Top
Image Alt

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وبعض المسائل المتعلقة بأهل الكتاب وتحويل القبلة

  /  إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وبعض المسائل المتعلقة بأهل الكتاب وتحويل القبلة

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وبعض المسائل المتعلقة بأهل الكتاب وتحويل القبلة

أولًا: إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:

1. الآيات (146 – 152): {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنّهُ لَلْحَقّ مِن رّبّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلاُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكّيكُمْ وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلّمُكُم مّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}.

القراءات:

قرأ ابن عامر: “هُوَ مُوَلَّاهَا” -على صيغة اسم المفعول- أي: هو قد وُلِّيَ تلك الجهة؛ فالضمير المرفوع حينئذ عائد إلى: “كُلّ”، ولا يجوز رجوعه إلى الله تعالى، لفساد المعنى.

وقرأ غيره: {هُوَ مُوَلّيهَا}، أي: وجْهَه، فحذف أحد المفعوليْن. وقيل: هو لله تعالى، أي: الله مولَِّيها إيّاه.

و قرأ أبو عمرو: “وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ”، بالغيبة على الوعيد للكافرين، وقرأ الباقون: {تَعْمَلُونَ}، بالخطاب، أي: فيجازيكم بذلك أحسن الجزاء، فهو وعْد للمؤمنين.

المناسبة:

الحديث عن تحويل القبلة، وما في ذلك من نِعمة عظيمة، ومحاجّة لأهل الكتاب والمشركين.

لغويّات:

{الْمُمْتَرِينَ}: جمع: مُمْتَرٍ، والمِرْية هي: التّردّد في الأمر، وأصله من: مَرَيْت الناقة إذا مسحْتُ ضرْعها للحلب.

{وِجْهَةٌ}: جاء على الأصل، والقياس: جِهة، مثل: عِدة، وزِنة، وهي مصدر بمعنى المتوجَّه إليه، كالخلْق بمعنى: المخلوق، والفعل: توجَّه أو اتّجَه، والمصدر: التّوجّه أو الاتِّجاه، ولم يستعمل منه: وجْه كوعْد. وقيل: إنها اسم للمكان المتوجّه إليه، فثبوت الواو ليس بشاذّ.

{الْخَيْرَاتِ}: جمْع: خَيْرة -بالتخفيف- وهي: الفاضلة من كلّ شيء، والتأنيث باعتبار الخصْلة.

{حُجّةٌ}: هي: الدلالة المبيّنة للمحجّة، أي: المقصد المستقيم، والذي يقتضي صحّة أحد النقيضيْن. وهي: عبارة عن البرهان المثبت للمقصود.

2. الآيات (153 – 157): {يَآأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ إِنّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ (153) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاّ تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ (155) الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.

القراءات:

لا يوجد أوجه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

لمّا تقدّم أنّ المؤمنين قد سمعوا طعْن الكفار في التّوجّه للكعبة والصلاة إليها، وتأذَّوْا بذلك، أمَرهم الله عند ذلك بالصّبر والصلاة، وقيّد بعضهم ذلك بالصبر على أذَى الكفار والصلاة إلى الكعبة.

ولمّا كان الأذى من الكفار يترقّى إلى القتل، وأعظم درجات الصّبر هو: الصبر في الجهاد في سبيل الله وملاقاة الحِمام، أردف ذلك بمنزلة من يُقتل في سبيل الله عند الله تعالى.

ثم تلا ذلك ذكْر أنواع من الابتلاءات في الدنيا، سوى أذى الكفار وجهادهم، ممّا يستلزم الصبر المتقدّم ذكْره.

اللغويّات:

{أَمْوَاتٌ}: جمع ميِّت ومَيْت، والموت أنواع بحسب أنواع الحياة، ومنها: زوال القوّة الحاسّة كما في قوله: {يَلَيْتَنِي مِتّ} [مريم: 23]، وزوال القوة العاقلة، وهي: الجهالة، كما في قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاه} [الأنعام: 122]، وغير ذلك… والمراد هنا: نفْي الموت عن أرواح الشهداء، وقيل: نفْي الحزن عنهم.

