Top
Image Alt

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات وتحريف أهل الكتاب لكلام الله وبيان حال منافقيهم

  /  إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات وتحريف أهل الكتاب لكلام الله وبيان حال منافقيهم

إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات وتحريف أهل الكتاب لكلام الله وبيان حال منافقيهم

أولًا: إعراب الآيات وبيان معاني الكلمات:     

1. الآية (75): قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}:

المناسبة:

ما زال الحديث متصلًا مع بني إسرائيل، وذكْر فضائحهم، بعد تعداد النِّعم عليهم.

معاني الكلمات:

{أَفَتَطْمَعُونَ}: الاستفهام للاستبعاد، أو للإنكار التوبيخي. والطمع: تعلّق النفس بإدراك مطلوب تعلقًا قويًّا؛ وهو أشدّ من الرجاء، لا يحدث إلا عن قوة رغبة، وشدّة إرادة.

مسائل الآية:

المسألة الأولى: المقصود بـ{كَلاَمَ اللّهِ} هنا -كما ذكر المفسرون من السلف: إمّا كلام الله لموسى عليه السلام وإمّا المراد: التوراة.

والظاهر: أن الصواب: ما صح عن ابن عباس، أنّ المراد: كلام الله لموسى عليه السلام وذلك لأمور، منها:

أولًا: أنهم جميعًا مُحرِّفون للتوراة؛ علماؤهم، وعوامّهم.

ثانيًّا: أن الأصل: حمل الكلام على ظاهره، وظاهر النص أنهم سمعوا كلام الله لموسى، أي: تكليمه، كما قال الله لموسى عليه السلام: {إِنّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف: 144].

ثالثًا: أنّ وصف التوراة، بأنها كلام الله يترتب عليه لوازم، منها:

التسوية بينها وبين القرآن في الفضل؛ لأن كلًّا منهما كلام الله.

القول بالإعجاز فيها؛ لأن كلام الله لا يشبه كلام المخلوقين.

القول بأنها غير مخلوقة، وأنها صفة من صفات الله، بناءً على الفتنة المشهورة في خلْق القرآن؛ فإن من أعظم حجج جمهور أهل العلْم: الاستدلال على أن القرآن غير مخلوق؛ لأن الله وصَفه بأنه كلامه؛ ولو سلّمنا بهذا القول في التوراة، لسقط هذا الدليل برمّته.

التناقض بين الاعتقاد بأن الله، إنما كتب التوراة بيده، وأنزلت في الألواح على موسى، وبين الاعتقاد بأنه تكلّم بها حقيقة كما تكلّم بالقرآن.

تقوية شبهة الأشعري، وابن كلاب، ومن وافقهما في: أن كلام الله معنًى قائم بذاته، إن عُبِّر عنه بالعربية صار قرآنًا، أو بالعبرانية صار توراة.

التسوية بين اللغة العربية، والسريانية أو العبرانية في الفضل؛ لأن الله تكلم بالجميع.

2. الآيات (76 – 79): قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَاْ آمَنّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوَاْ أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (76) أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ (78) فَوَيْلٌ لّلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هَـَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ}:

القراءات:

لا يوجد أوجه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

ما زال الحديث في سرد مخازي اليهود، وأنواع فُسَّاقِهِم وفُجَّارِهم؛ وقد ذكر في الآيات العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلْم والاستيقان، ثم العَوَامّ الذين قلّدوهم، ونبّه على أنهم في الضلال سواء؛ لأن العالِم عليه أن يعمل بعلْمه، وعلى العامِّي أن لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكّن من العلْم.

معاني الكلمات:

الأمِّيّون: جمْع: أُمِّي، وهو: مَن لا يكتب ولا يقرأ، منسوب إلى أمِّ القرى؛ لأن أهلها لا يكتبون غالبًا، والمراد: أنهم جهلة.

و{الْكِتَابَ}: التوراة، كما يقتضيه سياق النّظم وسباقه؛ فاللام فيه إمّا للعهد، أو أنه من الأعلام الغالبة.

{أَمَانِيّ}: جمْع: أُمْنِيَة، وأصلها: أُمْنُونَة “أُفْعُولَة”، وهو في الأصل: ما يُقَدِّرُه الإنسان في نفسه، والاشتقاق مِن: مَنَى إذا قَدَّر؛ لأن المُتَمَنِّي يُقَدِّر في نفسه ويحذر ما يتمنّاه.

الويل: الهلاك، والدمار، وهي مشهورة في اللغة.

