Top
Image Alt

إعراب الآيات ومعاني الكلمات وبقية صفات المنافقين

  /  إعراب الآيات ومعاني الكلمات وبقية صفات المنافقين

إعراب الآيات ومعاني الكلمات وبقية صفات المنافقين

أولًا: إعراب الآيات، ومعاني الكلمات:

1. الآيات (14- 16): قال تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرُواْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ فَمَا رَبِحَتْ تّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}:

لغويّات: (مفردات، بلاغة):

{لَقُواْ}: يقال: لَقِيته، ولاقيْته، إذا استقبلته قريبًا منه.

{خَلَوْاْ}: خلوْتُ بفلانٍ وإليه، إذا انفردت معه.

و”الشياطين”: جمع تكسير، فَنُونُه أصليّةٌ من: شَطَنَ، أي بعُدَ؛ لبُعْدِهِ عن امتثال الأمر، وعند الكوفيِّين، وزنه (فَعلان)، فَنُونُه زائدة، من: شَاطَ يَشِيطُ، إذا هلك، أو بطل، أو احترق غضبًا، والأنثى: شيطانة.

ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ الشيطان: كل متمرِّد مِن الجن والإنس والدواب.

{مُسْتَهْزِئُونَ}: الاستهزاء: السّخرية والاستخفاف.

{وَيَمُدّهُمْ}: من مدّ الجيش، وأمدّه، إذا زاده، وألحق به ما يقوّيه ويكثّره.

ومدّه الشيطان في الغيّ، وأمدّه، إذا واصله بالوساوس، حتى يتلاحق غيُّه، ويزداد انهماكًا فيه.

{فِي طُغْيَانِهِمْ}: والطُّغيان: الغلوّ في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ.

{يَعْمَهُونَ}: والعَمَهُ مثل العمى، إلّا أنّ العمى عامّ في البصر والرأي، والعمَه في الرأي خاصّة، وهو: التّحيُّر والتّردّد، لا يدري أين يتوجّه، وسلك أرضًا عمهاء، لا منار بها.

{اشْتَرُواْ}: معنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه، واستبدالها به، على سبيل الاستعارة؛ لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر.

{الضّلاَلَةَ}: الجوْر عن القصد، وفقْد الاهتداء، يقال: ضلّ منزله، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدِّين.

{رَبِحَتْ}: الربح: الفضل على رأس المال؛ ولذلك سُمِّي: “الشّف”، من قولك: أشفّ بعض ولده على بعض، إذا فضّله.

{تّجَارَتُهُمْ}: التجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يَبيع ويشتري للرِّبح، وناقة تاجرة، كأنها مِن حسْنها وسمنها تبيع نفسها.                           

2. الآيات (17 – 20): قال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ (17) صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}:

لغويّات (مفردات، وبلاغة):

“مَثَلُ”: المثَل في أصل كلام العرب بمعنى: المِثْل، وهو: النّظير.

يقال: مثَل ومِثْل ومثيل، كشَبَه وشِبْه وشبيه، والجمع: أمثال، قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43].

ثم قيل للقول السائر الممثّل مضربه بمورده: مثَل.

{اسْتَوْقَدَ}: وقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها.

{نَاراً}: النار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنور: ضوءها وضوء كلِّ نيّر، وهو: نقيض الظلمة. واشتقاقها مِن: نار ينور، إذا نفر؛ لأنّ فيها حركة واضطرابًا، والنور مشتق منها.

{أَضَاءَتْ}: الإضاءة: فرط الإنارة، ومصداق ذلك قوله: {هُوَ الّذِي جَعَلَ الشّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً} [يونس:5].

{حَوْلَهُ}: ظرف جُعل للدّوران والإطافة، وقيل للْعَامِ: حَوْل؛ لأنه يدور.

{لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ}: الفرْق بين “أذهبه” و”ذهب به”: أنّ معنى أذهبه”: أزاله وجعله ذاهبًا، ويقال: ذهب به، إذا استصحبه ومضى به معه.