{مّصِيبَةٌ}: أصلها في الرّمية، ثم اختصّت بالنائبة، مِن: أصاب يُصيب، وأصاب السهم إذا وصل إلى المرمى بالصّواب. وتأتي في الخير والشر. وقال بعضهم: المصيبة في الخير اعتبارًا بالصّوب أي: المطر، وفي الشر اعتبارًا بإصابة السهم، والأصل فيهما واحد.

ثانيًا: القرآن يقرر أن أهل الكتاب يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم:

الآثار:

عن قتادة، في قوله: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ}، قال: “اليهود والنصارى، {يَعْرِفُونَهُ} أي: يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}”.

عن قتادة، في قوله: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}، قال: “يعرفون أنّ البيت الحرام هو القِبلة”….

عن مجاهد، في قوله: {وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ}، قال: “أهل الكتاب، {لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، قال: يكتمون محمدًا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل”.

عن ابن جريج، في قوله: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}، قال: “زعموا أنّ بعض أهل المدينة من أهل الكتاب ممّن أسلم قال: والله لنحن أعرف به منّا بأبنائنا، من الصفة والنعت الذي نجده في كتابنا، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدث النساء”.

وأخرج الثعلبي، من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن ابن عباس، قال: “لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: قد أنزل الله على نبيِّه: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}، فكيف يا عبد الله هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر، لقد عرفتُه حين رأيتُه كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان. وأنا أشدّ معرفة بمحمد منِّي بابني. فقال عمر: كيف ذلك؟ قال: إنه رسول الله حق من الله، وقد نعتَه الله في كتابنا. ولا أدري ما تصنع النساء. فقال له عمر: وفّقك الله يا بن سلام”.

قلت: هذا الحديث مسنَد بسلسلة الكذب ولا يصحّ.

وأخرج الطبراني عن سلمان الفارسي، قال: “خرجت أبتغي الدِّين فوقعت في الرهبان بقايا أهل الكتاب، قال الله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}، فكانوا يقولون: هذا زمان نبيّ قد أظل، يخرج من أرض العرب، له علامات، من ذلك: شامة مدوّرة بين كتفيْه خاتم النبوة…” الحديث.

وعن أبي العالية، قال: “قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} يقول: لا تكوننّ في شكّ يا محمد، أن الكعبة هي قبْلتك، وكانت قبلة لأنبياء قبلك”.

أقوال المفسِّرين:

يُخبر تعالى أنّ علماء أهل الكتاب يعرفون صحّة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولدَه. والعرب كانت تضرب المثَل في صحّة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجُل معه صغير: ((ابنُك هذا؟، قال: نعم، يا رسول الله. أشهد به. قال: أمَا إنه لا يَجْني عليك ولا تَجْني عليه)).

قال القرطبي: “ويُروى عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدَك؟ قال: نعم، وأكثر. نزل الأمينُ من السماء على الأمين في الأرض بِنعْته فعرفتُه، وإني لا أدري ما كان من أمه”.

وقد يكون المراد {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} مِن بين أبناء الناس كلّهم، لا يشكّ أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلّهم. ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التّحقّق والإتقان العلّمي {لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ} أي: لَيكتمون الناس ما في كُتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. ثم ثبّت تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وأخبرهم بأنّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحقّ الذي لا مِرية فيه ولا شك، فقال: {الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}.

وجاز الإضمار في قوله: {يَعْرِفُونَهُ} وإن لم يسبق له ذكْر، لأنّ الكلام يدلّ عليه، ولا يلتبس على السامع. ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم، وإشعار بأنه لِشُهرته وكوْنه علَمًا معلومًا بغير إعلام.

وقيل: الضمير للعلْم، أو القرآن، أو تحويل القبلة.

وقوله: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} يشهد للأوّل، وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام.

{الْحَقّ مِن رّبّكَ}: الإشارة إلى الحقّ الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى الحق الذي في قوله: {لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ} أي: هذا الذي يكتمونه هو الحقّ مِن ربك، وأن تكون للجنس على معنى: الحق من الله لا مِن غيره.

يعني: أنّ الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل.

