Top
Image Alt

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وتذكير بني إسرائيل بنعم الله

  /  إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وتذكير بني إسرائيل بنعم الله

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، وتذكير بني إسرائيل بنعم الله

أولًا: إعراب الآيات، وبيان معنى الكلمات:

1. الآيات: (40 – 43): قال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوَاْ أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتّقُونِ (41) وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ}:

القراءات:

لا توجد وجوه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

خطاب لطائفة خاصّة مِن الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الخطاب العام، وإقامة دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد، والتذكير بصنوف الإنعام، وجعله سبحانه بعد قصة آدم؛ لأنهم مِن بنيه الذين أتاهم الهدى من الله فلم يتّبعوه وكفروا وكذّبوا.

معاني الكلمات:

{يَابَنِي}: جمع: ابن، شبيهٌ بجمْع التكسير لتغيّر مفرده؛ ولذا أُلحِق في فعله تاء التأنيث، كقولك: قالت بنو عامر. وهو مختص بالأولاد الذكور.

و{إِسْرَائِيلَ}: اسم أعجمي، وقد ذكروا أنه مركّب مِن: “إيل”: اسم من أسمائه تعالى، و”إِسْرا”، وهو: العبد، أو الصفوة، أو الإنسان، أو المهاجر. وهو لقب: يعقوب عليه السلام وللعرب فيه تصرّفات.

{اذْكُرُواْ}: أمْر مِن الذِّكر -بكسر الذال وضمّها- بمعنى واحد، ويكونان باللسان والجَنان.

{وَأَوْفُواْ}: يُقال: أَوْفَى، ووَفَى، وقال ابن قتيبة: “يُقال: أَوْفَيْتُ بالعهد وَوَفَّيْتُ به، وأَوْفَيْتُ الكيل لا غير، وجاء أوفى، بمعنى: ارتفع”.

{فَارْهَبُونِ}: الرَّهْبَة: الخوف مُطْلقًا، وقيل: مع تحرّز، وبه فارق “الاتقاء”؛ لأنه مع حزم؛ ولهذا كان الأول للعامّة، والثاني للأئمة.

2. الآيات: (44 – 46): {أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاَقُو رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}:

القراءات:

ليس فيها وجوه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

لا زال الحديث مع بني إسرائيل، وتبكيتهم.

معاني الكلمات:

“البِّر”: سعة الخير والمعروف، ومنه البَرّ لسعته، ويتناول كلّ خير، ومنه قولهم: صدقتَ وبررتَ. والنِّسيان: السهو الحادث بعد العلْم، والمراد به هنا: الترك؛ لأنّ أحدًا لا ينسى نفسه، بل يحرمها ويتركها كما يترك الشيء المنسيّ، مبالغة في عدم المبالاة والغفلة؛ فما ينبغي أن يفعله.

{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}: أصل هذا الكلام ونحوه عند الجمهور، كان بتقديم حرف العطف على الهمزة، لكن لمّا كان للهمزة صدر الكلام قُدِّمت على حرف العطف.

والصبر: حبْس النّفس على ما تكره.

والخشوع: الإخبات والتَّطامُن، ومنه: الخَشَعَة للرَّمْلة المُتَطَامِنة. وأمّا الخضوع: فاللين والانقياد، ومنه: خَضعتْ بقولها إذا ليّنتْه.

{يَظُنّونَ}: العرب قد تسمي اليقين: ظنًا، والشك: ظنًا، نظير تسميتهم الظلمة: سُدْفة، والضياء: سُدْفة، والمغيث: صارخًا، والمستغيث: صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمّى بها الشيء وضده.

3. الآيات: (47 – 49): {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِي الّتِيَ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّي فَضّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ}:

القراءات:

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: “وَلاَ تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ” بالتأنيث؛ لإسناده إلى شفاعة وهي مؤنثة لفظًّا. وقرأ الباقون بالتّذكير؛ لأن التأنيث غير حقيقيّ.

المناسبة:

ما زال الحديث حول بني إسرائيل، وتذكيرهم بنعم الله عليهم، وتحذيرهم من نقمته.

