Top
Image Alt

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، ووجوب اعتزال النساء في المحيض

  /  إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، ووجوب اعتزال النساء في المحيض

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات، ووجوب اعتزال النساء في المحيض

1. إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:أولًا: الآيتان (222، 223):

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ (222) نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنّىَ شِئْتُمْ وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّكُمْ مّلاَقُوهُ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.

إعراب {يَطْهُرْنَ}:

من قرأ  {يَطْهُرْنَ} بتشديد الطاء والهاء كـ”حمزة، والكسائي، وشعبة على أن الأصل يَتَطَهَّرْنَ -فأدغمت التاء في الطاء- فهي تكون بمعنى حتى يغتسلن، وقرأ الباقون من السبعة: {يَطْهُرْنَ}، التي هي مضارع “طهر” ، ومعناها: ينقطع دمهن. قاله الزمخشري وغيره، وقال ابن عطية: كل واحد من القراءتين يحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه.

المناسبة:

لما نهى الله عز وجل عن مناكحة الكفار، وتضمن مناكحة أهل الإيمان وإيثار ذلك، بيَّن حكمًا عظيمًا من أحكام النكاح، وهو حكم النكاح في زمن الحيض.

اللغويات:

“المحيض”: هو مفعل من الحيض، يصلح من حيث اللغة للمصدر والزمان والمكان، فأكثر المفسرين من الأدباء زعموا أن المراد به المصدر، وكأنه قيل: عن الحيض، ومثله المقيل من قال يقيل.

وقال ابن عباس: هو موضع الدم، فعلى هذا يكون المراد منه المكان. ورجح كونه مكان الدم بقوله عز وجل : {فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ} فلو أريد به المصدر لكان الظاهر منع الاستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة، فإذا حمل على موضع الحيض كان المعنى: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض.

المعنى الإجمالي:

يوجه الله سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يجيب مَن سأله مِن أصحابه عن إتيان الرجل امرأته في محل الدم وقت حيضها بأن ذلك فيه أذى وضرر، وأمرهم باجتناب وطء النساء في مكان الحيض وهو الفرج، ونهى عن جماعهن فيه حتى ينقطع عنهن الدمُ، فإذا انقطع الدم وغسلن فروجهن فمن شاء أتى امرأته حسب أمر الله وشرعه، فإن الله يحب عبادَه الذين يكثرون التوبة مما وقعوا فيه من مخالفات في هذا الأمر وغيره ويحب المتطهرين عن الأذى والمعاصي.

ثم بين سبحانه وتعالى أن النساء موضع الحرث بالنسبة لأزواجهن للمقصد العظيم من الجماع وهو طلب الولد وحفظ النسل، ولا حرج في أن يأتي الرجل امرأته على أي كيفية شاء طالما كان في هذا المكان الذي يطلب منه الولد.

وأمرهم سبحانه وتعالى أن يقدِّموا الأعمال الصالحة التي تنفعهم في أُخراهم، وأن يتقوا ما يُغضِب الله عز وجل فهم سيلقونه فيحاسبهم على أعمالهم والبشارة للمؤمنين بالأجر الجزيل والثواب العظيم.

ثانيًا: الآيات (224- 228):

{وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَن تَبَرّواْ وَتَتّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لاّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِالّلغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَـَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لّلّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَآئِهِمْ تَرَبّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُواْ الطّلاَقَ فَإِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلّ لَهُنّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِيَ أَرْحَامِهِنّ إِن كُنّ يُؤْمِنّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَبُعُولَتُهُنّ أَحَقّ بِرَدّهِنّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوَاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ}.

المناسبة:

أنه سبحانه وتعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من: الخمر، والميسر، وإنفاق العفو، وأمر اليتامى، ونكاح مَن أشرك، وحيال وطء الحائض، أمرهم سبحانه وتعالى بالتحرز في أقوالهم، فانتظم بذاك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال.

ثم لما تقدّم شيءٌ من أحكام النساء، وشيءٌ من أحكام الإيمان، جاءت آية الإيلاء الجامعة للأمرين معًا، واستكمل الكلام عن الطلاق الذي قد يترتب على الإيلاء.