وقوله: {فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}، ليس المراد: نهْي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لأنّ النّهْي عن شيء يقتضي وقوعَه أو ترقّبه من المنهيّ عنه، وذلك غير متوقّع من ساحة حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا فائدة في نهْيه، ولأنّ المكلّف به يجب أن يكون اختياريًّا، وليس الشّكّ والتّردّد ممّا يحصل بقصد واختيار؛ بل المراد: إمّا تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه أحد كائنًا مَن كان، أو الأمر للأمّة بتحصيل المعارف المزيلة لِما نُهيَ عنه، فيُجعل النهيُ مجازًا عن ذلك الأمر. وفي جعْل امتراء الأمّة امتراءَه صلى الله عليه وسلم مبالغة لا تخفى، ولك أن تقول: إن الشك ونحوَه وإن لم يكن مقدورَ التحصيل لكنه مقدور لإزالة البقاء؛ ولعل النهي عنه بهذا الاعتبار، ولهذا قال الله تعالى: {فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} دون “فلا تمْتَر”.

ثالثًا: أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى البيت الحرام:

الآثار:

عن ابن عباس، في قوله: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ} “يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكلٍّ قِبلة يرضوْنها، ووجْه الله حيث توجّه المؤمنون”.

وقال أبو العالية: “لليهوديّ وجهة هو مولِّيها، وللنصرانيّ وجْهة هو مولِّيها، وهداكم أنتم أيّتها الأمّة إلى القِبلة التي هي القِبلة”.

وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، نحو هذا.

وقال مجاهد، والحسن: “أُمر كلّ قوم أن يصلّوا إلى الكعبة”.

وعن ابن عباس: أنه قرأ: “وَلِكُلِّ وِجْهَةٍ هُوَ مُوَلِّيهَا” -مضاف- قال: “مواجِهُها”. قال: “صلُّوا نحو بيت المقدس مرة، ونحو الكعبة قبلة”.

وعن قتادة: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا}، قال: “هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة”.

وعن منصور قال: “نحن نقرؤها: “ولكلٍّ جعلْنَا قبلةً يرضوْنَها”.

وعن مجاهد، في قوله: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا}، قال: “لكل صاحب ملّة قِبلة وهو مستقبلها”.

وعن قتادة، في قوله: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ}، يقول: “لا تغلبُنّ على قِبلتكم!”.

وعن أبي زيد، في قوله: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ}، قال: “فسارعوا في الخيرات. {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً}، قال: يوم القيامة”.

وأخرج البخاري، والنسائي، والبيهقي في (سننه)، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن صلّى صلاتَنا، واستقبل قِبلَتنا، وأكَل ذبيحَتَنا، فذلك المسلم، له ذمّة الله وذمّة رسوله؛ فلا تخفروا الله في ذمّته!)).

أخرج ابن جرير، من طريق السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود وناس من الصحابة، قالوا: “لما صُرف النبي صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس، قال المشركون من أهل مكة: تحيّر محمد دينه، فتوجه بقِبلته إليكم، وعلِم أنكم أهدى منه سبيلًا، ويوشك أن يدخل في دينِكم. فأنزل الله: {لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ}”.

وعن قتادة في قوله: {لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ}، قال: “يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبيّ الله إلى الكعبة البيت الحرام: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودِين قومِه”.

وعن مجاهد، في قوله: {لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ}، قال: “حجّتهم: قولهم: قد راجعتَ قِبلتنا”.

وعن قتادة ومجاهد، في قوله: {إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}، قال: “هم مشركو العرب، قالوا حين صُرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قِبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم”.

وعن قتادة في قوله: {إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}، قال: “الذين ظلموا منهم: مشركو قريش، إنهم سيحتجّون بذلك عليكم. واحتجوا على نبيّ الله بانصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا: سيرجع محمد على ديننا كما رجع إلى قبلتنا؛ فأنزل الله في ذلك كلّه: {يَآأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ إِنّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ}”…..

أقوال المفسِّرين:

وقوله تعالى: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا} هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىَ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}، وقال ها هنا: {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: هو قادر على جمْعكم من الأرض وإن تفرّقتْ أجسادكم وأبدانكم.

