Top
Image Alt

إعراب الآيات، ومعاني الكلمات، وأخذ الله الميثاق على أهل الكتاب

  /  إعراب الآيات، ومعاني الكلمات، وأخذ الله الميثاق على أهل الكتاب

إعراب الآيات، ومعاني الكلمات، وأخذ الله الميثاق على أهل الكتاب

أولًا: إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:

1. الآيات (84 – 86): قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مّن دِيَارِكُمْ ثُمّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمّ أَنْتُمْ هَـَؤُلآءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مّنْكُمْ مّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىَ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدّونَ إِلَىَ أَشَدّ الّعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالاَخِرَةِ فَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}:

القراءات:

{تَظَاهَرُونَ}: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {تَظَاهَرُونَ} -بتخفيف الظاء- وأصله بتاءين حُذفت ثانيتهما عند أبي حيان، وأُولاهما عند غيره، من باب التخفيف، وقرأ باقي السبعة بالتشديد على إدغام التاء في الظاء؛ والقراءتان بمعنًى.

{أُسَارَىَ}: قرأ حمزة بفتح الهمزة، وسكون السين، من غير ألف: “أَسْرَى”، جمع أسير، بمعنى: مأسور، وقرأ الباقون بضمّ الهمزة، وفتح السين، وبألف بعدها، على وزن: “فُعَالَى” جمع: أسرى؛ كسَكْرى وسُكارى، وقيل: جمْع أسير أيضًا.

{تُفَادُوهُمْ}: هكذا قرأها نافع، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وابن عامر، وخلَف العاشر: “تَفْدُوهُمْ”، وعليه حمَل البعضُ قراءة الباقين؛ إذ لا مفاعلة، وقيل: المفاعلة على بابها: يُعطي الأسيرُ المال، ويُعطَى الإطلاق.

المناسبة:

ما زال الحديث متتاليًا في ذِكْر جرائم وفظائع بني إسرائيل.

اللغويّات:

{تَسْفِكُونَ}: السَّفْك: صبُّ الدّم، ونثر الكلام. وسفَك الدم والدمع والماء، يَسْفِكه سَفْكًا، فهو مَسْفوك وسَفِيك: صبّه وأهراقه؛ وكأنه بالدم أخصّ، وقيل: هو الإراقة، والإجراء لكلِّ مائع.

{دِمَآءِكُمْ}: الدماء: جمع دم، وهو معروف، ولامُه محذوفة، وهي: يَاء عند بعض؛ لقوله: جرى الدّمَيان بالخبر اليقين، وواو عند آخَرين؛ لقولهم: دمَوان، ووزنه: “فَعْل”، وقد سُمِع مقصورًا، وكذا مشدَّدًا.

{أَقْرَرْتُمْ}: الإقرار: ضد الجَحْد، ويتعدّى بالباء.

قيل: ويحتمل أنه بمعنى: إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به.

{تَظَاهَرُونَ}: التظاهر: التعاون، وأصله مِن: الظّهر؛ كأن المتعاوِنين يُسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه.

{بِالإِثْمِ}: هو الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذّمّ واللّوم.

وقيل: ما تنفر منه النفْس، ولا يطمئن إليه القلب، وفي الحديث: ((الإثْم: ما حاك في صدرك)).

{وَالْعُدْوَانِ}: تجاوز الحدّ في الظلم.

والـ{أُسَارَىَ}: قيل: جمع أسير، بمعنى: مأسور، وكأنهم حملوا “أسيرًا”، على: “كسلان”، فجمعوه جمْعه، كما حملوا “كسلان” عليه، فقالوا: كُسالَى؛ كذا قال: سيبويه.

ووجْه الشبه: أن الأسير محبوس عن كثير مِن تصرّفه للأسر، والكسلان محبوس عن ذلك لعادته.

وقيل: إنه مجموع هكذا ابتداء من غير حمل، كما قالوا في: “قديم”، و “قُدامى”.

والخزي: الهوان، وقال ابن السكيت: معنى خَزِي: وقع في بلية، وخَزِي الرجل خَزَايَة، إذا استحيا، وهو خزْيان، وقوم خزَايا.

