Top
Image Alt

إعراب الآيات، ومعاني الكلمات، وجملة من الواجبات على الناس

  /  إعراب الآيات، ومعاني الكلمات، وجملة من الواجبات على الناس

إعراب الآيات، ومعاني الكلمات، وجملة من الواجبات على الناس

1. إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:

أولًا: الآيات (168- 171):

{يَأَيّهَا النّاسُ كُلُواْ مِمّا فِي الأرْضِ حَلاَلاً طَيّباً وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ (168) إِنّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسّوَءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}.

مناسبة الآيات لما قبلها:

لما بين سبحانه وتعالى أنه لا إله إلا هو وأنه المستقل بالخلق شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه؛ فذكر في مقام الامتنان: أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض.

اللغويات:

{خُطُوَاتِ}: -بضمتين- و”خُطْوات” -بضمة وسكون- وهما لغتان في جمع “خطوة”، وهي ما بين قدمي الماشي.

و”خَطَوات” –بفتحتين- و”خَطْوات” -بفتحة وسكون-، والخطوة المرة من الخطو.

{بِالسّوَءِ}: في الأصل مصدر ساءه يسوؤه سوءًا أو مساءةً إذا أحزنه، ثم أطلق على جميع المعاصي، سواء كانت قولًا أو فعلًا أو عقدًا لاشتراك كلها في أنها تسوء صاحبها.

{وَالْفَحْشَآءِ} أقبح أنواعها وأعظمها مساءة، وروي عن ابن عباس: أن السوء ما لا حد فيه والفحشاء ما فيه حد.

{أَلْفَيْنَا}: يقال: ألفيت الشيء أُلفيه إلفاءً إذا وجدته وصادفته ولقيته، واللَفَى الشيء المطروح.

{يَنْعِقُ}: النعيق: التصويت، وقيل: التتابع في التصويت على البهائم للزجر.

يقال نعَق المؤذن ونعق الراعي بالضأن، قال الأخطل:

فانعِق بضأنك يا جرير فإنما

*منَّـتك نفسك في الخلاء ضلالًا

ويقال: نعَق الغراب نُعاقًا ونعيقًا؛ إذا صوّت من غير أن يمدّ عنقه ويحركها.

{دُعَآءً وَنِدَآءً}: الدعاء والنداء بمعنى، وقيل: إن الدعاء ما يسمع، والنداء قد يُسمع وقد لا يُسمع، وقيل: إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد.

المعنى الإجمالي:

يأمر الله تعالى عباده ممتنًا عليهم بأن يأكلوا مما خلقه لهم في هذه الأرض الواسعة من الأصناف المتنوعة من الحلال الذي لم يحرمه عليهم مما تستطيبه النفوس وتستلذ به، ولا تتضرر منه ولا تتأذى، وألا يسيروا وراء وساوس الشيطان ونزغاته في تحريم ما لم يحرمه الله سبحانه وتعالى بأيمان غضب أو شبهات باطلة أو افتراءات كاذبة؛ لأنه عدو لهم واضح ظاهر لا خفاء به، لا يريد لهم خيرًا، بل يأمرهم ويحثهم ويزيّن لهم المعاصي بأنواعها المختلفة صغيرها وكبيرها مما يسوؤهم في دنياهم وأخراهم، وأعظم ذلك الكذب على الله والافتراء عليه بلا دليل ولا برهان.

ثم ذكر سبحانه وتعالى حال بعض هؤلاء الذين حرموا ما أحل الله، وتقوَّلوا على الله ما لم يأذن به، وهم اليهود ومن سلك سبيلهم؛ حيث كان جوابهم عندما أُمِروا باتباع شريعة الله وما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم التعلق بالتقليد المذموم لما وجدوا آباءهم عليه من الباطل، فهم يتبعوهم على كل حال حتى ولو كانوا لا عقل لديهم يردعهم عن باطلهم، ولا سبيل لهم يتبعونه يهديهم إلى الحق.