اللغويات: 

“العرضة”: فعلة من العرض وهو بمعنى المفعول، كالفرقة والقبضة، يقال: فلان عرضة لكذا، والمرأة عرضة للنكاح، أي: معرضة له.

“اليمين”: أصلها العضو، واستُعمِل للحلف لما جرت العادة في تصافح المتعاقدين، وتجمع على “أيمان”، وعلى “أيمن”.

“اللغو”: ما يسبق به اللسان من غير قصد، ويقال: لغا يلغو لغوًا، ولغى يلغي لغيًا، وقال ابن الأنباري: اللغو عند العرب ما يطرح من الكلام استغناءً عنه.

الإيلاء: مصدر آلى، أي: حلف، ويقال: تألى أي: حلف، ويقال للحلف: ألية، وجمع ألية: ألايا، كعشية وعشايا.

التربص: الترقب والانتظار، مصدر: تربص وهو مقلوب التبصر،

“فاء”: يفيء فيأ وفيأةً، رجع، عن جانب المشرق إلى المغرب، وهو سريع الفيأة، أي: الرجوع.

 “العزم”: ما يعقد عليه القلب ويصمم، ويقال: عزم عليه يعزم عزمًا، وعزمت عليك لتفعلنّ: أقسمت.  

“الطلاق”: انحلال عقد النكاح، يقال منه: طلقت، تطلق فهي طالق وطالقة.  

“القرء”: أصله في اللغة الوقت المعتاد تردده، وقرء النجم: وقت طلوعه ووقت غروبه.

وقال الأصمعي: “إن القرء هو الوقت”.

وقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو؟ على قولين:

القول الأول: أن القرء الطهر، واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك بقول الشاعر -وهو الأعشى-:

وَفي كُلِّ عامٍ أَنتَ جاشِمُ غَزوَةٍ

*تَشُدُّ لِأَقصاها عَزيمَ عَزائِكا

مُوَرِّثَةٍ مالاً وَفي الحَمدِ رِفعَةَ

*لِما ضاعَ فيها مِن قُروءِ نِسائِكا

يمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه فلم يواقعهن فيها.

القول الثاني: أن القرء الحيض، قال ابن كثير: ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: “دعي الصلاة أيام أقرائك”.

فهذا لو صح لكان صريحًا بأن القرء هو الحيض، ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات.

“الرحم”: الفرج من المؤنث، وقد يستعار للقرابة، يقال: بينهما رحم، أي: قرابة، ويصل الرحم.  و”البعل”: الزوج، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها، وهي تباعله إذا فعلت ذلك معه، وامرأة حسنة التبعيل إذا كانت تحسن عشرة زوجها، والبعل أيضًا الملك، وبه سمي الصنم لأنه المكتفي بنفسه. وجمع البعل: بعول وبعولة، كفحول وفحولة، التاء فيه لتأنيث الجمع ولا ينقاس.

و”الدرجة”: المنزلة، وأصله من درجت الشيء، وأدرجته: طويته، ودرج القوم: فنوا، وأدرجهم الله فهو كطي الشيء منزلة منزلة، والدرجة المنزلة من منازل الطي، ومنه الدرجة التي يرتقى إليها.

المعنى الإجمالي:

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بألا يجعلوا حلفهم بالله حاجزًا يعترضهم عن فعل البر والخير والإصلاح بين الناس، فهو سميعٌ لما يقولون عليمٌ بما في أنفسهم.

ثم يبين لهم أنه -جل وعلا- لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم وهو كل ما لم تنعقد عليه قلوبهم في اليمين أو كان منهم على سبيل الخطأ أو النسيان، فهو سبحانه وتعالى واسع المغفرة يعفو ويصفح لحلمه العظيم.

ثم وجه سبحانه وتعالى الذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم غضبًا منهم عليهن ألا يزيد ذلك عن أربعة أشهر، فإذا مضت وعادوا إلى نسائهن وصفحوا فالله يغفر لهم ما سبق من تقصير، وهو سبحانه وتعالى الرحيم بهم وبنسائهم؛ حيث شرع هذه التشريعات لهم.