والمعنى: في أيّ موضع تكونوا من المواضع الموافِقة لطبعكم كالأرض، أو المخالفة كالسماء، أو المجتمعة الأجزاء كالصخرة، أو المتفرّقة التي يختلط بها ما فيها كالرمل، يحشركم الله تعالى إليه، لجزاء أعمالكم إن خيرًا فخيْر وإن شرًا فشر. والجملة فيها حثّ على الاستباق بالترغيب والترهيب، وهي على حدّ قوله تعالى: {يَبُنَيّ إِنّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ}، أو في أيّ موضع تكونوا من أعماق الأرض وقمم الجبال يقبض الله تعالى أرواحكم إليه، فهي على حدّ قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مّشَيّدَةٍ}؛ ففيها حثّ على الاستباق باغتنام الفرصة، فإنّ الموت لا يختص بمكان دون مكان.

والمعنى: لكلّ أمّة قِبلة تتوجّه إليها منكم ومِن غيركم.

ومعنى آخر وهو أن يراد: ولكلّ منكم يا أمّة محمد وجهة أي: جهة يصلّى إليها، جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية.

وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}، يجوز أن يكون المعنى: فاستبقوا الفاضلات من الجهات، وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت. {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ} مِن الجهات المختلفة {يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً}، يجْمَعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلّون حاضري المسجد الحرام.

و{أَيْنَ مَا تَكُونُواْ} من الجهات المتقابلات يَمنة ويَسرة وشرقًا وغربًا، يجعل الله تعالى صلاتكم مع اختلاف جهاتها في حُكم صلاة متّحدة الجهة، كأنها إلى عيْن الكعبة أو في المسجد الحرام، فـ: {يَأْتِ بِكُمُ} مجاز عن جعْل الصلاة متّحدة الجهة.

وقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}: هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض، وقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} دفْعًا لتوهّم مخالفة حال السّفر لحال الحضر، بأن يكون حال السّفر باقيًا على ما كان كما في الصلاة، حيث زيد في الحضر ركعتان، أو يكون مخيّرًا بيْن التوجّهيْن كما في الصوم.

{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}: تأكيد لما سبق.

وقوله: {لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ} أي: أهل الكتاب، فإنهم يعلمون مِن صفة هذه الأمّة التّوجّه إلى الكعبة؛ فإذا فقدوا ذلك من صِفتها ربّما احتجّوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إيّاهم في التّوجّه إلى بيت المقدس؛ وهذا أظهر.

ووجّه بعضهم حجّة الظلمة وهي داحضة، أن قالوا: إنّ هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم فإن كان توجّهه إلى بيت المقدس على ملّة إبراهيم، فلِمَ يرجع عنه؟

والجواب: أن الله تعالى اختار له التّوجّه إلى بيت المقدس أوّلًا لِمَا له تعالى في ذلك من الحِكمة، فأطاع ربّه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي: الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا؛ فهو صلى الله عليه وسلم مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمْر الله طرفة عين وأمّته تبع له.

وتسمية هذه الشبهة الباطلة حجّة لكونها شبيهة بها، باعتبار أنهم يسوقونها مساقها.

ولك أن تحمل الحجّة على الاحتجاج والمنازعة، كما في قوله تعالى:{لاَ حُجّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ}.

وقيل: الاستثناء منقطع، وهو من تأكيد الشيء بضدّه، وإثباته بنفْيه، والمعنى: إن يكن لهم حجّة فهي الظلم، والظلم لا يمكن أن يكون حجّة؛ فحجتهم غير ممكنة أصلًا. فهو إثبات بطريق البرهان، على حدّ قوله:

ولا عيْب فيهمْ غَيْرَ أنّ نزيلَهمْ

*(يُلام) بنِسيانِ الأحبّة والوَطنْ

وقوله:

ولا عيبَ فيهم غيرَ أنّ سيوفَهمْ

*بهنّ فلولٌ مِن قِراع الكتائبِ

وقوله: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} أي: لا تخشوا شُبَه الظلَمة المتعنِّتين، وأفرِدوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يُخشى منه.

وقوله: {وَلاُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} عطف على: {لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ}، أي لأتمّ نعمتي عليكم فيما شرعتُ لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة مِن جميع وجوهها. {وَلَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: إلى ما ضلّت عنه الأمم، هديناكم إليه، وخصّصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمّة أشرف الأمم وأفضلَها.

وفي الحديث: ((تمام النِّعمة دخول الجنّة))، وعن علي رضي الله عنه: “تمام النعمة الموت على الإسلام”.

error: النص محمي !!