Top
Image Alt

إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، وجواز التكسب في الحج

  /  إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، وجواز التكسب في الحج

إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات، وجواز التكسب في الحج

1. إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات: أولًا: الآية (198):

{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ}.

المناسبة:

ما زال الحديث متواصلًا عن الحج. وقال الألوسي: وجه الارتباط أنه تعالى لما نهى عن الجدال في الحج كان مظنة للنهي عن التجارة فيه أيضًا؛ لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها، فعقب ذلك بذكر حكمها.

اللغويات:

قال ابن جرير: الجناح: الحرج.

وقوله: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} يعني: أن تلتمسوا فضلًا من عند ربكم، يقال منه: ابتغيت فضلًا من الله، ومن فضل الله، أبتغيه ابتغاء: إذا طلبته والتمسته، وبغيته أبغيه بغيًا، كما قال عبد بني الحسحاس:

بغاك وما تبغيه حتى وجدته

*كأنك قد واعدته أمس موعدا

يعني: طلبك والتمسك.

وقيل: إن معنى ابتغاء الفضل من الله: التماس رزق الله بالتجارة، وأن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لا يرون أن يتجروا إذا أحرموا يلتمسون البر بذلك، فأعلمهم عز وجل أن لا بر في ذلك وأن لهم التماس فضله بالبيع والشراء.

المعنى الإجمالي:

تتضمن الآيات توجيهًا آخر من التوجيهات الربانية في الحج؛ حيث أشكل على بعض المسلمين قضية التجارة في الحج وهو من أساسات معاشهم، وقد سبق تلك الآية أمر الله لهم بالحج وبتجنب أمور فيه وبالتزود له؛ فكان في ذلك مدعاة لذهابهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه على تلكم المسألة المهمة المتعلقة بصحة حجهم وتمامه على وجهه الأكمل، ولا يستبعد وقوع السؤال منهم وهم في انتظار السماح لدخولهم مكة، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم هو نزول تلك الآيات ترفع عنهم الحرج في المتاجرة وتجمع لهم مع التجارة في الدنيا الأجر في الآخرة.

ثانيًا: الآيتان (198، 199):

{فَإِذَآ أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّآلّينَ (198) ثُمّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ}.

المناسبة: ما زال الحديث متواصلًا عن الحج.

اللغويات:

{أَفَضْتُم}:قال الرازي: الإفاضة: الاندفاع في السير بكثرة، ومنه يقال: أفاض البعير بجرته، إذا وقع بها فألقاها منبتة، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر، معناه: جمعها ثم ألقاها متفرقة، وإفاضة الماء من هذا؛ لأنه صب تفرق والإفاضة في الحديث إنما هي الاندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه، وعليه قوله تعالى: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61].

قوله: {عَرَفَاتٍ}:قال الرازي: “{عَرَفَاتٍ}: جمع عرفة، سميت بها بقعة واحدة، كقولهم: ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وأرض سباسب، والتقدير: كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطع بعرفات، فإن قيل: هلا منعت من الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث؟:

قلنا: هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منها مسماة بعرفة وعلى هذا التقدير لم يكن علمًا لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف”.

{الْمَشْعَرِ}: قال الرازي: “المعلم وأصله من قولك: شعرت بالشيء إذا علمته، وليت شعري ما فعل فلان، أي: ليت علمي بلغه وأحاط به، وشعار الشيء أعلامه، فسمى الله تعالى ذلك الموضع بـ{الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}؛ لأنه معلم من معالم الحج”.

المعنى الإجمالي:

في هذا الجزء من الآية يأمرهم الله تعالى بذكره عند المزدلفة ويرشدهم إلى الاهتمام به إذا رجعوا من عرفات إليها اعترافًا بفضل الله عليهم؛ إذ هداهم لما كانوا جاهلين به من أمر نسكهم وفيها تنبيه لهم بألا يشغلهم ما هم مقدمون عليه من التجارة في الأيام القادمة عن ذكر الله الذي هو أساس الحج والعبادات.

وقد دلت الآثار على أن المخاطب بهذه الآية جميع الناس بحيث تشمل الحمس ومن دان دينهم وإن كانوا هم سبب الخطاب بها، والمراد أمر جميع الحجاج بالإفاضة من المكان الذي أفاض منه عامة الناس لا المكان الذي ابتدعته الحمس وأن يكثروا من الاستغفار في هذا المكان لما فيه من فضيلة عظيمة؛ حيث يغفر الله لأهل الموقف كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة.

ثالثًا: الآية (200):

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}.

المناسبة: ما زال الحديث متواصلًا عن الحج.

