Top
Image Alt

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وأمر موسى بني إسرائيل بالتوبة

  /  إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وأمر موسى بني إسرائيل بالتوبة

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وأمر موسى بني إسرائيل بالتوبة

أولًا: إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:

1. الآيتان (53، 54): قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوَاْ إِلَىَ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ}:

المناسبة:

ما زال الحديث مع بني إسرائيل، لتقريعهم، وتذكيرهم بتاريخهم، وبما أنعم الله عليهم، لعلّهم يُذعنون للحق، ويؤمنون بالنبي الخاتِم صلى الله عليه وسلم.                                                                                    

اللغويّات:

{الْعِجْلَ}: ولد البقرة الصغير.

ذهب الجمهور: إلى أنه – سبحانه – أراد بالعجل: ما يشبهه في الصورة والشكل، ونسبة الخُوار إليه مجازًا.

والبارئ: هو الذي خلَق الخلْق بَريًا من التفاوت وعدم تناسب الأعضاء وتلاؤم الأجزاء، بأن تكون إحدى اليدين في غاية الصِّغر والرِّقّة والأخرى بخلافه، ومتميزًا بعضه عن بعض بالخواصّ والأشكال والحُسن والقُبح؛ فهو أخصّ مِن “الخالق”، وأصل التركيب؛ لخلوص الشيء وانفصاله عن غيره.

{خَيْرٌ}: أفعل تفضيل، حُذفت همزته، ونطقُوا بها في الشِّعر؛ قال الراجز:

بلال خير الناس وابن الأَخْيَرِ


وقد تأتي ولا تفضيل، والمعنى: أنّ ذلكم خير لكم مِن العصيان والإصرار على الذنب، أو خير من ثمرة العصيان، وهو: الهلاك الدائم. 

2. الآيات (55-57): قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمّ بَعَثْنَاكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}:

اللغويّات:

{جَهْرَةً}: عَيَانًا، وهي مصدر من قولك: جهَر بالقراءة وبالدعاء، كأنّ الذي يَرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب خافَتَ بها.

و{الْغَمَامَ}: اسم جنس كـ”حمامة”، و”حمام”، وهو: السحاب. وسُمِّي: “غمامًا”؛ لأنه يَغُمُّ وجْه السماء ويستره، ومنه: الغَم والغَمَم.

{الْمَنّ}: اسم جنس، لا واحد له مِن لفْظه، والمشهور: أنه التَّرنْجَبين، وهو شيء يُشبه الصمغ، حلو مع شيء من الحموضة، كان ينزل عليهم كالطّلّ.

وعن وهب: إنه الخبز الرِّقَاق.

وقيل: المراد به: جميع ما منّ الله تعالى به عليهم في التِّيه، وجاءهم عفوًا بلا تعب؛ وإليه ذهب الزجاج، ويؤيِّده: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الكَمْأة من المَنِّ الذي مَنَّ الله تعالى به على بني إسرائيل)).

و{وَالسّلْوَىَ}: قال ابن عطية: “السلوى: طير، بإجماع المفسّرين؛ وقد غلط الهُذلي، في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مُستشهدًا:

وقَاسَمَهَا بالله جَهْدًا لأنتمُ

*ألذّ من السّلوى إذا ما نشُورُهَا

قال: فظن أنّ السّلوى عسلًا”.

وقال بعضهم: “السُّلوان: دواء يشفي الحزين فيسلو، والأطباء يسمّونه: المُفَرِّح.

ويكون على هذا المعنى، عطفها على المَنّ، مِن عطْف الخاصّ على العامّ؛ اعتناءً بشأنه.

وقال الخليل: واحده: سَلْواة، وأنشد:

وإنِّي لتَعْرُوني لِذِكْراكِ هزّةٌ

*كما انْتَفَضَ السَّلْواة من بَلِلِ القَطْرِ

وقال الكسائي: “السَّلْوى واحد، وجمْعه: سَلاوَى”.

3.  الآيتان (58، 59): قوله تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّداً وَقُولُواْ حِطّةٌ نّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مّنَ السّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}:

القراءات:

قرأ ابن عامر: “تغفر لكم” -بالتأنيث- وقرأ نافع وأبو جعفر: “يغفر لكم” -بالتذكير- وكلهم على البناء لِمَا لم يُسَمَّ فاعله. ووجه التأنيث والتذكير: أن “خطايا”، مؤنّث مجازيّ يجوز في الفعل المسند إليه الوجهان.