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن حال هؤلاء الكفار الذين أعرضوا عن دعوة الحق كحال الراعي الذي ينادي على بهائمه؛ حيث لا تعرف بهائمه معنى ما يُقال لها، وإنما يسمعون صوتًا فقط يناديها من بعيد أو من قريب، فهم في حقيقة الأمر كالذي فَقَدَ سمعه وقدرته على النطق والنظر، فكأنهم لا عقول لهم يعون بها الحق من الباطل لفقدانهم حواسهم الأساسية.

ثانيًا: الآيتان (172، 173):

{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ}.

مناسبة الآيتين لما قبلهما:

تقدم الأمر للناس بأكل الحلال الطيب فترقى الخطاب هنا إلى أعلى منهم رتبة، وهم المؤمنون، كما أنه سبحانه وتعالى قد أباح ما في الأرض، ولما كانت وجوه الحلال كثيرة بين لهم ما حرم عليهم ليبقى ما سوى ذلك على التحليل حتى يأتي مانع آخر.

اللغويات:

{أُهِلّ}: أصل الإهلال عند كثير من أهل اللغة رؤية الهلال، لكن لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤي سُمِّي بذلك إهلالًا، ثم قيل لرفع الصوت -وإن كان بغيره. {اضْطُرّ}: من الضرِّ وهو سوء الحال؛ إما في النفس أو البدن والإضرار حمل الإنسان على ما يضره أو على أمر يكرهه.

{بَاغٍ}: البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى؛ تجاوزه أو لم يتجاوزه. والمراد هنا: غير طالب ما ليس له طلبه ولا متجاوز ما رسم له.

{عَادٍ}: العدو التجاوز، وقد عدا طوره تجاوزه وتعدى إلى غيره، والمراد هنا: غير متجاوز سد الجوعة، وقيل غير ذلك.

المعنى الإجمالي:

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بأوامره: بأن يأكلوا وينتفعوا بما رزقهم مما أحل لهم منه واستطابته نفوسهم، وبشكره والثناء عليه لجزيل نعمه عليهم؛ لأن عبادتهم إياه وخضوعهم له واعترافهم بربوبيته وألوهيته يستلزم منهم ذلك.

ثم بيّن سبحانه وتعالى ما حرمه عليهم من الأطعمة المستخبثة:

  • كل ما مات دون ذكاة شرعية، ولم يرد في الشرع استثناؤه.
  •  وكذلك الدم؛ والمراد المسفوح من كل حيوان.
  • وكذا الخنزير بصفة عامة، سواء ذُكي أم لم يذكَّ، وسواء لحمه أو شحمه أو عظمه أو جلده.
  • كل ما ذبح لغير الله وقُصِد به التقرب لغيره سبحانه وتعالى أو رفع الصوت عند ذبحه باسم غيره، كما كان يفعل المشركون من الذبح للأنصاب والجن وغير ذلك.

ومن رحمته سبحانه وتعالى وسعة مغفرته استثنى من هذا التحريم، ومن لحوق الإثم بمن يفعل ذلك المضطر الذي ألجأه الجوع إلى أكل شيء من هذه المحرمات، شريطة ألا يكون ذلك برغبة منه في أكل الميتة أو يتجاوز حد دفع الضرر عنه.

ثالثًا: الآيات (174- 176):

{إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ نَزّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}.

مناسبة الآيات لما قبلها:

انتقل الكلام من كفار العرب -الذين أكلوا الحرام وافتروا أمورًا ما أنزل الله بها من سلطان تقليدًا لآبائهم- إلى كفار أهل الكتاب وأكلهم الحرام بكتمانهم الحق، وتحريفهم دينهم، وصدهم الناس بسبب ذلك عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وبيان عقابهم.

اللغويات:

{فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ}: تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان: “ما أصبرك على القيد والسجن!!”؛ تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب.

{شِقَاقٍ}: الشق هو الخرم الواقع في الشيء، والشقاق المخالفة.

المعنى الإجمالي:

يذكر سبحانه وتعالى جرم كفار أهل الكتاب الذين يكتمون ما أنزل الله من حق في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم، والأمر باتباعه لكي يبقى لهم متاع الدنيا من جاهٍ ومالٍ، وبين أن ما يدخل بطونهم من جرّاء هذه الهدايا والرشاوى، إنما هو في المآل نار سوف يصلونها يوم القيامة، وسوف يحرمون من كلامه سبحانه وتعالى يوم القيامة، ومن ثنائه وتطهيره مما يخص به غيرهم من المؤمنين، ويكون لهم عوضًا عنه العذاب الأليم الموجع.