معاني الكلمات:

{الْعَالَمِينَ}: جمع: عالَم، ويُطلق على الجَمِّ الغفير من الناس، كقوله تعالى: {بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71]. {يَوْماً}: اليوم: الوقت، وانتصابه إمّا على الظرف والمُتَّقَى محذوف، أي: واتّقوا العذاب يومًا، وإمّا مفعول به، واتقاؤه بمعنى: اتّقاء ما فيه، إمّا مجازًا بجعل الظرف عبارة عن المظروف، أو كناية عنه للزومه له؛ فالاتقاء من نفس اليوم ممّا لا يمكن؛ لأنه آتٍ لا محالة ولا بد أن يراه أهل الجنة والنار جميعًا، والممكن المقدور: اتقاء ما فيه بالعمل الصالح.

الشفاعة: ضَمُّ غيره إلى وسيلته، وهي مِن: الشَّفْع ضدّ الوتر؛ لأن الشفيع ينضمّ إلى الطالب في تحصيل ما يطلب، فيصير شفعًا بعد أن كان فردًا.

والعَدْل: -أصله بفتح العيْن-: ما يساوي الشيء قيمةً وقدْرًا، وإن لم يكن مِن جنسه، وبكسْرها: المُساوي في الجنس والجرم.

{وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}: النصر في الأصل: المَعُونة، ومنه أرض منْصورة: ممدودة بالمطر، والمراد به ها هنا: ما يكون بدفع الضرر، أي: ولا هم يمنعون من عذاب الله عز وجل و{آلِ}: أصله: أهل، ولذلك يصغّر بـ”أُهَيْل”، فأبدلت هاؤه ألِفًا. وقيل: ليس بمعنى الأهل؛ لأن الأهل: القرابة، والآل: مَن يئول إليك في قرابة أو رأي أو مذهب، فألِفه بدل من واو؛ ولذلك قيل في تصغيره: “أُوَيْل”، ونقله الكسائي نصًا عن العرب. ولا يضاف إلى غير العقلاء، ولا إلى من لا خطر له منهم؛ فلا يُقال: آل الكوفة، ولا آل الحجّام. وزاد بعضهم اشتراط التذكير، فلا يقال: آل فاطمة؛ ولعل كل ذلك أكثري، وإلا فقد ورد على خلاف ذلك، كآل أعوج: اسم فرس، وآل المدينة، وآل الصليب، وآلك. ويُستعمل غير مضاف كـ “هُم خير آل”، ويُجمع كأهل فيقال: “آلُون”. وحكى أبو عبيدة: آل مكة، آل الله، وهكذا، يضاف إلى المُضْمر على المشهور.

قال عبد المطلب:

وانْصُر على آلِ الصَّلِيــ

*ـبِ وعابِدِيه اليومَ آلَكْ

و{فِرْعَوْنَ}: علَم على كلّ مَن ملك مصر كافرًا من العماليق وغيرهم، كما أنّ “قيصر” علَم على كلِّ من ملك الروم مع الشام كافرًا، وكذلك “كسرى” لكلّ من ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك الهند. ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمان موسى عليه السلام: الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان. قال ابن كثير: “وأيًّا ما كان، فعليْه لعنة الله” -وكان من سلالة عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، وكنيته: أبو مُرَّة، وأصله فارسي من اصطخر- ولِعُتُو الفراعنة، اشتَقّوا: تَفَرْعَن فلان، إذا عتا وتجبّر، وفي مُلَح بعضهم: 

قد جاءه الموسى الكَلُوم فزاد في

*أقصى تَفَرْعنِهِ وفرط عَرَامِه

والصحيح: أنه غير فرعون يوسف عليه السلام وقد آمن بيوسف، ومات في حياته، وهو من أجداد فرعون المذكور على قول.

وآل الرجل: مَن ينتسب إليه بنسب أو سبب، وقيل: من هو على دينه وملّته، وقد يطلق على الرجل نفسه ويضاف إلى المعظّم.

والمراد بـ{آلِ فِرْعَوْنَ} هنا: أهل مصر، أو أهل بيته خاصة، أو أتباعه على دينه.

{يَسُومُونَكُمْ}: مِن: السَّوم، وأصله: الذهاب للطلب، ويقال: سامه: كلّفه العمل الشّاقّ.

وقال أبو عبيدة: {يَسُومُونَكُمْ}: يُولُونَكُم، كما يقال: سامَه خُطَّةَ خَسْف، إذا أولاه إيّاها، وأصله مِن: سام السلعة، إذا طلبها، كأنه بمعنى: يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه.