اللغويات:

{مّنَاسِكَكُمْ}:نسك الرجل ينسك نُسْكًا ونُسُكًا ونسيكة ومَنْسَكًا إذا ذبح نسكه، والمنسك: اسم مثل المشرق والمغرب فأما النسك في الدين، فإنه يقال منه ما كان الرجل ناسكًا، ولقد نسك، ونسك نُسْكًا نُسُكًا ونَساكة، وذلك إذا تقرأ.

رابعًا: الآيتان (201، 202):

{وِمِنْهُمْ مّن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ (201) أُولَـَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

المناسبة: ما زال الحديث متواصلًا عن الحج.

اللغويات:

قوله: {وَقِنَا عَذَابَ النّارِ}: قال ابن جرير: “يعني بذلك: اصرف عنا عذاب النار.

المعنى الإجمالي:

دلت الآثار على أن هذه الآية تضمنت مرحلة من مراحل الحج -وهي المرحلة التالية للوقوف بجمع والصلاة بها- وهي مرحلة إراقة الدماء وذبح المناسك واستبدال ما كان يفعله أهل الجاهلية من التفاخر بالآباء عند الجمرة وغيرها، وطلب متاع الدنيا فقط لإنكارهم المعاد أثناء طوافهم للإفاضة وغيره، بذكر الله سبحانه بالتكبير يوم النحر وعلى الذبائح وعند رمي الجمرة وعند الطواف.

وأضافت هذه الآية حثهم على سؤال الله سبحانه خيري الدنيا والآخرة وحسنتهما أثناء ذلك وبين أن لهم نصيبًا وحظًّا من حجهم ومناسكهم وثوابًا جزيلًا على عملهم الذي كسبوه وأنه سبحانه محصيه لهم بأسرع حساب وأيسره.

خامسًا: الآية (203):

{وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِيَ أَيّامٍ مّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخّرَ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتّقَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوآ أَنّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.

المناسبة:ما زال الحديث متواصلًا عن الحج.

المعنى الإجمالي:

دلت الآثار على أن الله سبحانه أمر عباده من الحجيج في هذه الآية بأن يذكروه في أيام التشريق -وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر- بالتكبير فيها، وأقل ما يصدق عليه اسم التكبير فيها التكبير عند رمي الجمار، ووعدهم سبحانه بأن يغفر ذنوب من اتقاه في حجه سواء بقي لذكره في اليوم الثالث منها أم تعجل فانصرف بعد ذكره له في اليوم الثاني عند رمي الجمار، مع اعتقاد أفضلية التأخير لأنه السنة، ثم يأمرهم تعالى بالاستدامة على تلك التقوى إلى أن يلقوه سبحانه.

سادسًا: الآية (204- 207):

قوله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَىَ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلّىَ سَعَىَ فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}.

المناسبة:

قال الرازي: “اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان: كافر وهو الذي يقول: {رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا}، ومسلم وهو الذي يقول: {رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ} بقي المنافق؛ فذكره في هذه الآية، وشرح صفاته وأفعاله، فهذا ما يتعلق بنظم الآية والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه”.

وأقول: يمكن أن تكون المناسبة متعلقة بكون الآيات السابقة كانت تتحدث عن الجهاد ومقاتلة الكفار، وكان سبب ذلك: عمرة الحديبية، التي استدعت الكلام عن الحج وأحكامه، فناسب العودة لذلك الخبر عن تلك السرية التي خرجت تقاتل في سبيل الله فوجد من الناس من يصد عن التضحية والبذل في سبيل الله ويكتفي بحلو المنطق، كما وجد من الناس من يصد عن سبيل الله بمنع المسجد الحرام عن زواره وعماره ويتشدق بأنه من أهله.

اللغويات:

قوله: {أَلَدّ}: قال ابن جرير: “الألد من الرجال: الشديد الخصومة.

قوله: {سَعَىَ}: السعي في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني: به يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى:

وسعى لكندة سعي غير مواكل

*قيس فضر عدوها وبنى لها

يعنى بذلك: عمل لهم في المكارم.

قوله: {الْحَرْثَ وَالنّسْلَ}: الحرث هو ما يكون منه الزرع، والنسل في اللغة: الولد.

قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}: فيه وجهان:

الوجه الأول: أن المهاد والتمهيد: التوطئة، وأصله من المهد، قال تعالى: {وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ}  [الذاريات: 48]، أي: الموطئون الممكنون، أي: جعلناها ساكنة مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم، وقال تعالى: {فَلأنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] أي: يفرشون ويمكنون.

الوجه الثاني: أن يكون قوله: {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} أي: لبئس المستقر كقوله: {جَهَنّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}   [إبراهيم: 29] وقال بعض العلماء: المهاد الفراش للنوم، فلما كان المعذب في النار يلقى على نار جهنم جعل ذلك مهادًا له وفراشا.