و{الدّنْيَا}: مأخوذة مِن: دنَا يَدْنُو، وياؤها منقلبة عن واو، ولا يحذف منها الألف واللام إلا قليلًا، وخصّه أبو حيان بالشِّعر.

2. الآيات (87 88): قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ الْكِتَابَ وَقَفّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىَ أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مّا يُؤْمِنُونَ}:

القراءات:

لا يوجد أوجه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

ما زال الحديث عن بني إسرائيل، قال الألوسي: “{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ الْكِتَابَ}: شروع في بيان بعض آخر مِن جناياتهم؛ وتصديره بالجملة القسمية؛ لإظهار كمال الاعتناء به”.

اللغويّات:

{وَقَفّيْنَا}: يُقال: قَفَّاه، إذا أَتْبَعَه من القَفَا، نحو: ذَنَّبَه من الذنب. وقَفَّاه به: أَتْبَعَه إيّاه، وأصل هذه الياء: واو؛ لأنها متى وقعت رابعة أُبْدِلَت، كما تقول: عَرَيْت من العُرْو.

{عِيسَى}: بالسريانية: يَشُوع، وبالعِبرانية: إِيشوع -بهمزة ممالة بيْن بيْن، أو مكسورة- ومعناه: السيد، وقيل: المبارك، فعُرِّب. والنسبة إليه: عِيسِيّ، وعِيسَويّ، وجمعه: عِيسَون -بفتح السين، وقد تُضمّ.

و{مَرْيَمَ} بالعبرية: الخادم، وسُمّيت أم عيسى به؛ لأن أمّها نذرتها لخدمة بيت المقدس، وقيل: العابدة، وبالعربية من النساء: مَن تحب محادثة الرجال؛ فهي كالزِّير من الرجال، وهو: الذي يحب محادثة النساء، وبه فُسِّر قول رؤبة:

قلتُ لزيرٍ لم تَصِلْهُ مَريَمُه

{الْبَيّنَاتِ}: المعجزات الواضحات والحجج، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمُغَيَّبَات.

و{تَهْوَىَ}: مِن: هَوِي -بالكسر- إذا أحبّ، ومصدره: هَوَى –بالقصر- وأما هَوَى -بالفتح- فبمعنى: سقط، ومصدره: هُوِيّ –بالضم- وأصله: “فُعُول”، فَأُعِلِّ.

{غُلْفٌ}: جمع أَغْلَف، كأَحْمر وحُمْر، وهو الذي لا يفقه.

وقيل: مستعار مِن الأَغْلَف، ذو الغلفة الذي لم يُختَن.

3. الآيات (89 92): قوله تعالى: {وَلَمّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمّا جَآءَهُمْ مّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىَ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مّهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مّوسَىَ بِالْبَيّنَاتِ ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}:

القراءات:

لا يوجد في الآيات أوجه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

لا زلنا مع بني إسرائيل وسوْق فضائحهم ومخازيهم، والآيات استكمال لِمَا سبق في الآية، من مواقف يهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنكارهم بعثته، وكتمهم صفته.

اللغويَّات:

{يَسْتَفْتِحُونَ}: السين للمبالغة، أي: يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في: استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضًا أن يفتح عليهم.

والبغْي: في الأصل: الظلم والفساد، مِن قولهم: بَغَى الجُرح، أي: فسد؛ قاله الأصمعي. وقيل: أصله: الطّلب، وتختلف أنواعه: ففي طلب زوال النعمة: حسد، والتجاوز على الغير: ظُلم، والمراد به هنا: طلب ما ليس لهم؛ فيئول إلى الحسد.

{فَبَآءُو}: باء إلى الشيء، يَبُوء بَوْءًا، أي:رجع، وباء بذنبه وبإثمه: احتمله، وصار المُذنِب مأوى الذنْب، وباءوا بغضب أي: احتملوه، يقال: قد بُؤت بهذا الذنب، أي: احتملته.

والمُهين: المُذِلّ، وأصله: مُهْوِن، فَأُعِلّ.