وهي مصدر لا فعْل له مِن لفْظه، وما ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِم: وَالَ مصنوع، ولا يُثَنَّى ولا يجمع، ويقال: “وَيْلَة”، ويُجمع على: “وَيْلَات”، وقال الخليل بن أحمد: “الوَيْل: شدة الشر”.

وقال سيبويه: “ويل: لمَن وقع في الهلكة، وَوَيْح: لمَن أشرف عليها”. وقال الأصمعي: “الويل: تَفَجُّع، والويح: تَرَحُّم”.

وقيل: هي كلمة تفجّع، وقد تكون تَرَحُّمًا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((وَيْلَ أُمِّه! مُسَعِّر حرب!)).

وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها، وهي نكرة؛ لأنّ فيها معنى الدّعاء.

3. الآيات (80 – 83): {وَقَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَةً قُلْ أَتّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (80) بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أُولَـَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ ثُمّ تَوَلّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مّعْرِضُونَ}:

القراءات:

قرأ نافع، وأبو جعفر: {خَطِيـَئَتُهُ} -على جمْع السلامة- والباقون: {خَطِيـَئَتُهُ} بالتوحيد، واستحسنوا قراءة الجمع بأنّ الإحاطة لا تكون بشيء واحد، ووجهت قراءة الإفراد بأن الخطيئة وإن كانت مفردة لكنها لإضافتها متعدِّدة، مع أن الشيء الواحد قد يُحيط كالحلقة، كما أن القول بتفسير الخطيئة بالشرك، مُرجِّح لقراءة التوحيد.

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب: {لاَ تَعْبُدُونَ} بالتاء، حكاية لِما خُوطبوا به، وليناسب: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ}، والباقون: بالياء: “لا يعبدون”؛ لأنّ {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} لفْظ غيْبة.

المناسبة:

ما زال الحديث عن بني إسرائيل وفضائحهم، ولمّا ذكر تعالى تحريفهم وكذِبهم عليه سبحانه، وتوعَّدَهم بالويل المرة تِلْوَ الأخرى -وهو: العذاب في نار جهنم- ذكَر فرْية وكذبة أخرى، وهي: دعواهم أنّ مكثهم في هذه النار أيامًا معدودة، ثم بيّن جزاءهم الحقيقي على كفْرهم، وجزاء المؤمنين الصادقين، وأتبع ذلك بجُرم آخر لهم، وهو نقضهم ميثاقه الذي أخذه عليهم.

معاني الكلمات:

{تَمَسّنَا}: المَسُّ: اتصال أحد الشيئيْن بآخر على وجه الإحساس والإصابة، وذكر الراغب أنه كاللمس، لكن اللمس قد يُقال لطلب الشيء وإن لم يوجد، كقوله: وأَلْمَسُهُ فَلَا أَجِدُه.

{بَلَىَ}: حرف جواب مثل: نعم، إلا أنها لا تقع جوابًا إلا لِنفْي متقدّم، سواء دخلَه استفهام، أو لا؛ فتكون إيجابًا له، وقيل: أصلها: “بل”، فزيدت عليها الألف.

{مَن كَسَبَ}: الكَسْبُ: جلب النفع، وعُبِّر به هنا على سبيل التّهكّم.

{وَأَحَاطَتْ}: الإِحاطة: الاستيلاء والشمول، وعموم الظاهر والباطن.

والوالدان: تَثْنِية والد؛ لأنه يُطلق على الأب، والأمّ، أو تغليبًا، بِناءً على أنه لا يقال إلا للأب.

و{الْقُرْبَىَ}: مصدر، كالرُّجْعَى، والألف فيه للتأنيث، وهي: قرابة الرّحم والصّلب.

{وَالْيَتَامَىَ}: وزنه: “فَعَالَى”، وألفه للتأنيث، وهو جمْع يتيم؛ كنَدِيم ونَدَامَى، ولا يَنْقاس، ويجمع على: أيتام، واليُتم أصل، معناه: الانفراد، ومنه: الدرة اليتيمة، وسُمي يتيمًا؛ لأنه يُتغافل عن بِرِّه.

وحكى الماوردي، أنه يُقال في الآدميِّين، لِمَن فُقدت أمّه.

{وَالْمَسَاكِينِ}: جمع مِسكين، على وزن: “مِفْعِيل”، مشتقّ مِن: السّكون، كأن الحاجة أسكنتْه، فالميم زائدة، كمَحْضَر مِن: الحُضُور، ورُوِي: تَمَسْكَنْ فلان، والأصح تَسَكَّن، أي: صار مِسكينًا.