وإن عزموا على الطلاق برفضهم الفيء وتلفظوا بالطلاق أو طلق عنهم الحاكم فإن الله سميع لطلاقهم وغيره مما يتكلمون به عليم بما في قلوبهم من عزم وغيره.

ثم أمر سبحانه وتعالى النساء المطلقات بأن ينتظرن ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار قبل أن يتزوجن مرة أخرى، وحرم عليهن ألا يخبرن بما في أرحامهن من حيض وعدمه أو حمل وعدمه، وبين أن إظهارهن ذلك علامة إيمانهن بالله واليوم الآخر، وأن لأزواجهن الحقَّ دون إذنٍ من أحدٍ في ردهن أثناء هذه العِدة إلى ما كن عليه قبل الطلاق إن أرادوا الإصلاح والخير، وأنه سبحانه وتعالى جعل للنساء حقوقًا فرضها على الأزواج مثل الذي عليهن من واجبات، فرضها عليهن بما هو معروف في أحكام الشريعة وما لم يخالفها من أعراف مع الاحتفاظ للرجال بما لهم عليهن من درجة التفضيل بالقوامة ووجوب الطاعة وغير ذلك، والله عزيز لا يمانع حكيم فيما يشرع لعباده ما يصلحهم.

ثالثًا: الآيتان (229، 230):

{الطّلاَقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّآ آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئاً إِلاّ أَن يَخَافَآ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

المناسبة: لا زال الحديث عن الطلاق.

اللغويات:

“الإمساك”: للشيء حبسه، ومنه اسمان: مسك ومساك، يقال: إنه لذو مسك ومساك إذا كان بخيلًا.  و”التسريح”: الإرسال، وسرح الشعر خلص بعضه من بعض، والماشية أرسلها لترعى، والسرح الماشية.

المعنى الإجمالي:

حصر الله سبحانه وتعالى الطلاق في مرتين يمكن أن يراجع الرجل امرأته بعدهما، فإما أن يمسكها ويحسن عشرتها كما أمر سبحانه وتعالى أو يطلقها دون إضرار بها في شيء ويحسن إليها ولا يمكن له مراجعتها بعد تلك المرة الثالثة.

ولا يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة شيئًا مما أمهرها به إلا إذا ظهر الخوف من التفريط فيما أمر به الله الزوجة من حقوق تجاه زوجها، وبالتالي الزوج أيضًا في مقابل ذلك فإذا حصل ذلك فللمرأة أن تفتدي نفسها من زوجها بالخلع فتعطيه ما أصدقها إياه ويحل له أخذ ذلك، وقد أجاز الله لهما هذا الأمر، وهذه هي حدوده سبحانه وتعالى فلا يجوز تجاوزها، ومَن يتجاوز هذه الحدود فهو ظالمٌ لنفسه.

وإذا طلق الرجل امرأته الطلقة الثالثة فإنه لا يستطيع مراجعتها ولا تحل له إلا إذا تزوجها رجلٌ آخر عن رغبة وجامعها ثم بدا له فطلقها، فهنا يجوز للزوج الأول أن يتزوج بها مرة أخرى إذا بدا لهما أن كل منهما يقوم بما عليه تجاه الآخر، وهذه هي حدود الله التي حدها وبينها لعباده حتى يعلموها ولا يخالفوا ما جاء فيها.

وهذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات وأباح الرجعة في المرة والثنتين وأبانها بالكلية في الثالثة

2. وجوب اعتزال النساء في المحيض لما فيه من الأذى، والاستمتاع بهن فيما أحل الله بعد ذلك:

أ. الآثار:

أخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في (ناسخه) وابن حبان والبيهقي في (سننه) عن أنس: “أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيوت. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ…} الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلا النكاح)). فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما”.

وأخرج النسائي والبزار واللفظ له عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} قال: “إن اليهود قالوا: مَن أتى المرأة من دبرها كان ولده أحول، وكان نساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهن، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض؟ فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ} بالاغتسال {فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ}، {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لّكُمْ} إنما الحرث موضع الولد”.

وأخرج أبو العباس السراج في (مسنده) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَن أتى امرأته وهي حائض، فجاءه ولد أجذم فلا يلومن إلا نفسه”.