ووراء: في الأصل: مصدر لاشتقاق المواراة، والتواري منه، ثم جُعل ظرف مكان. ويضاف إلى الفاعل فيراد به المفعول، وإلى المفعول فيراد به الفاعل، أعني: السائر، ولصدْقه على الضِّدّيْن: الخلف، والأمام، عُدّ من الأضداد، وليس موضوعًا لهما.

4. الآيات (93 96): قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدّارُ الاَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مّن دُونِ النّاسِ فَتَمَنّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلَىَ حَيَاةٍ وَمِنَ الّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}:

القراءات:

لا يوجد في الآيات أوجه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

لا زال الحديث عن بني إسرائيل ومخازيهم وفضائحهم، وإظهار كذبهم في دعاواهم مِن صدْق الإيمان، ومحبّة الله لهم، وأنهم أصحاب الجنة دون الناس، وأنهم لن تمسّهم النار إلا أيامًا معدودة، إلى غير ذلك ممّا تقدّم.

اللغويّات:

{وَأُشْرِبُواْ}: الإِشْراب: مخالطة المائع الجامد، وتُوسِّع فيه حتى صار في اللّونيْن، ومنه: بياض مُشرَب بحمرة.

وقيل: “أُشْرِبُوا”، مِن: أَشْرَبْت البعير، إذا شَدَدْت في عنقه حبلًا، كأنّ العجل شُدّ في قلوبهم؛ لشغَفهم به.

{خَالِصَةً}: الخالص: الذي لا يشوبه شيء، أو ما زال عنه شَوْبه.

{دُونِ}: للاختصاص وقطع الشركة، يُقال: هذا لي دونك، وأنت تريد: لا حقّ لك فيه معي، ولا نصيب.

{يَتَمَنّوْهُ}: المراد بالتمني: قول الشخص: “ليت كذا!”، و “ليت”، مِن أعمال القلب، أو الاشتهاء بالقلب، ومحبة الحصول مع القول.

{وَلَتَجِدَنّهُمْ}: تَجِد مِن: وَجِد بعقله، بمعنى عَلِم المتعدية إلى مفعوليْن، والضمير: مفعول أول، و{أَحْرَصَ}: مفعول ثان.

{أَلْفَ سَنَةٍ}: الألف: العدد المعلوم مِن: الأَلفة؛ إذ هو مُؤلّف من أنواع الأعداد بناءً على مُتعارف الناس، وإن كان الصحيح أنّ العدد مركّب من الوحدات التي تحته، لا الأعداد.

وأصل {سَنَةٍ}: سَنْوَة؛ لقولهم: سنوات، وقيل: سَنْهَة، كجبهة؛ لقولهم: سَانَهْتُه، وتَسَنَّهَت النخلة، إذا أتت عليها السُّنُون، وسُمِعَ في الجمْع: سَنَهَات.

{بِمُزَحْزِحِهِ}: الزحزحة: التَبْعِيد والإنحاء، وهو مضاعف مِن: زَحَّ يَزِحّ زَحًّا، ككَبْكَب مِن كَبَّ.

ثانيًا: أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب، بألّا يسفك بعضهم دم بعض:

أقوال المفسّرين:

يقول الله تعالى، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج؛ وذلك أن الأوس والخزرج -وهم الأنصار- كانوا في الجاهلية عبّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر؛ وذلك حرام عليه في دِينه ونص كتابه، ويُخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكْم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}؛ ولهذا قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مّن دِيَارِكُمْ}، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: {فَتُوبُوَاْ إِلَىَ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ}، وذلك أن أهل “الملة الواحدة”، بمنزلة النفس الواحدة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتواصلهم، بمنزلة الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر)).

وقال الزمخشري: “جعل غير الرجل نفسه إذ اتصل به أصلًا أو دينًا”.

{ثُمّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}، أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحّته، وأنتم تشهدون به.

كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا، شاهد عليها.

وقيل: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} اليوم -يا معشر اليهود- على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.

{ثُمّ أَنْتُمْ هَـَؤُلآءِ}: تقديره: ثم أنتم يا هؤلاء. ومنع كثير من النحاة حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، وسوّغه بعضهم، وهو ظاهر السياق.

وقيل: {هَـَؤُلآءِ} بمعنى: “الذين”، ومعناه: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم… إلى آخره.

