علماء التفسير: هم: النساء والصبيان، روي ذلك عن: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، والحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة.

ثانيًا: المعنى الإجمالي للآيات:

أ. المعنى الإجمالي للآية (2): {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ}:

التنويه بعظم القرآن، وتنزيهه عن أن يكون مظنّةً للارتياب والشكّ فيما احتواه، وأنه كلّه يهدي ويرشد إلى سلوك طريق الخير والصلاح، وتجنّب طريق الشر والزيغ والضلال.

ب. المعنى الإجمالي للآية (3): {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}:

أنّ الله يَصِف عباده المتّقين بأنهم يُحافظون على الصلوات المفروضة، بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ويؤدّونها بالخشوع والطمأنينة، ولا يُضيعون حق الله فيما رزقهم من مال؛ فينفقون منه على مَن وجبت عليهم نفقته، ويؤدّون زكاته الواجبة فيه، ويتصدّقون بما تيسّر، رجاء ثواب الله وابتغاء مرضاته.

ج. المعنى الإجمالي للآيتين (4، 5): {والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}:

تتحدّث الآيات عن بقيّة أوصاف المتّقين الذين اهتدَوْا بهذا القرآن. ومن ذلك: أنهم يؤمنون بجميع الكتب السماوية التي أنزلها الله عز وجل قبْل النبي صلى الله عليه وسلم مع إيمانهم بالكتاب الخاتم المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: القرآن الكريم، وسائر ما أُوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من السُّنّة المطهّرة، كما أنهم يؤمنون بالدار الآخرة وما فيها من معاد، وبعث، وجزاء على ما جاءهم عن ربهم، يقينًا لا يخالطه شكّ ولا ريب، وهؤلاء هم أصحاب المنزلة العالية عند الله، الذين قد خالط الهدى قلوبهم، واستحقّوا الفلاح والنجاح، وتحقيق مآربهم بالفوز في الدارين.

د. المعنى الإجمالي للآيتين (6، 7): {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}:

ذكر الله تعالى الصِّنف الثاني من أصناف الناس، وهم: الكافرون المعاندون المُظهِرون لكفرهم، فبيّن سبحانه أنه: كما كان القرآن {هُدًى لّلْمُتّقِينَ} فهؤلاء لا تنفعهم نذارة، ولا يُجدي معهم هداية، ومهما بلّغتهم النذر لا يؤمنون؛ حيث إن الله قد أغلق عليهم قلوبهم أن تفْقه أو تَعي، وأسماعهم أنْ تفهم أو تستجيب، وجعل على بصرهم غطاء لا يظهر لهم معه الآيات الباهرات، والدلائل الواضحات، وكلّ ذلك بعدْله سبحانه، وباستحقاق منهم لذلك، وسوف يجازيهم بكفرهم آلامًا شديدة لا تفارقهم، ولا تنقطع عنهم في حياتهم الآخرة.

هـ. المعنى الإجمالي للآيات (8 – 10): {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}:

ذكَر الله تعالى الصِّنف الثالث مِن الناس، وهم المنافقون؛ وهم وإنْ كانوا داخلين في الصنف الثاني، وهم: الكفار من حيث الجملة، إلَّا أنهم تميّزوا عنهم بأنهم يدّعون الإيمان؛ حيث ينطقون بما يدلّ عليه، وهو أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر، وهم في حقيقة الأمر ليسوا بمؤمنين؛ حيث يكْذبون في قولهم ذلك، ويظنّون أنهم يخدعون الله والمؤمنين بذلك الكذِب، ولا يدركون أنهم يخدعون أنفسهم، لِمَا يترتّب على فعْلهم من إمهالهم في الدنيا، ثم ينالهم العذاب الأليم في الآخرة بسبب كذِبهم، وقد زادهم الله رجْسًا إلى رجْسهم، وكفرًا إلى كفرهم؛ بسبب هذه المخادعة.

و. المعنى الإجمالي للآيات (11 – 13): {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ قَالُوَاْ إِنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلآ إِنّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـَكِن لاّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النّاسُ قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السّفَهَآءُ أَلآ إِنّهُمْ هُمُ السّفَهَآءُ وَلَـَكِن لاّ يَعْلَمُونَ}:

يذْكر تعالى طرفًا مِن صفات هؤلاء المنافقين، سواء منهم من كان أصلًا من أهل الكتاب، أو مِن مشركي العرب، فهم يفسدون في الأرض بأفعالهم الخبيثة؛ من إبطان للكفر، وموالاة للكافرين، وعملٍ بمعصية الله، فإذا نُهوا عن ذلك، ادّعوا أنهم إنما يصلحون بهذه الأفعال، تلبيسًا على الناصحين لهم، فردّ الله عليهم، بأنه لا إفساد أعظم ممّا يفعلونه؛ فهم المفسدون حقًا، وإن كانوا لا يشعرون بذلك، فقد فقدوا الإحساس، بانغماسهم في هذا النفاق، وإذا نوصحوا أن يسلكوا طريقة أهل الإيمان الحقة؛ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أسلم من مشركي العرب، ومن أهل الكتاب، استنكروا ذلك، ووصفوا هؤلاء الأخيار بالسّفه، والطيش وخفّة العقل، فردّ الله عليهم، بأنه لا سفاهة أعظم من سفاهتهم، ولكنهم لا يعلمون حقيقتهم؛ لِما أُغلقت عليه قلوبهم مِن كفر ونفاق.

error: النص محمي !!