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنهم بفعلهم هذا قد اشتروا في دنياهم طريق الضلال والزيغ بما هو لديهم من الهدى والعلم الواضح، وبالتالي اشتروا عذاب الله في الآخرة بما كان محققًا لهم من مغفرة ورحمة لو أدوا ما أمر به الله تعالى، فما أعجب حال هؤلاء وجلدهم في مخالفة أوامر الله على علم وبصيرة بما ينتظرهم من عذاب النار الفظيع.

رابعًا: الآية (177):

{لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىَ حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّآئِلِينَ وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصّلاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ}.

مناسبة الآية:

أن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين؛ فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك في هذه الآية، وأن العبرة ليست بالجهة التي يتوجه إليها المصلي، وإنما بالطاعة والامتثال.

اللغويات:

{الْبِرّ}: الصدق والطاعة. {وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ}: على تأويل حذف المضاف، أي: برّ من آمن أو بتأول البر بمعنى ذي البر .

{وَالْيَتَامَىَ}: جمع “يتيم”، وهو لغة الفرد من اليتم وهو الانفراد. واليتم في الناس من قِبَل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، ولا يقال لمن فقد أمه من الناس “يتيم”، ولكن “منقطع” و”عَجِيّ”. ومن مات أبواه يقال له: “لطيم”.

{وَالْمَسَاكِينَ}: جمع مسكين وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس؛ لأنه لا شيء له، كالمسكير للدائم السكر.

{وَابْنَ السّبِيلِ}: المسافر المنقطع، وجُعِل ابنًا للسبيل؛ لملازمته له.

{وَالصّابِرِينَ}: أتى منصوبًا على الاختصاص والمدح وإظهارًا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال.

{الْبَأْسَآءِ والضّرّاءِ}: {الْبَأْسَآءِ}: الفقر والشدة والبؤس، {والضّرّاءِ} المرض والزمانة والسقم والوجع. وهما مصدران بُنِيا على “فعلاء” وليس لهما “أفعل”.

المعنى الإجمالي:

يُبيّن الله سبحانه وتعالى لعباده: ما هو العمل الذي يرضيه ويجب عليهم الانشغال بتحصيله، وأنه ليس ادعاء أنه التوجه إلى جهة معينة، كقبلة كما يزعم اليهود والنصارى من توجههم إلى المشرق والمغرب أو كما أنكروا على المسلمين في تغيير القبلة في الصلاة، بل البر والعمل المرضي لله عز وجل هو الإيمان والتصديق الكامل الشامل للعمل بالله سبحانه وتعالى بإفراده بالربوبية والإلوهية، ونعته بصفات الكمال التي وصف بها نفسه وباليوم الآخر، وهو يوم المعاد على ما جاء من أخبار صادقة عنه، وبالكتب المنزلة كلها، وبجميع النبيين وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وهذه جلها إيمانيات يتبعها الأعمال الصالحة، ومنها: التصدق بالمال مع ما جبلت عليه النفوس من حبٍّ لذوي الحاجات من الأقرباء أولًا، ثم اليتامى الصغار الذين فقدوا آباءهم، ثم سائر المساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم، فيحتاجون لغيرهم، وأيضًا ابن السبيل وهو المسافر المنقطع عن أهله ووطنه، ويحتاج ما يبلغه غايته، وكذلك من جاء سائلًا -وإن كان ظاهره الغنى- فالله أعلم بحاجته، وأخيرًا معاونة العبيد والإماء في تحرير رقابهم عن طريق المكاتبة، وشراء الأنفس وفكاك الأسارى.

ولا يكفى هذا وإنما لا بد من أداء حق الله تعالى، وأعظم ذلك ركنا الإسلام الصلاة والزكاة، فلا بد من إقامة الصلاة على الوجه المطلوب شرعًا وإيتاء الزكاة طيبة بها النفس.

هؤلاء الذين جمعوا هذه الصفات هم الذين صدقوا في دعواهم: الإيمان، وطلب رضا الله، وهم الذين تجنبوا عذاب الله وغضبه ونقمته.