وقيل: معناه: ثم أنتم اليوم: مبتدأ وخبر، أي: ثم صرتم بعد العهود والمواثيق، على ما أنتم عليه من الصفة المُفسَّرة بما بعده.

{تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مّنْكُمْ مّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىَ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}.

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ}؟ أي: بالفداء، وتكفرون ببعض، أي: بالقتال والإجلاء، والاستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى؛ إذ العهد كان بثلاثة أشياء: ترك القتل، وترك الإخراج، ومفاداة الأسارى. فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد، وفدَوْا بمقتضاه.

وقيل: المواثيق أربعة، فزيد ترك المظاهرة.

وترشد الآية الكريمة إلى: ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك، وشهادتهم له بالصحة؛ فلهذا لا يؤتَمَنون على ما فيها ولا على نقْلها، ولا يصدَّقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعْته، ومبعثه، ومخرجه، ومهاجَره، وغير ذلك من شئونه التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله. واليهود -عليهم لعائن الله- يتكاتمونه فيما بينهم؛ ولهذا قال تعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا}، أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره.

والمراد به هنا: الفضيحة والعقوبة، أو ضرب الجزية غابر الدهر، أو غلبة العدو، أو قتل قريظة وإجلاء النضير من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات.

وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “كان عادة بني قريظة القتل، وعادة بني النضير الإخراج. فلما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير، وقتل رجال قريظة، وأسر نساءهم وأطفالهم”، وتنكير الخزي للإيذان بفظاعة شأنه، وأنه بلغ مبلغًا لا يُكنه كنهه، ومن هنا لم يخصّه بعضهم ببعض الوجوه، وادّعى أنّ الأظهر في ذلك: جعل الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض -أيّ بعض كان- ولذلك أفردها؛ وحينئذ يتناول الكفرة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونظيره من يفعل جميع ذلك.

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدّونَ إِلَىَ أَشَدّ الّعَذَابِ}، أي: يصيرون إليه، فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في أشد العذاب.

وقد يُراد بالرّدّ: الرجوع إلى ما كانوا فيه، كما في قوله تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىَ أُمّهِ}، وكأنهم كانوا في الدنيا، أو في القبور، في أشد العذاب أيضًا، فرُدّوا إليه، والمراد به: الخلود في النار وأشدّيّته؛ من حيث إنه لا انقضاء له.

{وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالاَخِرَةِ}، أي: استحبوها على الآخرة واختاروها {فَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ}، أي: لا يُفتَّر عنهم ساعة واحدة.

و{وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}، أي: وليس لهم ناصر ينقذهم ممّا هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه.

قال الألوسي: {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ}: “اعتراض وتذييل لتأكيد الوعيد المستفاد ممّا قبله، أي: أنه بالمرصاد، لا يغفل عما تعملون من القبائح التي من جملتها هذا المنكر. والمخاطَب به من كان مخاطَبًا بالآية قبل، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: “إن بني إسرائيل قد مضوْا وأنتم تُعنون بهذا يا أمة محمد، وبما يجري مجراه!”.

قال: {أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالاَخِرَةِ}، أي: آثروا الحياة الدنيا، واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها، مع تمكنهم من تحصيلها؛ فلا يخفف عنهم العذاب الموعودون به يوم القيامة، أو مطلق العذاب، دنيويًّا كان أو أخرويًّا”.

ثالثًا: مِنَّة الله على بني إسرائيل، بإنزال التوراة، وبعث عيسى عليه السلام:

أقوال المفسّرين:

يَنْعَتُ -تبارك وتعالى- بني إسرائيل بالعتوّ والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتّبعون أهواءهم؛ فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب -وهو التوراة في قول الجمهور- فحرّفوها وبدّلوها، وخالفوا أوامرها وأَوَّلوها.

والمراد بإيتائها له: إنزالها عليه.

وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: “أن التوراة نزلت جملة واحدة، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام بحمْلها فلم يُطق، فبعث بكل حرف منها ملكًا، فلم يطيقوا حمْلها؛ فخفّفها الله تعالى لموسى عليه السلام فحمَلها”.