اللغويّات:

{الْقَرْيَةَ} بفتح القاف، والكسر لغة أهل اليمن: المدينة، مِن: قَرَيْتُ، إذا جمعت؛ سُمِّيتْ بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المُساكنة، وقيل: إن قلّوا، قيل لها: قرية، وإن كثروا، قيل لها: مدينة، وأنهى بعضهم حدّ القلة إلى ثلاثة، والجمع: القُرى، على غير قياس؛ وقياس أمثاله: “فِعال”، كـ “ظَبْية”، و “ظباء”.

{حِطّةٌ}: “فِعْلَة”، مِن: الحَطِّ، كالجِلْسة والرِكْبة، وهي: خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حِطة، أو أمرك حِطة، والأصل النصب، بمعنى: حُطَّ عنا ذنوبنا حِطة؛ وإنما رُفعت لتُعطي معنى الثبات، كقوله: “صَبْرٌ جَمِيلٌ، فكلانا مبتلًى”، والأصل: صبرًا، على: اصْبِر صبرًا.

و”الخطايا”: أصلها خَطَايِئْ -بياء بعد ألِف ثم همزة- فأُبدلت الياء عند سيبويه الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف، واجتمعت همزتان، وأُبدلت الثانية ياء، ثم قُلبت ألفًا، وكانت الهمزة بين ألِفيْن، فأُبدلت ياء.

“الرّجز”: هو: العذاب، وتُكسر راؤه وتُضمّ، والضَمُّ لغة عند بعض قبائل العرب.

4. الآيتان (60، 61): قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَىَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاسٍ مّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رّزْقِ اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَىَ بِالّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنّ لَكُمْ مّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}:

القراءات:

قرأ نافع: “النبيئين”، وهذه المادة كلها بالهمزة على الأصل، لأنها مِن: “النّبأ” وهو: الخبر، وقرأ الباقون بدون همْز تخفيفًا، أو على أنّ الأصل ليس مِن: “النّبأ”؛ وإنما مِن: “النَّبَاوة”، وهي: الرِّفْعة، باعتبار رفعة مكانه عند الله، أو تكون مشتقّة مِن: “النّبيّ”، وهو: الطريق الواضح، باعتبار كونه طريقًا إلى الله، والقول بالأوّل أرجح وأقوى.

والحديث المرويّ، في النهي عن كلمة: “نبيء الله”، لا يثبت، والقراءة المتواترة، قاضية ببطلانه.

اللغويّات:

الاسْتِسْقَاء: طَلَب السُّقْيا عند عدم الماء أو قِلَّته، وقد تعدّى هذا الفعل في الفصيح، إلى المُسْتَسْقَى منه تارة، وإلى المُسْتَسْقِي أخرى، كما في قوله تعالى: {إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} [الأعراف:160]، وقوله:

وأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغمامُ بوجْهه

*ثِمالُ اليتامى عِصمةٌ للأرامل

والعصا: مؤنث، والألف منقلبة عن واو، بدليل: عَصَوَان، وعَصَوْتُه، أي: ضربتُه بالعصا، ويُجمع على: “أَفْعُل” شذوذًا، وعلى: “فُعُول”، قياسًا؛ فيقال: أَعْصٍ وعِصِيّ.

{الْحَجَرَ}: هو هذا الجسم المعروف، وجمْعه: أحجار وحجار، وقالوا: حجارة، واشتقوا منه فقالوا: استحجر الطين.

والانفجار: انصداع شيء من شيء، ومنه: الفجر والفجور.

والعيْن: منبع الماء، وجُمع على: أَعْيُن شذوذًا، وعُيُون قياسًا.

و{أُنَاسٍ}: جمْع لا واحد له مِن لفْظه. وما ذُكر من شذوذ إثبات همْزته إنما هو مع الألف واللام، وأمّا بدونها فشائع صحيح.

والمَشْرب: إمّا اسم مكان، أي: محلّ الشُّرب، أو مصدر ميميّ بمعنى: الشرب، وحمَله بعضهم على المشروب، وهو: الماء، وحمْله على المكان أوْلى عند أبي حيّان.

{تَعْثَوْاْ}: العُثُوّ عند بعض المحقِّقين: مجاوزة الحدّ مطلقًا، فسادًا كان أوْ لا، فهو كالاعتداء؛ ثم غَلَبَ في الفساد.

و{مُفْسِدِينَ} على هذا: حال غير مؤكّدة، وهو الأصل فيها، كما يدل عليه تعريفها.