خامسًا: الآية (178):

{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

مناسبة الآية:

هذه الآية شروع في بيان بعض الأحكام الشرعية على وجه التلافي لما فرط من المخلين بما تقدم من قواعد الدين التي يُبنى عليها أمر المعاش والمعاد.

كما أنها تتعلق ببعض فضائح أهل الكتاب ومخالفتهم دين الله لأهوائهم ومقاصدهم الدنيوية فهي مكملة لما سبق.

اللغويات:

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ}: أي: فُرِض وألزم، وأصل الكتابة الخط، ثم كنّى بها عن الإلزام، وكلمة “على” صريحة في ذلك.

{الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}: {فِي} هنا السببية، أي: بسببهم كما في قوله: ((دخلت امرأة النار في هرة)).

وقيل: عُديَّ القصاص بفي لتضمنه معنى المساواة؛ إذ معناه: أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، ومنه سُمِّي المِقص مِقصًا لتعادل جانبيه، والقصة قصة لأن الحكاية تساوي المحكي، والقصاص قصاصًا لأنه يذكر مثل أخبار الناس.

{الْقَتْلَى}: جميع “قتيل” كجريح وجرحى.

{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}: قال الزمخشري: من العفو على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير وطائفة من السير.

ولا يصح أن يكون “شيء” في معنى المفعول به؛ لأن “عفا” لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة.

المعنى الإجمالي:

يذكر الله عز وجل أنه شرع لعباده المؤمنين على وجه الإلزام أن يساوى بين القاتل وقتيله في العمد بقتل القاتل، فإذا كان المقتول حرًّا فيقتل قاتله، ولا يُزاد على ذلك فيقتل به جماعة مثلًا، وإذا كان عبدًا فيقتل قاتله ولا يُزاد على ذلك فيقتل حر مثلًا، وإذا كان امرأة فيقتل قاتلتها إن كانت امرأة ولا يُزاد على ذلك فيقتل رجل مثلًا، كما كان يفعل بعض القبائل في الجاهلية من أهل الكتاب أو غيرهم.

ثم ذكر سبحانه وتعالى أن القاتل إن تجاوز عنه أولياء المقتول، وقبلوا بالعفو عنه، وعدم قتله، ورضوا بالدية، فالمشروع في هذه الحال: أن يطالب الأولياء بالدية دون تعنيف أو استعجال له مع عسره وأن يقوم هو بأدائها دون مماطلة أو إنقاص، وهذا التشريع من الله خاص بهذه الأمة خفف عنها به، ورحمها دون ما سبقها من أمة اليهود والنصارى؛ حيث لم يكن في شريعتهم قبول الديات.

ثم توعد الله -جل وعلا- من اعتدى على القاتل بعد أخذه منه الدية وقبوله بالعفو بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فالقتل في الدنيا والنار في الآخرة.

سادسًا: الآية (179):

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ}.

اللغويات:

هذه الآية كلام في غاية البلاغة، وكان أوجز كلام عند العرب في هذا المعنى: “القتل أنفى للقتل”.

وفضل هذا الكلام عليه من وجوه:

الوجه الأول: قلة الحروف، فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف إذا لم يعتبر التنوين حرفًا على حدة، وهناك أربعة عشر حرفًا.

الوجه الثاني: الاطراد؛ إذ في كل قصاص حياة وليس كل قتل أنفى للقتل، فإن القتل ظلمًا أدعى للقتل.

الوجه الثالث: ما في تنوين {حَيَاةٌ} من النوعية أو التعظيم.

الوجه الرابع: صنعة الطباق بين القصاص والحياة فإن {الْقِصَاصِ} تفويت الحياة فهو مقابلها.

الوجه الخامس: النص على ما هو المطلوب بالذات، أعني الحياة، فإن نفي القتل إنما يطلب لها لا لذاته.

الوجه السادس: الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلًا في ضده ومن جهة أن المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق، فكان {الْقِصَاصِ} فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات.

الوجه السابع: الخلو عن التكرار مع التقارب، فإنه لا يخلو عن استبشاع.