وقيل: يُحتمل أن يكون {آتَيْنَا} إلخ: أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك ممّا فيه؛ والكلام على حذف مضاف، أي: علْم الكتاب أو فهْمه؛ وليس بالظاهر.

وأرسل الله الرسل والنبيِّين مِن بعْده، الذين يحكمون بشريعته، كما قال تعالى: {إِنّآ أَنزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلّذِينَ هَادُواْ وَالرّبّانِيّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} [المائدة:44]؛ ولهذا قال: {وَقَفّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرّسُلِ}، قال أبو مالك: “أتبعنا”. وقال غيره: أردفنا، والكلّ قريب، كما قال تعالى: {ثُمّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون:44]، يعني: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل.

{وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}، أي: قوَّيناه بجبريل عليه السلام وإطلاق روح القدس عليه شائع، فقد قال سبحانه: {قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} [النحل:102].

قال ابن كثير: “والدليل على أنّ روح القدس هو جبريل، كما نصّ عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، وإسماعيل بن أبي خالد، والسدي ، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، مع قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ (193) عَلَىَ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193، 194]: ما قاله البخاري… فذكر حديث عائشة في شِعْر حسّان، ثم أتبعه بحديث أبي هريرة، ثم قال: وفي شعر حسّان قوله:

وجِبريل رسولُ الله فينا

*ورُوح القُدْس ليس به خَفاءُ

قال ابن جرير: “وأوْلى التأويلات في ذلك بالصّواب: قول من قال: الروح في هذا الموضع: جبريل، لأن الله عز وجل أخبر أنه أيّد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىَ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [المائدة: 110]؛ فذكر أنه أيّده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قوله: {إِذْ أَيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ}، و{وَإِذْ عَلّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} تكرير قول لا معنى له، والله أعزّ أن يُخاطِب عباده بما لا يُفيدهم”.

قال ابن كثير: “قلت: ومن الدليل على أنه جبريل: ما تقدّم في أوّل السياق -ولله الحمد”.

وخُص عيسى عليه السلام بذكر التأييد بروح القدس؛ لأنه تعالى خصّه به من وقْت صباه إلى حال كِبَره، كما قال تعالى: {إِذْ أَيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً}.

و{الْقُدُسِ}: الطهارة والبركة، أو التقديس، ومعناه: التطهير، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ للمبالغة في الاختصاص.

وقال مجاهد، والربيع: “{الْقُدُسِ}: مِن أسماء الله تعالى كالقُدُّوس”. وقرأ أبو حيوة: “بِرُوحِ الْقُدُّوسِ” بواو.

{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ إعراضًا عن مخاطبتهم، وإبعادًا لهم عن عز الحضور، والقائلون، هم: الموجودون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

وذكر ابن كثير هنا الآثار، في أن المراد: عليها غشاوة، ثم قال: “وهذا الذي رجّحه ابن جرير، واستشهد بما رُوي عن حذيفة، قال: القلوب أربعة، فذكر منها: وقلب أغلف مغضوب عليه؛ وذاك قلب الكافر”.

وجاء في الآثار: أنّ معنى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}، أي: أوعية للعلْم؛ وعلى هذا المعنى، جاءت قراءة بعض الأمصار، فيما حكاه ابن جرير: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} -بضم اللام- ونقلها الزمخشري، عن أبي عمرو، وحكاها القرطبي، عن ابن عباس، والأعرج، وابن محيصن، أي: جمع غِلاف، أي: أوعية، بمعنى: أنهم ادَّعوْا أنّ قلوبهم مملوءة بعلْم لا يحتاجون معه إلى عْلم آخر، كما كانوا يمنون بعلْم التوراة.

قال تعالى: {بَل لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مّا يُؤْمِنُونَ}، أي: ليس الأمر كما ادَّعوْا؛ بل قلوبهم ملعونة، مطبوع عليها، كما قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً} [النساء:155].

وقد اختلفوا في معنى قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مّا يُؤْمِنُونَ}، وقوله: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً}، فقال بعضهم: فقليل مَن يؤمن منهم، اختاره الفخر الرازي، وحكاه عن قتادة، والأصم. وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى: أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى مِن أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم؛ لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!