Top
Image Alt

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، الدخول في السلم كافة، وعدم اتباع خطوات الشيطان، وقضاء الله تعالى بين خلقه، وموقف بني إسرائيل من نعم الله

  /  إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، الدخول في السلم كافة، وعدم اتباع خطوات الشيطان، وقضاء الله تعالى بين خلقه، وموقف بني إسرائيل من نعم الله

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، الدخول في السلم كافة، وعدم اتباع خطوات الشيطان، وقضاء الله تعالى بين خلقه، وموقف بني إسرائيل من نعم الله

1. إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات: أولًا: الآيات (208- 213):

{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ (208) فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيّنَاتُ فَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (210) سَلْ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيّنَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ اتّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}.

المناسبة: 

لما بين الله سبحانه تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق قال: كونوا على ملة واحدة واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه. ومن الممكن أن يقال: لما ذكر سبحانه في الآيات السابقة أهل الشرك وأهل النفاق وأهل الإيمان بقي أهل الكتاب فناسب الكلام عنهم وذلك على القول بنزولها فيهم، والله أعلم.

اللغويات:

قوله: {كَآفّةً} قال الرازي: “ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال: كففت فلانًا عن السوء، أي: منعته، ويقال: كف القميص؛ لأنه منع الثوب عن الانتشار، وقيل لطرف اليد: كف؛ لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف أي: كف بصره من أن يبصر، فالكافة المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ وذلك لأن الاجتماع يمنع من التفرق والشذوذ”.

المعنى الإجمالي:

أما الآية الأولى: فلم يصح من الآثار ما يثبت نزولها في أهل الكتاب خاصة من آمن منهم أو لم يؤمن؛ ولذا فالصواب أنها خطاب للذين آمنوا، ويدخل فيهم من آمن من أهل الكتاب، يأمرهم بالدخول في الإسلام دخولًا مقيدًا بصفة تجعل التعبير بالدخول لأجلها مستساغًا وهو الدخول فيه بجميع شرائعه وفرائضه وحدوده، وأعمال البر التي فيه لا يؤمن ببعضه ويكفر بالبعض الآخر، اتباعًا لوساوس الشيطان وما يزينه من الخطايا، ثم يحذرهم الله سبحانه وتعالى من الزلل والوقوع في حبائل الشيطان وضلالاته بعد هذا البيان الوارد في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه عزيز ذو انتقام حكيم في شرعه وأحكامه.

وأما الآية الثانية: فالشيء الواضح الذي لا مِرْيَةَ فيه: أن السلف الصالح كانوا يفهمون هذه الآيات ونحوها على ما تدل عليه اللغة من معنى إجمالي بغير خوض في تفصيل مدلول الكلمة الواحدة، وبغير نفي للمعنى المتبادر مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن مشابهة خلقه لدلالة الآيات والأحاديث على ذلك، والمعنى الذي فهمه السلف من هذه الآية: أن الله سبحانه يأتي يوم القيامة في طاقات من الغمام والذي يشبه السحاب، ويأتي في ذلك الموقف أيضًا جموع هائلة من الملائكة ليفصل الرب جل وعلا بين عباده في هذا الموقف الرهيب، ويقضي بين الخلائق في هذا اليوم العصيب، وهكذا رجع كل أمر إليه، وصار الحكم والفصل له وحده؛  فهو الملك الواحد القهار، وهذا الموقف من الأهوال التي تنخلع لها القلوب، فهدد الله به مَنْ تَقَدَّمَ ذكره من الزالين المنحرفين عن الطريق بعد هذه البينات الواضحات التي جاءتهم.

ثم إن الله سبحانه ذكر اليهود بما أنعم عليهم من الآيات البينات التي تدعوهم إلى الإيمان به سبحانه، والخوف منه، ومن غضبه وعقابه والتصديق برسله جميعًا، والإيمان بهم، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحذرهم أن يبدِّلُوا هذه النعمة فيكفروا بها؛ فيستحقوا بذلك عقابه الشديد، وعذابه الأليم، ويحل بهم ما حل بأسلافهم حين بدلوا نعمة الله عليهم.

ثم تضمنت الآية التالية ما عليه الكفار من الانشغال بزينةِ الحياةِ الدنيا التي ألهتهم، وشغلتهم عن كل شيء، وهم مع ما هم فيه من هذا الانشغال بالفاني يسخرون من الذين آمنوا، وسوف ينقلب الأمر عليهم يوم القيامة، فيكونون فوقهم في القدر والمنزلة فهم في الجنة وأولئك في النار ولا يستويان، وليس الأمر عند هذا الحد من التفاضل بل فضل الله واسع يرزقهم بما يشاء، ويغدق عليهم عطاياه تعويضًا لهم عما ترفعوا عنه من الانشغال بزينة الدنيا وزخارفها من غير حساب لما يعطيهم؛ لأنه لا يخشى النفاد، وهذا هو الفضل الحقيقي.