والسوء: مصدر السَّيِئ، يقال: أعوذ بالله من سوء الخلُق، وسوء الفعل، يراد: قبحهما.

ومعنى: {سُوَءَ الْعَذَابِ}، والعذاب كلّه سيّئ: أشَدّه وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره.

والبلاء: المحنة إن أُشير بذلكم إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء.

قال ابن جرير: “وأكثر ما يقال في الشّرّ: بَلَوْته أَبْلُوه بَلاءً، وفي الخير: أَبْلِيه إِبْلاءً وبلاءً”.

4. الآيات: (50 – 52): {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ}:

القراءات:

قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب: “وَعَدْنَا” -بغير ألِف بعد الواو، بدون مفاعلة- لأن الوعد من الله وحده، وقرأ الباقون بالألِف بعد الواو على المفاعلة؛ لأن الله تعالى وعده الوحي، ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور؛ فالمفاعلة على بابها.

المناسبة:

ما زال الحديث مع بني إسرائيل؛ لتقريعهم، وتذكيرهم بتاريخهم، وبما أنعم الله عليهم، لعلّهم يُذعنون للحق، ويؤمنون بالنبي الخاتِم، صلوات الله وسلامه عليه.

معاني الكلمات:

{فَرَقْنَا}: فصَلنا بين بعضه وبعض، حتى صارت فيه مسالِك لكم.

{بِكُمُ}: الباء للسببية الباعثة بمنزلة اللام، إذا قلنا بتعليل أفعال الله تعالى، وللسببية الشبيهة بها في الترتيب على الفعل وكونه مقصودًا منه، إن لم نقل به. وإنما قال سبحانه: {بِكُمُ} دون “لكم”؛ لأن العرب -على ما نقله الدامغاني- تقول: “غضبتُ لزيد”، إذا غضبت مِن أجْله وهو حيّ، و”غضبتُ بزيد”، إذا غضبت مِن أجله وهو ميت، ففيه تلويح إلى أنّ الفرْق كان مِن أجل أسلاف المخاطَبين.

{الْبَحْرَ}: اختلفوا في هذا البحر، فقيل: القُلزُم، وهو: البحر الأحمر، وقيل: النيل، والعرب تُسمِّي الماء الملح والعذب: “بحرًا”، إذا كثر، ومنه: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن:19]، وأصله: السعة، وقيل: الشّقّ، ومن الأول: “البحْرة”، للبلدة، ومن الثاني: “البَحِيرة”، التي شُقّت أذنها.

{مُوسَىَ}: اسم أعجمي لا ينصرف للعلَمية والعجمة، ويقال: هو مُركَّب من: “مو”، وهو: الماء، و”شي”، وهو: الشجر، وغُيِّر إلى “سي”، بالمهملة؛ وكأن مَن سمّاه به، أراد ماء البحر، والتابوت الذي قُذف فيه، وخاض بعضهم في وزنه بما لا نطيل بذِكْره.

والشّكر: عرفان الإحسان ونشره.

والقوم: اسم جمْع لا واحد له مِن لفظه، وإنما واحده: امرؤ، وقياسه: أن لا يُجمع، وقد جُمع على: أَقْوام. وشذّ جمعُه على: أَقَاوِيم. والمشهور: اختصاصه بالرجال، لقوله تعالى: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ} [الحُجُرات:11] مع قوله: {وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ} [الحُجُرات:11]. وقال زهير:

فَمَا أدري وَسَوَف أَخَال أدري

*أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أم نساءُ

وقيل: لا اختصاص له بهم، بل يُطلق على النساء أيضًا، لقوله تعالى: {إِنّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ} [نوح:1]، والأوّل أصوب، واندراج النساء على سبيل الاستتباع والتغليب والمجاز خيْر من الاشتراك.

{الْعِجْلَ}: ولد البقرة الصغير.

ثانيًا: تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، والإيمان بما أنزله على نبيه موسى عليه السلام:

الآثار: أخرج أبو داود الطيالسي، وأحمد، وابن سعد، وابن أبي حاتم، وغيرهم، بإسناد لا بأس به، عن ابن عباس قال: ((حضرتْ عصابة من اليهود نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ قالوا: اللهم نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد!)).

عن ابن عباس، قال: “إسرائيل يعقوب”.