الوجه الثامن: عذوبة اللفظ وسلاسته.

الوجه التاسع: عدم الاحتياج إلى الحيثية، وقولهم يحتاج إليها.

الوجه العاشر: تعريف {الْقِصَاصِ} بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على الضرب والجرح والقتل وغير ذلك، وقولهم لا يشمله.

المعنى الإجمالي:

يبين الله سبحانه وتعالى لعباده الخير العميم في تشريعه القصاص، فهو في الحقيقة سبب في حفظ المهج، وبقاء حياة أناس لولاه لما عاشوا؛ لأن من هَمَّ بالقتل يتذكر القصاص فيرعوي وينزجر عن القتل، فيحيى من كان عازمًا على قتله، ويحيى هو أيضًا حيث يسلم من الانتقام، بل ويحيى أفراد كثيرون؛ لأن القتل يولد البغضاء والرغبة في الثأر، فربما تقاتلت أمتين بسبب واحد، فيفنى منهم كثيرون.

وقد بيّن سبحانه وتعالى أن الذي يعي ذلك ويفهمه هم أصحاب العقول والواعية النيرة، ويكون ذلك رادعًا لهم عن الوقوع في القتل وسائر المعاصي، فيجتبون ما يغضب الله تعالى، فيسلمون من عذابه.

2. جملة من الواجبات على الناس:

أ. الآثار:

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: تُليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم {يَأَيّهَا النّاسُ كُلُواْ مِمّا فِي الأرْضِ حَلاَلاً طَيّباً} فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: ((يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه فما يُتقبل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به)).

عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ} قال: عمله. وقال: “ما خالف القرآن فهو من خطوات الشيطان”.

عن عكرمة: {وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ} نزغات الشيطان.

وعن السدي مثله.

عن ابن عباس قال: “ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان وكفارته كفارة يمين”.

عن ابن مسعود: أنه أتى بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: “ناولوا صاحبكم” فقال: لا أريد، فقال: أصائم أنت؟ قال: لا. قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان فأطعم وكفّر عن يمينك.

عن أبي مجلز في قوله: {وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ} قال: النذور في المعاصي.

وقال الشعبي: “نذر رجل أن ينحر ابنه؛ فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان”.

وعن أبي رافع قال: “غضبت مولاتي يومًا على امرأتي، فقالت: هي يومًا يهودية، ويومًا نصرانية، وكل مملوك لها حرّ إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان، وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة، وأتيت عاصمًا وابن عمر فقالا مثل ذلك”.

عن السدي في قوله: {إِنّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسّوَءِ} قال: المعصية {وَالْفَحْشَآءِ}، قال: الزنا، {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال: هو ما كانوا يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي، ويزعمون أن الله حرّم ذلك.

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: “دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع -يا محمد- ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرًا منا، فأنزل الله في ذلك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ…} الآية”.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {مَآ أَلْفَيْنَا} قال: يعني: وجدنا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول نابغة بني ذبيان:

فحسبوه فألفوه كما زعمت

*تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد

عن ابن عباس في قوله: {وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} قال: كمثل البقر والحمار والشاة، وإن قلت لبعضهم كلامًا لم يَعلم ما تقول غير أنه يسمعك، وكذلك الكافر؛ إن أمرته بخير أو نهيته عن شرٍّ أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل : {كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} قال: شبه الله أصوات المنافقين والكفار بأصوات البهم، أي: بأنهم لا يعقلون، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بشر بن أبي حازم وهو يقول:

هضيم الكشح لم يغمز ببؤس

*ولم ينعق بناحية الرقاق

عن مجاهد في قوله: {كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ} قال: الراعي، {بِمَا لاَ يَسْمَعُ}  قال: البهائم. {إِلاّ دُعَآءً وَنِدَآءً} قال: كمثل البعير والشاة تسمع الصوت ولا تعقل.

عن ابن جريج قال: قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174]، إلى قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ} [البقرة: 175].

أخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَأَيّهَا الرّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]  وقال: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] -ثم ذكر- الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك)).