البَقْل: ما أنبتتْه الأرض مِن الخضر، والمراد به: أطايب البقول التي يأكلها الناس، كالنعناع، والكرفس، والكراث، وأشباهها.

والفُوم: الحنطة، ومنه: فَوِّمُوا لنا، أي: اخبزوا.

وقيل: الثوم، ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود: “وثومها”، وهو للعدس والبصل أوفق.

{الّذِي هُوَ أَدْنَىَ}: الذي هو أقرب منزلة، وأَدْوَن مقدارًا، والدُّنُو والقرب يعبَّر بهما عن قلّة المقدار؛ فيقال: هو داني المحلّ، وقريب المنزلة.

{اهْبِطُواْ مِصْراً}: أي: انحدروا إليه مِن التِّيه، يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج.

والهبوط يجوز أن يكون مكانيًّا، بأن يكون التِّيه أرفع مِن المصر، وأن يكون رُتْبِيَّا، وهو الأنسب بالمقام.

والمِصْر: البلد العظيم، وأصْله الحدّ والحاجز بين الشيئيْن، قال:

وجاعل الشمس مِصْرًا لا خفاءَ به

*بيْن النهار وبيْن اللّيل قد فَصَلا

وإطلاقه على البلد، لأنه مَمْصور، أي: محدود، وأخذه مِن: مصرْت الشاة أمصرها، إذا حَلَبْت كلّ شيء في ضرعها بعيد. وحكي عن أشهب، أنه قال: “قال لي مالك: هي مصر قريتك، مسكن فرعون؛ فهو إذًا عَلَم”.

{وَبَآءُوا بِغَضَبٍ}: من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقًا بأن يُقتل به لمساواته له ومكافأته، أي: صاروا أحقّاء بغضبه. وأصل البَُوَاء -بالفتح والضم-: مساواة الأجزاء، ثم استُعمل في كلّ مساواة، فيقال: هو باء فلان، أي: كُفْؤه.      

ثانيا: موسى عليه السلام يأمر قومه بالرجوع إلى الله، وتوبتهم من عبادة العجل:

أقوال المفسّرين:

قوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}، يعني: التوراة، {وَالْفُرْقَانَ}، وهو: ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، {لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة (الأعراف)، ولقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الاُولَىَ بَصَآئِرَ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ} [القصص:43].

وقيل: الواو زائدة، والمعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان؛ وهذا غريب.

قال عنترة:

حُيِّيتَ من طَلَلٍ تقادم عهدُه

*أقوى وأقفر بعد أمِّ الهيثَمِ

فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو.

يعني: الجامع بين كونه كتابًا منزلًا وفرقانًا يفرق بين الحق والباطل، يعني: التوراة، كقولك: “رأيت الغيث والليث”، تريد: الرجل الجامع بين الجود والجراءة، ونحوه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً} [الأنبياء:48]، يعني: الكتاب الجامع بين كونه فرقانًا وضياءً وذكرًا، أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان، من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوّه، كقوله تعالى: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال:41]، يريد به: يوم بدر.

واتّخاذ السامريّ، لهم العجل دون سائر الحيوانات؛ قيل: لأنهم مرّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم على صُوَر البقر، فقالوا: {اجْعَلْ لّنَآ إِلَـَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138]، فهجس في نفس السامري، أنّ فتنتهم من هذه الجهة، فاتّخذ لهم ذلك.

وقيل: كان هو من قوم يعبدون البقر، وكان منافقًا، فاتخذ عجلًا من جنْس ما يَعبده.

قال الآلوسي: “والمتبادر من القتل: القتل المعروف من إزهاق الرّوح؛ وعليه جمْع من المفسِّرين، والفعل معطوف على سابقه؛ فإن كانت توبتهم هو القتل إمّا في حقّهم خاصّة أو توبة المرتدّ مُطلقًا في شريعة موسى عليه السلام فالمراد بقوله تعالى: {فَتُوبُوَاْ}: اعزموا على التوبة، ليصح العطف، وإن كانت هي الندم، والقتل مِن متمِّماتها كالخروج عن المظالم في شريعتنا، فهو على معناه، ولا إشكال، وقد يُقال: إن التوبة جُعلت لهؤلاء عيْن القتل، ولا حاجة إلى تأويل “توبوا”، بـ “اعزِموا”.

وفي قوله ها هنا: {إِلَىَ بَارِئِكُمْ}: تنبيه على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلَقكم، وقد عبدْتم معه غيرَه.