وعن أبي مجلز، قال: “كان يعقوب رجلًا بطيشًا، فلقي ملَكًا فعالجه، فصرعه الملَك، فضربه على فخذيه. فلما رأى يعقوب ما صُنع به بطش به، فقال: ما أنا بتاركك حتى تسمِّيَني اسمًا، فسمّاه: “إسرائيل”، قال أبو مجلز: ألا ترى أنه من أسماء الملائكة: إسرائيل، وجبريل، وميكائيل، وإسرافيل؟”.

وعن ابن عباس في قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ}: “قال للأحبار من اليهود: {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}، أي: آلائي عندكم وعند آبائكم، لما كان نجّاهم به من فرعون وقومه. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ} الذي أخذتُ بأعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءكم. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}: أُنجز لكم ما وعدتُكم عليه بتصديقكم معه واتّباعه، بوضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال.

{وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ} أن أُنزل بكم ما أنزلتُ بمن كان قبلكم مِن آبائكم مِن النّقمات، {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوَاْ أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ} وعندكم به من العلم ما ليس عند غيركم. {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوَاْ أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ}، أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ}: “يقول: ما أمرتُكم به من طاعتي، ونهيتُكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ}، يقول: أرْضَ عنكم، وأدخلكم الجنة”.

وقوله: {وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ}، “أي: فاخشون”؛ قاله: أبو العالية، والسدي.

قال أبو العالية -رحمه الله- في قوله: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ}: “يقول: يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت مصدقًا لِمَا معكم، يقول: لأنهم يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل”.

ورُوي عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، نحو ذلك.

قال ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تَكُونُوَاْ أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ}: “وعندكم فيه مِن العلْم ما ليس عند غيركم”.

عن هارون بن يزيد قال: “سئل الحسن -يعني: البصري- عن قوله تعالى: {ثَمَناً قَلِيلاً}، قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها”.

وعن سعيد بن جبير في قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}: “إن آياته: كتابه الذي أنزله إليه، وإنّ الثمن القليل: الدنيا وشهواتها”.

وقال السدي، في قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}: “يقول: لا تأخذوا “طمعًا” قليلًا، وتكتموا اسم الله، فذلك الطمع هو: الثمن”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ}: “تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب”.

وقال أبو العالية: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ}، يقول: “ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدّوا النصيحة لعباد الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم”.

وعن قتادة: {وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، قال: “كتموا محمدًا وهم يعلمون أنه رسول الله {يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}”.

وعن أبي زيد، في قوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ}، قال: “الحق: التوراة التي أنزل الله، والباطل: الذي كتبوه بأيديهم”.

وعن مجاهد، في قوله: {وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ}، قال: “هو محمد صلى الله عليه وسلم”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَآتُواْ الزّكَاةَ}: “يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَآتُواْ الزّكَاةَ}، قال: “ما يوجب الزكاة. قال: مائتان فصاعدًا”.

وعن الحسن، في قوله تعالى: {وَآتُواْ الزّكَاةَ}، قال: “فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا به وبالصلاة”.

وعن مجاهد، في قوله: {وَارْكَعُواْ}، قال: “صلّوا”.

وعن مقاتل، في قوله: {وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ}، قال: “أمَرهم أن يركعوا مع أمّة محمد. يقول: كونوا منهم ومعهم”.

أقوال المفسِّرين:

يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم ومهيجًا لهم بذِكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب عليه السلام وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: “يا بن الكريم، افعل كذا!”، “يا بن الشجاع، بارز الأبطال!”، “يا بن العالِم، اطلب العلم!”، ونحو ذلك.

ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: {ذُرّيّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء:3]. فإسرائيل هو: يعقوب عليه السلام.

وقوله تعالى: {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} كقول موسى عليه السلام لهم: {يَاقَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مّلُوكاً وَآتَاكُمْ مّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن الْعَالَمِينَ} [المائدة:20]، يعني: في زمانهم.

وذكْرهم النعمة أن لا يُخلّوا بشكْرها ويعتدّوا بها ويستعظمونها ويطيعوا مانحَها.

وأراد بها ما أنعم به على آبائهم ممّا عدّد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومِن الغرق، ومن العفوعن اتخاذ العجل والتوبة عليهم، وغير ذلك… وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم المبشَّر به في التوراة والإنجيل.