قوله: {يَشْرِي}: وردت هذه المادة في القرآن في عدة آيات منها قوله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}   [يوسف: 20] أي: باعوه مقابل ثمن بخس ودخلت الباء على المبيع به وقوله: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالاَخِرَةِ} [النساء: 74] أي: يبيعون الدنيا مقابل الآخرة وقوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] يعني: باعوها. وقال الخازن: “ذكر المفسرون أن المراد بهذا الشراء البيع ومنه قوله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي: باعوه”.

وقال ابن عطية: ” {يَشْرِي} معناه: يبيع” واستشهد له بقول الشاعر:

وشريت بردًا ليتني

*من بعد برد كنت هامة

المعنى الإجمالي:

دلت الروايات الواردة في الآيات بعد اجتناب الروايات الضعيفة على نزول الآيات في وقعة هذيل بالرجيع التي قتل فيها خبيب وأصحابه، وهي من المواضع التي تحتاج إلى ربط بين السيرة والتفسير وتتطلب تحقيق الروايات الواردة في هذا الموضع من السيرة، وقد أخرج حديث تلك الوقعة البخاري في صحيحه وذكر عاصم بن عمر بن قتادة ارتباطها بجماعة أظهروا الإسلام وتعلقها بقصة بئر معونة وقد كانت قريبة منها، ودل على ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت على بني لحيان الذين قتلوا خبيبًا ومن معه وعلى رعل وذكوان الذين قتلوا القراء وظهر منهم الكفر بعد إظهارهم للإسلام؛ فليس ممتنعًا -والله أعلم- أن تكون الآيات نازلة في الوقعتين لارتباطهما وتشابه الحال فيهما؛ فالأولى على ما ذكرت رواية البخاري كانت سرية أرسلت عينًا، ولا مانع من كون سبب الإرسال تفقيه من أتى من عضل والقارة وادعوا إسلامًا كما في مرسل عاصم بن عمر بن قتادة، والثانية كانت كما في رواية للبخاري أيضًا استمداد من رعل وذكوان وعصية على عدو لهم، وهذه الرواية جمعت معهم بني لحيان وبينت رواية أخرى عند البخاري اشتراك الوقعتين في أمر إسلام هذه القبائل ظاهرًا وطلبهم المدد على عدوهم ويدخل فيه التفقه أيضًا كما بينته الروايات الأخرى وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم لهم طلبهم ثم غدرهم بمن أرسلوا وتقتيلهم إياهم، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خبيبًا ومن معه إلى جهة بني لحيان وأرسل القراء إلى جهة رعل وذكوان وعصية.

وعليه؛ فمع التأمل يكون سبب النزول كما ذكر ابن عباس قصة خبيب وتلحق بها قصة القراء للاشتراك في التوقيت والسبب وما إلى ذلك، فأما أمر المنافقين الذين ذكرهم الله في الآية بقوله: {وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} فكما ذكرت رواية ابن عباس جماعة من المنافقين سخروا من هؤلاء القوم الأخيار وتكلموا عليهم، فأخبر الله بما في نفوسهم الخبيثة وطويتهم المنتنة التي لم تظهر بعد منهم؛ وإنما ظهرت ممن شابههم تعريضًا بالقبائل التي ادعت الإسلام ظاهرًا وتشدقت بطلب التفقه والمفقهين فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعجبه قولهم بدليل إجابته لطلبهم وإرساله خيرة أصحابه معهم سعوا في الأرض فسادًا بتأليب قومهم على هؤلاء الأخيار حتى أبادوهم وأعملوا فيهم السيوف فتبين أنهم ألد الخصام، فكذا هؤلاء المنافقون الذين تكلموا بما تكلموا به لو سنحت لهم الفرصة لسعوا في الأرض فسادًا بالقتل والتخريب المعبر عنه بإهلاك الزرع ونسل الإنسان والحيوان وإذا أمر أحدهم بأن يتقي الله عز وجل فيما يقول ويعمل تأخذه العزة بالإثم ولا يقبل هذا الوازع على الخير؛ فالنتيجة الحتمية لهؤلاء جهنم التي مهدوها لأنفسهم وهي حسبهم لعنهم الله، ولا مانع أن يكون من هؤلاء الأخنس بن شريق إن صح إسلامه ظاهرًا فقد ذكر فيمن ألب على خبيب وأصحابه، ولا مانع أن يكون منهم عبد الله بن أبي بن سلول؛ فعدم انتهائه إذا أمر بالتقوى وتصلفه مشهور في السيرة.