وأخرج أبو داود والبيهقي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا ثم صنع ما أراد)).

وعن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: “كل شيء إلا الجماع”.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي عن ميمونة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض)).

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضت يأمرني أن أتزر ثم يباشرني)).

 وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض وكان يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن)).

وأخرج مسلم عن عائشة قالت: ((كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب)).

وأخرج ابن ماجه عن أم سلمة قالت: ((كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحافه فوجدت ما تجد النساء من الحيضة، فانسللت من اللحاف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنفست؟ قلت: وجدت ما تجد النساء من الحيضة. قال: ذاك ما كتب على بنات آدم. قالت: فانسللت فأصلحت من شأني ثم رجعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعالي فادخلي معي في اللحاف. قالت: فدخلت معه)).

وأخرج البيهقي عن عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما يحل للرجل من المرأة الحائض؟ قال: ما فوق الإزار)).

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي في (سننه) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم )).

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: ((يتصدق بدينار أو بنصف دينار)).

وأخرج أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : “أمره أن يتصدق بخمسي دينار”.

عن ابن عباس في قوله: {فَإِذَا تَطَهّرْنَ} قال: بالماء.

وعن مجاهد وعطاء قالا: إذا رأت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء، ويأتيها قبل أن تغتسل.

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة: ((أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف أن تغتسل، قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قال: كيف؟ قال: سبحان الله! تطهري بها. فاجتذبها فقلت: تتبعي أثر الدم)).

وعن ابن عباس في قوله: {فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} قال: يعني أن يأتيها طاهرًا غير حائض.

وعن قتادة {فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} قال: طواهر غير حيض.

وقال الضحاك وغير واحد: {فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} يعني: طاهرات غير حيض.

عن عطاء في قوله {إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ} من الذنوب {وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ} قال: بالماء.

وعن الأعمش في قوله: {إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ} قال: “التوبة من الذنوب، والتطهر من الشرك”.

وأخرج الترمذي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)).

وعن الشعبي قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ثم قرأ: {إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ}.

أخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وأبو نعيم في (الحلية) والبيهقي في (سننه) قال: “كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول. فنزلت: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنّىَ شِئْتُمْ} إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد”.

عن ابن الحنفية في قوله: فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنّىَ شِئْتُمْ} قال: إذا شئتم. وعن عكرمة في قوله: {وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ} قال: الولد. وعن ابن عباس {وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ} قال: التسمية عند الجماع يقول: بسم الله.

وأخرج عبد الرزاق في (المصنف) وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا)).

وعن عطاء في قوله: {وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ} قال: التسمية عند الجماع.

ب. أقوال المفسرين:

قوله: {فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ} يعني: الفرج، لقوله: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.

وقوله عز وجل : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ} تفسير لقوله: {فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ} ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا ومفهومه حله إذا انقطع.

وقوله: {فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال.

وقال: {إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ} أي: من الذنب وإن تكرر غشيانه، {وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ} أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتى.

وقوله: {وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ} أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات ولهذا قال: {وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّكُمْ مّلاَقُوهُ} أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها، {وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أي: المطيعين لله فيما أمرهم التاركين ما عنه زجرهم.

جـ. مسائل حول الآيتين:

المسألة الأولى: مَن أتى امرأته وهي حائض فقد أثم فيستغفر الله ويتوب إليه، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان:

القول الأول: نعم، لحديث ابن عباس المذكور في الآثار.

القول الثاني: قال ابن كثير: وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله عز وجل لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعًا -كما تقدم- وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث.

المسألة الثانية: ذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله: {فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} وليس له في ذلك مستند؛ لأن هذا أمر بعد الحظر، وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم مَن يقول: إنه على الوجوب كالمطلق، وهؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم مَن يقول: إنه للإباحة ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا فواجب كقوله: {فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] أو مباحًا فمباح كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة: 2]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ} [الجمعة: 10] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره فاختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح.

وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة -رحمه الله- يقول -فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده-: إنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.

error: النص محمي !!