قوله: {وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ}: هذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق واتّباع الرسول، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره، وتصديق أخباره؛ والله الهادي لمن يشاء إلى صراط مستقيم، ولهذا قال: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ}.

وقوله: {مُصَدّقاً}: منصوب على الحال مِن “ما”، أي: بالذي أنزلت مصدّقًا، أو من الضمير المحذوف مِن قوله: “بما أنزلتُه مصدّقًا”. ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، وهو قوله: {بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقاً}، يعني به: القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي العربي، بشيرا ونذيرًا، وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله تعالى، مصدِّقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.

وظاهره: أنه أَمْر لبني إسرائيل. وقيل: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه علماء اليهود ورؤسائهم، فهو أمر لهم.

وقوله: {وَلاَ تَكُونُوَاْ أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ}، (قال بعض المفسِّرين: أوّل فريق كافر به، ونحو ذلك).

{وَلاَ تَكُونُوَاْ أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ}، أي: لا تسارعوا إلى الكفْر به، فإن وظيفتكم أن تكونوا أوّل مَن آمن به، لِمَا أنكم تعرفون حقيقة الأمر وأحقّيّته، وقد كنتم من قبل تقولون: إنا نكون أوّل مَن يتّبعه.

وقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}، يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي، بالدنيا وشهواتها؛ فإنها قليلة فانية.

ومعنى قوله: {وَإِيّايَ فَاتّقُونِ}: أنه تعالى يتوعّدهم فيما يعتمدونه مِن كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلى الله عليه وسلم فعليهم أن يتّقوه بالإيمان واتّباع الحق والإعراض عن الاشتراء بآيات الله تعالى الثمن القليل والعرض الزائل.

وإنما ذكر في الآية الأولى: {فَارْهَبُونِ}، وهنا: {فَاتّقُونِ}؛ لأن الرهبة دون التقوى، فحيثما خاطب الكافةَ عالِمهم ومقلِّدهم، وحثّهم على ذكر النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة والخشية؛ ولذا قِيل: الخشية: ملاك الأمر كلّه، وحيثما أراد بالخطاب فيما بعد، العلماء منهم، وحثهم على الإيمان ومراعاة الآيات، أمَرهم بالتقوى.

ويقول تعالى ناهيًا لليهود عمّا كانوا يعتمدونه مِن تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}؛ فنهاهم عن الشيئيْن معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به.

{وَتَكْتُمُواْ}، يحتمل أن يكون مجزومًا، ويجوز أن يكون منصوبًا، أي: لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال: “لا تأكل السمك وتشرب اللبن”، قال الزمخشري: “وفي مصحف ابن مسعود: “وتكتمون الحق”، أي: في حال كتمانكم الحق، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق”.

والمقصود مِن تقييد النهي بالعلم: زيادة تقبيح حالهم؛ لأنّ الإقدام على هاتيك الأشياء القبيحة مع العلْم بما ذُكر، أفحش من الإقدام عليها مع الجهل؛ وليس مَن يَعلَم كمَن لا يَعلم.

{وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ}، قال مقاتل: “قوله تعالى لأهل الكتاب: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ}: أمرهم أن يصلّوا مع النبي صلى الله عليه وسلم {وَآتُواْ الزّكَاةَ}: أمَرهم أن يُؤتوا الزكاة، أي: يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. {وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ}: أمَرهم أن يركعوا مع الراكعين مِن أمّة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: كونوا منهم ومعهم”.

وقَدّم الأمر بالصلاة لِشمول وجوبها، ولِما فيها من الإخلاص والتضرّع للحضرة، وهي أفضل العبادات البدنية، وقرَنها بالزكاة؛ لأنها أفضل العبادات المالية.

قلتُ: والذي يظهر أنهما كانَا ركنَي الإسلام بعد الشهادتيْن، فلم يكن ثَم صيام ولا حج، ولذا اقتصر عليهما.

وقوله: {وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ}، أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم ، ومِن أخصّ ذلك وأجلِّه: الصلاة.

وعبّر بالركوع عن الصلاة، احترازًا عن صلاة اليهود؛ فإنها لا ركوعَ فيها؛ وإنما قيّد ذلك بكونه مع الراكعين؛ لأن اليهود كانوا يصلّون وحدانًا، فأُمروا بالصلاة جماعة؛ لِما فيها من الفوائد.