ثانيا: تحريفُ أهلِ الكتابِ لكلامِ اللهِ، وبيانُ حالِ منافِقِيهم:

أقوال المفسّرين:

يقول تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} أيها المؤمنون، {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ}، أي: ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البيِّنات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك.

{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرّفُونَهُ} يتأوّلونه على غير تأويله {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}، أي: فهموه على الجليّة، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه مِن تحريفه وتأويله.

وهذا المقام، شبيه بقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ} [المائدة:13]. 

وقال الآلوسي: “{أَفَتَطْمَعُونَ}: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أو للمؤمنين؛ قاله أبو العالية، وقتادة، أو للأنصار؛ قاله النقاش. والمروي عن ابن عباس، ومقاتل: أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصّة، والجمْع للتعظيم.

{أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ}، أي: يصدِّقوا مستجيبين لكم -فالإيمان بالمعنى اللّغوي، والتّعدية باللام؛ للتّضمين، كما في قوله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} – لأجل دعوتكم لهم.

وضمير الغيْبة، لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم لأنهم المطموع في إيمانهم. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ}، أي: طائفة من أسلافهم، وهم: الأحبار، {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرّفُونَهُ}، أي: يسمعون التوراة ويؤولونها تأويلًا فاسدًا حَسْب أغراضهم”.

قال ابن كثير: “والذي ذكره السدي، أعمّ ممّا ذكره ابن عباس، وابن إسحاق -وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق- فإنه لا يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه، كما سمعه الكليم موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} [التوبة:6]، أي: مبَلَّغًا إليه”.

قال الآلوسي: “والجمهور على أنّ تحريفهم بتبديل كلام الله من تلقائهم كما فعلوا ذلك في نعته صلى الله عليه وسلم فإنه رُوِي أنّ من صفاته فيها: أنه أبيض ربعة، فغيّروه بأسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتَّسْخِيم وتَسْويد الوجه، كما في البخاري”.

{وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، متعلّق العلم محذوف، أي: إنهم مبطلون كاذبون، أو ما في تحريفه من العقاب؛ وذلك كمال مذمّتهم، وبهذا التقرير يندفع توهّم تكرار ما ذُكر بعد ما عقلوه.

ثالثًا: ادعاءُ أهلِ الكتابِ التخفيفَ في العذابِ، والردُّ عليهِمْ:

الآثار: أخرج أحمد، والبخاري، والبيهقي، في (الدلائل)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لما فُتحت خيبر أُهديتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سمّ، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي مَن كان مِن اليهود ها هنا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن أبوكم؟ قالوا: فلان، قال: كذبتم! بل أبوكم فلان! فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفتَ كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تَخْلفونا فيها، فقال لهم رسول اللهصلى الله عليه وسلم: اخسئوا! والله لا نخلفكم فيها أبدًا! ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جَعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ فقالوا: نعم، قال: ما حمَلَكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك)).

وعن ابن عباس: “أنّ اليهود كانوا يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعذّب بكل ألف سنة يومًا في النار؛ وإنما هي سبعة أيام معدودات، فأنزل الله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَةً} إلى قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}”.

وعن ابن عباس: {وَقَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَةً}: “قالت اليهود: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة”، زاد في رواية: “وهي مدة عبادتهم العجل”.

وعن مجاهد مثله.

وعن قتادة: {وَقَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَةً} “يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل”.

وعن مجاهد في قوله: {قُلْ أَتّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً} “أي: مَوْثقًا من الله بذلك أنه كما تقولون”.

وعن ابن عباس قال: “لما قالت اليهود ما قالت، قال الله لمحمد: {قُلْ أَتّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً} يقول: أدخرتم عند الله عهدًا؟ يقول: أقلتم: لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به؟ فإن كنتم قلتموها فأرجو بها، وإن كنتم لم تقولوها فَلِمَ {تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}”.

وعن قتادة، في قوله: {قُلْ أَتّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ} قال: “بفراكم وبزعمكم: أن النار ليس تمسّكم {إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَةً}، يقول: إن كنتم {أَتّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً} بذلك {فَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، قال: قال القوم الكذب والباطل، وقالوا عليه ما لا يعلمون”.

وعن ابن عباس: {بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً} “أي: عمل بمثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما لَه من حسنة”.