عن سعيد بن جبير: {كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ} قال: من الحلال.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال يومًا: “إني أكلت حمصًا وعدسًا فنفخني. فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول في كتابه: {كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} فقال عمر: هيهات! ذهبت به إلى غير مذهبه، إنما يريد به طيب الكسب ولا يريد به طيب الطعام”.

وأخرج أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال)).

عن ابن عباس في قوله: {وَمَآ أُهِلّ} قال: ذبح.

وعن مجاهد: {وَمَآ أُهِلّ بِهِ} قال: ما ذبح لغير لله.

وعن أبي العالية: {وَمَآ أُهِلّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} يقول: ما ذكر عليه اسم غير الله.

وعن ابن عباس في قوله: {فَمَنِ اضْطُرّ} يعني: إلى شيء مما حرم {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}، يقول: من أكل شيئًا من هذه وهو مضطر فلا حرج ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى. وعن ابن عباس في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ} قال: في الميتة {وَلاَ عَادٍ} قال: في أكله.

وعن سعيد بن جبير في قوله: {فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} قال: العادي الذي يقطع الطريق لا رخصة له، {فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} يعني: في أكله حين اضطر إليه إن الله غفور يعني: لما أكل من الحرام رحيم به؛ إذ أحل له الحرام في الاضطرار.

وقال السدي: {غَيْرَ بَاغٍ}: يبتغي فيه شهوته.

وعن ابن عباس: لا يشبع منها.

وقال مقاتل بن حيان في قوله: {فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} فيما أكل من اضطرار، وبلغنا: أنه لا يُزاد على ثلاث لقم.

وعن إبراهيم والشعبي قالا: إذا اضطر إلى الميتة أكل منها قدر ما يقيمه.

ب. بعض أقوال المفسرين:

قوله: {يَأَيّهَا النّاسُ كُلُواْ مِمّا فِي الأرْضِ حَلاَلاً} قيل: نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقيل: في عبد الله بن سلام وأضرابه؛ حيث حرموا على أنفسهم لحم الإبل لما كان حرامًا في دين اليهود.

وقوله: {حَلاَلاً} أي: في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي مُستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول.

ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في (صحيح مسلم) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال وفيه وإني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)).

و”من” للتبعيض؛ لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول.

وقوله: {إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ} تنفير عنه وتحذير منه.

وقوله: {إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ} تعليل للنهي، و{إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ} من أبان بمعنى بان وظهر، أي: ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الولاية لمن يغويه، ولذلك سُمِّيَ وليًا في قوله تعالى: {أَوْلِيَآؤُهُمُ الطّاغُوتُ} [البقرة: 257] ويحتمل أن يكون ذلك من باب تحيتهم السيف، وقيل: “أبان” بمعنى أظهر، أي: مظهر العداوة، والأول أليق بمقام التعليل.

وقوله: {إِنّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسّوَءِ} استئناف لبيان كيفية عداوته وتفصيل لفنون شرّه وإفساده وانحصار معاملته معهم في ذلك، أو علة للعلة بضم، وكل من هذا شأنه فهو عدو مبين أو علة للأصل بضم، وكل من هذا شأنه لا يتبع، فيكون الحكم معللًا بعلتين العداوة والأمر بما ذكر.

والمعنى: إنما يأمركم عدوّكم الشيطان بالأفعال السيئة وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه.

{وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: ويأمركم الشيطان بأن تفتروا على الله الكذب بأنه حرم هذا وأحل هذا أو بأنه أمر باتخاذ الأنداد، ورضي بما أنتم عليه من الإفساد، ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه، فيدخل في هذا كل كافر، وكل مبتدع أيضًا.

وقوله: {إِنّمَا يَأْمُرُكُمْ} بيان لوجوب الإنهاء عن اتباعه وظهور عداوته أي لا يأمركم بخير قط.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ}: الضمير للناس وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم؛ لأنه لا ضال أضل من المقلد كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى؛ ماذا يقولون؟.

قيل: هم المشركون.

وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقالوا: {بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ}.

ثم ضرب لهم سبحانه وتعالى مثلًا كما قال: {لِلّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ مَثَلُ السّوْءِ} [النحل: 60]، فقال: {وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ} أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها -أي دعاها- إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.

والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها ولا تفقه شيئًا آخر، ولا تعي كما يفهم العقلاء ويعون.

وقيل: معناه ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون؛ أهم على حق أم باطل؟.

وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا، اختاره ابن جرير، والأول أولى؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها.

وقوله: {صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ} أي: صُمٌّ عن سماع الحق بكم لا يتفوهون به، عُمي عن رؤية طريقه ومسلكه {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي: لا يعقلون شيئًا، ولا يفهمونه، كما قال تعالى: ) {وَالّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمّ وَبُكْمٌ فِي الظّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39].

{فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي: لا يدركون شيئًا لفقدان الحواس الثلاثة، وقد قيل: من فقد حسًّا فقد فقد علمًا، وليس المراد نفي العقل الغريزي باعتبار انتفاء ثمرته، لعدم صحة ترتبه بالفاء على ما قبله.

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم وأن يشكروه سبحانه وتعالى على ذلك إن كانوا عبيده. والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، والأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة.

والآية إما أمر للمؤمنين بما يليق بشأنهم من طلب الطيبات وعدم التوسع في تناول ما رزقوا من الحلال، وهذا لم يُستفد من الأمر السابق في قوله: {يَأَيّهَا النّاسُ كُلُواْ مِمّا فِي الأرْضِ حَلاَلاً طَيّباً}.

وإما أمر لهم على طبق ما تقدم، إلا أن فائدة تخصيصهم بعد التعميم تشريفهم بالخطاب، وتمهيد لطلب الشكر.

وقوله: {إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ}: بمنزلة التعليل لطلب الشكر، كأنه قيل: واشكروا له؛ لأنكم تخصونه بالعبادة، وتخصيصكم إياه بالعبادة يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه، وهي لا تتم إلا بالشكر.

ولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه؛ ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء قضاء أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو عدا عليها السبع.

وقوله: {إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ}: أي: أكلها والانتفاع بها وأضاف الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف، وليست مما تتعلق بالأعيان إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة من جميع الوجوه إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ.

وقوله: {وَالدّمَ}: قيد في سورة “الأنعام” بالمسفوح.

وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير؛ سواء ذُكِّيَ أم مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه إما تغليبًا أو أن اللحم يشمل ذلك أو بطريق القياس على رأي.

وكذلك حرم عليهم ما أهل به لغير الله وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.

{وَمَآ أُهِلّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} أي: برفعه الصوت لغير الله تعالى، وذلك مثل قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى.

قال الألوسي: والمراد بغير الله سبحانه وتعالى الصنم وغيره كما هو الظاهر، وذهب عطاء ومكحول والشعبي والحسن وسعيد بن المسيب إلى تخصيص الغير بالأول، أي: بالصنم، وأباحوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح، وهذا خلاف ما اتفق عليه الأئمة من التحريم.

ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال: أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد.

وقيل: {غَيْرَ بَاغٍ} على مضطر آخر بالاستيثار عليه، {وَلاَ عَادٍ} سد الجوعة، وقيل غير ذلك.

وخالف في ذلك الإمام مالك فقال: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها، ونقل عن الشافعي أن المراد {غَيْرَ بَاغٍ} على الوالي {وَلاَ عَادٍ} بقطع الطريق، وجعل من ذلك السفر في معصية، فالعاصي في سفره لا يباح له الأكل من هذه المحرمات وهو المروي عن الإمام أحمد أيضًا.

{فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي: في أكل ذلك {إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ}.

3. التأكيد على ضرورة دعوة الناس إلى الله، وبيان عقوبة مَن كتم الحق:

أ. الآثار:

عن عكرمة في قوله: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} والتي في آل عمران: {إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77]، نزلتا جميعًا في يهود.

وعن السدي في الآية، قال: “كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وأخذوا عليه طمعًا قليلًا”.

وعن أبي العالية في قوله: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} قال: “أهل الكتاب كتموا ما أنزل الله عليهم في كتابهم من الحق والهدى والإسلام، وشأن محمد صلى الله عليه وسلم ونعته {أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ} يقول ما أخذوا عليه من الأجر فهو نار في بطونهم”.