ثالثا: أمر بني إسرائيل بالصلاة، والزكاة، والاستقامة على منهج الله، والاستعانة بالصبر والصلاة:

أقوال المفسِّرين:                 

{أَتَأْمُرُونَ}: الهمزة للتقرير، مع التوبيخ والتعجيب من حالهم.

يقول تعالى: كيف يليق بكم -يا معشر أهل الكتاب- وأنتم تأمرون الناس بالبر -وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على مَن قصّر في أوامر الله؟! أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم؟! فتنبهوا من رَقدتكم، وتبصروا من عمايتكم!

والغرض: أنّ الله تعالى ذمّهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه. وليس المراد ذمّهم على أمرهم بالبِرّ مع تركهم له، بل على تركهم له؛ فإن الأمر بالمعروف معروف، وهو واجب على العالِم، ولكن الأوْلى بالعالِم أن يفعله مع مَن أمرهم به، ولا يتخلّف عنهم، كما قال شعيب عليه السلام: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىَ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} فكلّ من الأمر بالمعروف وفعْله، واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصح قولَي العلماء من السلف والخلَف.

قال الآلوسي: “ثم إنّ هذا التوبيخ والتقريع، وإن كان خطابًا لبني إسرائيل، إلا أنه عام من حيث المعنى لكل واعظ يأمر ولا يأتمر، ويَزْجُر ولا يَنْزجر، ينادي الناس: (البدار البدار)، ويرضى لنفسه التخلف والبوار، ويدعو الخلق إلى الحق ويَنْفر عنه، ويطالب العوام بالحقائق ولا يشم ريحها منه؛ وهذا هو الذي يبدأ بعذابه قبل عبدة الأوثان، ويعظم ما يلقى لوفور تقصيره يوم لا حاكم إلا الملك الدّيّان”.

قلت: يشير إلى حديث أبي هريرة: في أوّل ثلاثة تُسعر بهم النار، ومنهم: قارئ قرأ القرآن لا لله وإنما ليُقال له: إنه قارئ.

{وَاسْتَعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ}.

يقول تعالى آمرًا عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة، بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما قال مقاتل بن حيان في تفسير هذه الآية: “استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة”.

فأمّا الصبر: فقيل: إنه الصّيام.

قال القرطبي وغيره: “ولهذا يُسمّى رمضان: شهر الصبر، كما نطق به الحديث”.

وأمّا قوله: {وَالصّلاَةِ}، فإن الصلاة مِن أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45].

والضمير في قوله: {وَإِنّهَا} عائد إلى الصلاة، نصّ عليه مجاهد، واختاره ابن جرير.

وقال ابن جرير: معنى الآية: “{وَاسْتَعِينُواْ} أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقرِّبة مِن رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين، المستكينين لطاعته، المتذلِّلين من مخافته”.

قال ابن كثير: “هكذا قال. والظاهر: أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامّة لهم ولغيرهم -والله أعلم-“.

وقدّم الصبر على الصلاة، لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، أو لأن تأثيره كما قيل في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي؛ ودرء المفاسد مقدّم على جلْب المصالح. واللام فيه للجنس، ويجوز أن يُراد بالصبر نوع منه، وهو: الصوم، بقرينة ذِكْره مع الصلاة.

وقوله: {الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاَقُو رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، هذا مِن تمام الكلام الذي قبْله، أي: وإنّ الصلاة أو الوصاة، لثقيلة {إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاَقُو رَبّهِمْ}، أي: يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، مُعرَضون عليه، {وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها بما يشاء بعدْله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء، سهُل عليهم فعْل الطاعات، وترْك المنكرات.

فأمّا قوله: {الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاَقُو رَبّهِمْ}، قال ابن جرير: “الشواهد مِن أشعار العرب وكلامها، على أنّ الظن في معنى اليقين، أكثر من أن تحصى. وفيما ذكرنا لمَن وفّق لِفهمه كفاية. ومنه قول الله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنّوَاْ أَنّهُمْ مّوَاقِعُوهَا} [الكهف:53]”. قال ابن كثير: “وفي (الصحيح): ((أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوِّجك؟ ألم أُكْرِمك؟ ألم أسخِّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول الله تعالى: أظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني))”.

error: النص محمي !!