ثالثًا: قوم موسى يشترطون لإيمانهم رؤية الله جهرة، والله يريهم عظمته وقوته:

أقوال المفسّرين:

يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصّعق، إذ سألتم رؤيتي جهرةً عيانًا ممّا لا يُستطاع لكم ولا لأمثالكم.

واللام من: {لَكَ} في قوله: {نّؤْمِنَ لَكَ} للتّعدية، بتضمين معنى الإقرار على أنّ موسى مُقَرٌّ له، والمُقَرّ به محذوف، وهو: أنّ الله تعالى أعطاه التوراة، أو أنّ الله تعالى كلّمه فأمره ونهاه. وقد كان هؤلاء مؤمنين مِن قبل بموسى عليه السلام إلّا أنهم نفَوْا هذا الإيمان المعيّن والإقرار الخاص. وقيل: أرادوا نفْي الكمال، أي: لا يكمل إيماننا لك، كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدُكم حتى يحبّ لأخيه المؤمن ما يحبّ لنفْسه)).

قال الآلوسي: “والقول: إنهم لم يكونوا مؤمنين أصلًا، لم نرَه لأحَد من أئمّة التفسير”.

قلت: هذه اللام كالتي في قوله: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لّنَا وَلَوْ كُنّا صَادِقِينَ} [يوسف:17]، وهي تدخل على الإيمان إذا أريد به التصديق لمخبر به؛ ولذا فهم هنا أرادوا تصديقه في شيء معيّن، لا الإيمان الذي هو مجموع الاعتقاد والقول والعمل.

و{الصّاعِقَةُ}: ما صعقهم، أي أماتهم. قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتْهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء.

وقيل: أرسل الله جنودًا سَمِعُوا بحسّها، فخرّوا صعِقين ميِّتِين يومًا وليلة.

قلت: الذي يظهر: أنّ الصاعقة تتضمن صيحةً شديدةً تخلع القلوب، ويدل على ذلك: قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة:19]. وقد تقدّم عند تفسير هذه الآية: أنها قصفة رعْد تنقضّ معها شقّة من نار. ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكتْه، فصعِق، أي: مات إمّا بشدة الصوت أو بالإحراق.

قال الآلوسي: “واختُلف في موسى، هل أصابه ما أصابهم؟ والصحيح: لا، وأنه صعق ولم يمت لظاهر: ثم أفاق، في حقه”.

قلت: يعني: أنّ الصعقة في حقهم كانت تتضمّن عذابًا وموتًا وفي حق موسى عليه السلام كانت مجرّد إغماءة، لقوله تعالى في موضع آخر -وهو: سؤاله الرؤية-: {وَخَرّ موسَىَ صَعِقاً فَلَمّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ} [الأعراف:143].

والظاهر -والله أعلم-: أن موسى عليه السلام لم يُصعق أصلًا معهم، وهو ما تفيده الروايات؛ وإنما صعق مرة واحدة عند سؤاله الرؤية، ولم يجمع الله عليه صعقتيْن؛ ويدل على ذلك أيضًا: الحديث الذي في (الصحيح): ((أنا أوّل مَن تنشقّ عنه الأرض، فأجد موسى باطشًا بقائمة مِن قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزِيَ بصعقة الطور)).

كما أن هناك فرقًا بين قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ}، وبين {وَخَرّ موسَىَ صَعِقاً}، فليس في قصة موسى وجود صاعقة، وإنما غُشِيَ عليه فقط. كما أنه تعالى بيَّن في آية أخرى: أنهم إنما أخذتهم الصاعقة بظُلمهم، أي: بسبب ظلمهم؛ فهي عقاب خاص بهم.

{وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}: جملة حالية ومتعلّق النظر: ما حلّ بهم من الصاعقة، أو أثرها الباقي في أجسامهم بعد البعث، أو إحياء كلّ منهم، كما وقع في قصة العزير. قالوا: أحيا عضوًا بعد عضو. والمعنى: وأنتم تعلمون أنها تأخذكم، أو وأنتم يقابل بعضكم بعضًا.

{لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ}، أي: نعمة الله تعالى عليكم بالإحياء بعد الموت، أو نعمته سبحانه بعدما كفرتموها، إذ رأيتم بأس الله تعالى في رمْيكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت. ومَن جعَل البعث بعد الموت مجازًا عن التعليم بعد الجهل، جعل مُتعلَق الشّكر ذلك، وهذا السياق يقتضي أنّ الخطاب توجّه إلى بني إسرائيل في قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ}، والمراد: السبعون المختارون منهم. ولم يحك كثير من المفسرين سواه.

error: النص محمي !!