وعن قتادة في قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ} قال: ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار.

وعن السدي في قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ} قال: هذا على وجه الاستفهام يقول: ما الذي أصبرهم على النار وفي قوله: {وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ} قال: هم اليهود والنصارى {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} قال: في عداوة بعيدة.

ب. أقوال المفسرين:

يقول تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك؛ لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم آباءهم، فخشوا إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل من ذلك، وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمهم الله في كتابه في غير موضع، فمن ذلك هذه الآية الكريمة: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وهو عرض الحياة الدنيا {أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ} أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10].

وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)).

وقوله: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكام المحللات والمحرمات.

{وَيَشْتَرُونَ بِهِ} أي: يأخذون بدله في نفس الأمر، والضمير للكتاب أو لما أنزل أو للكتمان، {ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عوضًا حقيرًا.

{أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ}: إما في الحال كما هو أصل المضارع؛ لأنهم أكلوا ما يتلبس بـ: {النّارَ} وهو الرشا لكونها عقوبة لها فيكون في الآية استعارة تمثيلية.

وإما في المآل، أي: لا يأكلون يوم القيامة إِلا النَّار، فالنار في الاحتمالين مستعمل في معناه الحقيقي.

وقيل: إنها مجاز عن الرشا إذا أريد الحال، والعلاقة السببية والمسببية، وحقيقة إذا أريد المآل، ولا يخفى أن الأول هو الأليق بمقام الوعيد.

{وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: كلام رحمة، كما قال الحسن فلا ينافي سؤاله سبحانه وتعالى إياهم وقيل: لا يكلمهم أصلًا لمزيد غضبه جل جلاله عليهم؛ لأنهم كتموا، وقد علموا فاستحقوا الغضب، والسؤال بواسطة الملائكة فلا ينظر إليهم {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} أي: لا يطهرهم من دنس الذنوب أو لا يثنى عليهم ويمدحهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: مؤلم.

وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى؛ لأنه لما ذكر سبحانه وتعالى اشتراءهم بذلك الثمن القليل، وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية بدأ أولًا في الخبر، بقوله تعالى: {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ} ثم قابل كتمانهم الحق، وعدم التكلم به، بقوله تعالى: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ} تعالى، وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله تعالى ثمنًا قليلًا: أنهم شهود زور، وأحبار سوء، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآلموه فقوبلوا بقوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.  وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه ها هنا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)).

ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: {أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ} أي: اعتاضوا عن الهدى وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه استبدلوا عن ذلك، واعتاضوا عنه الضلالة، وهو تكذيبه والكفر به، وكتمان صفاته في كتبهم، والعذاب بالمغفرة، أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.

وقوله تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ} يخبر –تعالى- أنهم في عذاب شديد عظيم هائل يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال عياذًا بالله من ذلك.

وقيل: معنى قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ} أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار.

وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ نَزّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ} أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد؛ لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته؛ فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ نَزّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}.

وقال الألوسي: {ذَلِكَ} أي: مجموع ما ذكر من أكل النار وعدم التكليم والتزكية والعذاب المرتب على الكتمان {بِأَنّ اللّهَ نَزّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ} أي: بسبب أن الله تعالى {نَزّلَ} القرآن أو التوراة متلبسًا بالحق، ليس فيه شائبة البطلان أصلًا؛ فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان {وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ} أي: في جنسه بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعض أو في التوراة، ومعنى {اخْتَلَفُواْ} تخلفوا عن سلوك طريق الحق فيها أو جعلوا ما بدلوه خلفًا عما فيها أو في القرآن واختلافهم فيه قول بعضهم: إنه سحر، وبعضهم: إنه شعر، وبعضهم: إنه أساطير الأولين، {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: خلاف {بَعِيدٍ} أي: عن الحق موجب لأشد العذاب.

جـ. مسائل حول الآيات:

المسألة الأولى: لماذا أفرد ابن السبيل دون غيره؟

قيل: كأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه.

المسألة الثانية: إن قلت: قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة؛ فهل دلّ ذلك على أن في المال حقا سوى الزكاة.

قلتُ: يحتمل ذلك وقد سبقت الآثار فيه.

error: النص محمي !!