وأما أمر المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ} فالمراد هؤلاء البررة الأتقياء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله وهانت عليهم أرواحهم ابتغاء مرضاته والفوز بجناته، ومنهم عاصم وأصحابه السبعة الذين نزلوا لقتال مائة رامٍ ولم يسلموا أنفسهم كمن يستقتل بين الصفوف، ومنهم حرام بن ملحان الذي نضح الدم على وجهه وقال: فزت ورب الكعبة، وغيرهم رضي الله عنهم وقد حقت لهم الرأفة من الله والتي تجلت في مواقف من هاتين الوقعتين خلا ما يدخره لهم في الآخرة؛ فقد قال عاصم: اللهم أخبر عنا نبيك. وقال القراء: ربنا أخبر عنا إخواننا. فأنزل الله فيهم من منسوخ التلاوة: “بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا”. ومن ذلك حماية الله سبحانه جسد عاصم من المشركين بالدبر، ورفع عامر بن فهيرة بين السماء والأرض.. ونحو ذلك مما ذكر في السيرة، وليس ببعيد أيضًا أن يكون ذلك القرآن منسوخ التلاوة كان مكانه هنا في تلك السورة بعد تلك الآيات، على نحو ما جاء في قوله تعالى {وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَآ إِنّنَآ آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النّارِ} ثم نسخت تلاوة ما ذكر لتعم الآيات كل المنافقين وكل من يشري نفسه لله وهو المتقرر، والله أعلم.

2. جواز التكسب في الحج:

أ. الآثار:

أخرج البخاري وأبو داود والحاكم وإسحاق بن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام، كأنهم كرهوا أن يتجروا في الحج فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} [البقرة: 198]، في مواسم الحج وفي رواية قال: قرأ ابن عباس كذا.

عن مجاهد في قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} قال: التجارة أحلت لهم في المواسم، قال: فكانوا لا يبيعون، أو يبتاعون في الجاهلية بعرفة، زاد في رواية: “ولا منى”.

عن مجاهد، قال: كان ناس يحجون ولا يتجرون، حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} فرخص لهم في المتجر والركوب والزاد وفي رواية: في الموسم.

ب. أقوال المفسرين:

قال الألوسي: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: حرج في {أَن تَبْتَغُواْ} أي: تطلبوا {فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} أي: رزقًا منه تعالى بالربح بالتجارة في مواسم الحج.

واستدل بها على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج، وإن ذلك لا يحبط أجرًا ولا ينقص ثوابًا.

وقال الرازي: ذكر المفسرون في تفسير قوله: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} قولين:

القول الأول: أن المراد هو التجارة، ونظيره قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللّهِ} [المزَّمل: 20] وقوله: {جَعَلَ لَكُمُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}  [القصص: 73] ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان:

الوجه الأول: ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرءا: “أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج”.

الوجه الثاني: الروايات المذكورة في سبب النزول…

فذكر الروايات مع اختلاف وزيادات في المتون ثم قال: إذا ثبت هذا؛ فنقول: أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج، قال: والتقدير: فاتقونِ في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ}، ونظيره قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللّهِ وَاذْكُرُواْ اللّهَ} [الجمعة: 10].

واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه: فذكرها، ثم قال:

القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} هو أن يبتغى الإنسان حال كونه حاجًّا أعمالًا أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر -عليهم السلام- واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب، ولا يقال في مثله: لا جناح عليكم فيه، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات.

والجواب: لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} [النساء: 101] والقصر بالاتفاق من المندوبات، وأيضًا؛ فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللًا في الحج ونقصًا فيه، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}.

جـ. مسائل الآية:

المسألة الأولى: جميع الآثار تدلل على جواز التجارة في الحج وصحة حج المكاري ونحوه، وقال الجصاص: لا نعلم أحدًا روي عنه خلاف ذلك إلا شيئًا رواه سفيان الثوري عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير قال: سأله أعرابي فقال: إني أكري إبلي وأنا أريد الحج أفيجزيني؟ قال: لا، ولا كرامة، وهذا قول شاذ خلاف ما عليه الجمهور وخلاف ظاهر الكتاب في قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ} فهذا في شأن الحاج؛ لأن أول الخطاب فيهم وسائر ظواهر الآي المبيحة لذلك دالة على مثل ما دلت عليه هذه الآية نحو قوله: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللّهِ} [المزَّمل: 20] وقوله: {وَأَذّن فِي النّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىَ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ (27) لّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 27، 28] ولم يخصص شيئًا من المنافع دون غيرها فهو عام في جميعها من منافع الدنيا والآخرة، وقال تعالى: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا}  [البقرة: 275] ولم يخصص منه حال الحج وجميع ذلك على أن الحج لا يمنع تجارة وعلى هذا أمر الناس من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا في مواسم منى ومكة في أيام الحج، والله أعلم.ا هـ.

وفي الحقيقة الأثر الذي ذكره الجصاص قد رواه ابن أبي شيبة وأرى أن عبد الكريم الذي فيه هو ابن أبي المخارق، قال الحافظ ابن حجر: ضعيف، فالرواية ضعيفة، وهي مخالفة لما تقدم بسند صحيح عن سعيد بن جبير في سبب النزول كالجماعة.

error: النص محمي !!