وفي رواية عن ابن عباس، قال: “{سَيّئَةً}: الشرك”.

وعن أبي هريرة، في قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ}، قال: “أحاط به شرْكه”.

وقال أبو العالية، ومجاهد، والحسن -في رواية عنهما- وقتادة، والربيع بن أنس: “{وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ}: الكبيرة الموجبة”.

وعن الأعمش، في قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ}، قال: “مات بذنبه”.

أقوال المفسِّرين:

يقول تعالى، إخبارًا عن اليهود فيما تقوّلوه وادّعوْه لأنفسهم، مِن أنّهم لن تمسّهم النار إلا أيامًا معدودة ثم ينجون منها، فردّ الله عليهم ذلك بقوله: {قُلْ أَتّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً}، أي: بذلك؛ فإن كان قد وقع فهو لا يُخْلف عهده. ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى بـ{أَمْ} التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.

والمراد من {النّارُ}: نار الآخرة، ومن “المعدودة”: المحصورة القليلة، وكنَّى بالمعدودة عن القليلة لِما أنّ الأعراب -لِعدم علْمهم بالحساب وقوانينه- تتصوّر القليل متيسِّرَ العدد، والكثير متعسِّرهُ؛ فقالوا: شيء معدود، أي: قليل، وغير معدود: أي كثير.

والعهد: مجاز عن خبره تعالى، أو وعده بعدم مِسَاس النار لهم سوى الأيام المعدودة، وسَمَّى ذلك عهدًا؛ لأنه أوكد من العهود المؤكّدة بالقسَم والنذر.

{أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، و{أَمْ} يُحتمل أن تكون متّصلة للمعادلة بين شيئيْن، بمعنى: أي هذيْن واقع؟ اتخاذكم العهد، أو قولكم على الله ما لا تعلمون؟ وخرج ذلك مخرج المتردّد في تعيينه، على سبيل التقرير لأولئك المخاطَبِين، لعلْم المستفهِم -وهو: النبي صلى الله عليه وسلم- بوقوع أحدهما، وهو: قولهم بما لا يعلمون على التعيين؛ فلا يكون الاستفهام على حقيقته.

{بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً}: يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنّيْتم، ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه مَن عمل سيئة {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ}، وهو مَن وافى يوم القيامة وليست له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهذا من أهل النار.

والسيئة: الفاحشة المُوجِبة للنار؛ قاله السدي، وعليه تفسير مَن فسّرها بالكبيرة، لأنها التي تُوجب النار، أي: يستحق فاعلُها النار إن لم يُغفر له، وذهب كثير من السلف إلى أنها هنا: الكفر.

والخطيئة: السيئة، وغلبت فيما قصد بالعرض، أي: لا يكون مقصودًا في نفسه بل يكون القصد إلى شيء آخر، لكن تولّد منه ذلك الفعل؛ كمن رمى صيدًا فأصاب إنسانًا، وشرب مسكرًا فجنى جناية.

قال ابن كثير بعد أن ساق أقوال السلف في معنى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ}: “وكلّ هذه الأقوال متقاربة في المعنى -والله أعلم”.

رابعًا: مَن آمَنَ بالنبي صلى الله عليه وسلم وعَمِلَ الصالحاتِ، كانَ مِنْ أهلِ الجناتِ:                      

الآثار: عن ابن عباس: {وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أُولَـَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، “أي: من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم مِن دِينه، فلهم الجنة خالدين فيها؛ يُخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله، لا انقطاع له أبدًا”.

أقوال المفسِّرين:

{وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ}، أي: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة، فهو من أهل الجنة. وهذا المُقام شبيه بقوله تعالى: {لّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً (123) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء:123، 124].

قال الآلوسي: “لما ذكر سبحانه أهل النار وما أعدّ لهم من الهلاك، أتبع ذلك بذِكْر أهل الإيمان وما أعدّ لهم من الخلود في الجنان. وقد جرت عادته -جل شأنه- على أن يشفع وعْده بوعيده، مراعاةً لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب أخرى، وقيل: إن في الجمع تربية الوعيد بذكر ما فات أهله من الثواب، وتربية الوعد بذكر ما نجا منه أهله من العقاب. والمراد من {وَالّذِينَ آمَنُواْ}: أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤمنو الأمم قبلهم؛ قاله ابن عباس وغيره؛ وهو الظاهر، وقال ابن زيد: المراد بهم: النبي صلى الله عليه وسلم وأمّته خاصة”.

error: النص محمي !!