ثم تتحدث الآية الكريمة عن المرجع الأساسي لاختلاف الناس في هذه الحياة في دينهم، على الرغم من إنزال الله جل في علاه إليهم الكتب على ألسنة الأنبياء والرسل، فقد كان الناس على دين واحد -أمة واحدة- لا اختلاف بينهم في أمر دينهم منذ أنزل الله آدم عليه السلام إلى الأرض، ولمدة عشرة قرون، ثم نشأ فيهم الخلاف فَضَلَّ بعضهم عن الجادَّةِ، واستمر خلافهم هذا؛ فأرسل الله لهم رسله وأنبياءه تترى، وأنزل معهم كتبه لتفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه وتبين لهم الطريق الصحيح، فكانت هذه الكتب هادية لعباد الله حتى اختلف أهل الكتاب في كتابهم نفسه الذي آتاهم الله إياه، ورزقهم بينات العلم فيه فعكسوا الأمر؛ بسبب حرصهم على الدنيا، وطلبهم الرئاسة، والرفعة على الناس، وتكالبهم على الجاه، فَأَذِنَ اللهُ سبحانه للذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الاهتداء لكل ما اختلف فيه الذين أوتوا الكتاب، فهداهم فيما أراد لهم الهداية فيه إلى يوم الجمعة الذي لم يأذن لهؤلاء في الاهتداء إليه، وأضلهم عنه وهداهم إلى أقوم قبلة، وإلى قول الحق في أنبيائه ورسله، والله يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه.

ثانيًا: الآيتان (214، 215):

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مّسّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ}  .

المناسبة:

إن الله عز وجل لمَّا بَيَّنَ أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بَيَّنَ في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق، وصبروا على البلوى، فكذا أنتم يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن.

المعنى الإجمالي:

دلت الآثار على أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما ينفقون من أموالهم قربةً إلى الله؛ فبين لهم الله سبحانه لهم في تلك الآية مواضع النفقة أولًا؛ فبدأ بالأقرب فالأقرب، والأولى في بذل النفقة له فالأولى، وبَيَّنَ لهم أن كل ما يفعلون من خير هو به عليمٌ ومجازٍ عليه.

2. أمر الله المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان:

أ. بعض الآثار:  

عن ابن عباس: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً} كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أوامر التوراة، والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: {ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً} يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئًا، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها.

قال مجاهد وطاوس والضحاك، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وابن زيد في قوله: {ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً}: يعني الإسلام. وعن أبي العالية: {فَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم، حكيم في أمره.  

ب. أقوال المفسرين:

يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.

ومن المفسرين من يجعل قوله: {كَآفّةً} إلا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح الأول، وهو أنهم أُمِرُوا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان، وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًّا ما استطاعوا منها.

وقوله: {وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ} أي: اعملوا بالطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان؛ فإنما يأمركم بالسوء والفحشاء، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، وإنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ولهذا قال: {إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ}.

وقوله: {فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيّنَاتُ} أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، {فَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب، {حَكِيمٌ} في أحكامه ونقضه وإبرامه.

3. رب العالمين يقضي بين خلقه يوم القيامة:

أقوال المفسرين:

يقول الله تعالى مهددًا للكافرين بمحمد -صلوات الله وسلامه عليه-: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ} يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين؛ فيجزي كلَّ عاملٍ بعملِهِ إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر؛ ولهذا قال تعالى: {وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ} كما قال تعالى: {كَلاّ إِذَا دُكّتِ الأرْضُ دَكّاً دَكّاً (21) وَجَآءَ رَبّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22) وَجِيَءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكّرُ الإِنسَانُ وَأَنّىَ لَهُ الذّكْرَىَ} [الفجر:21-23].

وقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبّكَ…} [الأنعام:158] الآية.

4. بنو إسرائيل بدَّلوا نعمة الله وكفروا بها:

أقوال المفسرين: ثم يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي: حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به كيَدِهِ وعصاه، وفلقه البحر، وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله كفرًا، أي: استبدلوا الإيمان بها بالكفر بها والإعراض عنها: {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، كما قال تعالى إخبارًا عن كفار قريش: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ بَدّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}  [إبراهيم:28، 29].

error: النص محمي !!