وذهب السلطان بمالِه: أخذه، قال تعالى: {فَلَمّا ذَهَبُواْ بِهِ}، وقال: {إِذاً لّذَهَبَ كُلّ إِلَـَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ} [المؤمنون:91]. ومنه: ذهب به الخيلاء.

والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} [فاطر:2]، فهو أبلغ من الإذهاب.

{وَتَرَكَهُمْ}: ترك بمعنى: طرَح وخلّى، إذا تعدى لمفعول واحد، فإذا تعدَّى لمفعوليْن كان مضمّنًا معنى: صيّر، فيجرى مجري أفعال القلوب.

{ظُلُمَاتٍ}: الظلمة: عدم النور، وقيل: عرَض ينافي النور. واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا؟ أي: ما منعك وشغلك؟ لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية.

والصَّيِّبُ: المطر الذي يصوب، أي ينزل ويقع، ويقال للسحاب: صيّب أيضًا.

وتنكير “صيب”، لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل.

كما نُكّرت “النار” في التمثيل الأول.

الرعد: الصوت الذي يُسمع من السحاب؛ كأنّ أجرام السحاب تضطرب، وتنتقض إذا حدتها الريح، فتصوِّت عند ذلك من الارتعاد.

“الْبَرْقُ”: هو الذي يلمع من السحاب من: برق الشيءُ بريقًا، إذا لمع. وتقدّم أنه أثر المخراق.

{الصّوَاعِقِ}: الصاعقة: قصْفة رعد تنقضّ معها شقّة من نار. قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكّت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه، ونرى أنها مع حدّتها سريعة الخمود. ويقال: صعقته الصاعقة، إذا أهلكته فصعق، أي: مات، إما بشدّة الصوت أو بالإحراق.

{مّشَوْاْ فِيهِ}: المشي: جنس الحركة المخصوصة، فإذا اشتدّ فهو: سعْي، فإذا ازداد فهو: عدْوٌ.

{قَامُواْ}: أي: وقفوا، وثبتوا في مكانهم. ومنه: قامت السّوق، إذا ركدت، وقام الماء: إذا جمد.

3. الآيات (21 – 24):

قال تعالى: {يَاأَيّهَا النّاسُ اعْبُدُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ وَالّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ (21) الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً وَالسّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مّمّا نَزّلْنَا عَلَىَ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتّقُواْ النّارَ الّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ}:

لغويّات: (مفردات، وبلاغة):

“يَا”: حرف وُضع في أصله لنداء البعيد، صوت يَهتف به الرجل بمَن يناديه.

وأمّا نداء القريب، فله “أَيْ” والهمزة، ثم استُعمل في مناداة مَن سَها وغفل وإن قرُب، تنزيلًا له منزلة مَن بعُد. فإذا نودي به القريب، فذلك للتأكيد المؤْذن بأنّ الخطاب الذي يتلوه معنيٌّ به جدًّا.

فإن قلت: لِم كثُر في كتاب الله النداءُ على هذه الطريقة، ما لم يكثر في غيره؟ قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وأسباب مِن المبالغة؛ لأنّ كلّ ما نادى الله له عباده، مِن أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره، ووعْده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدّارجة عليهم، وغير ذلك ممّا أنطق به كتابه، أمور ٌعظام، وخطوبٌ جسامٌ، ومعانٍ عليهم أن يتيقّظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون؛ فاقتضت الحال أن يُنادَوْا بالآكد الأبلغ.

{خَلَقَكُمْ}: الخلْق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء، يقال: خلَق النعل، إذا قدّرها وسوّاها بالمقياس.

{لَعَلّكُمْ} ولعلّ للترجي، أو الإشفاق. تقول: لعلّ زيدًا يكرمني، ولعلّه يُهينني، وقال الله تعالى: {لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ} [طه:44].

أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق، لئلا يتّكل العباد، كقوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نّصُوحاً عَسَىَ رَبّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} [التحريم:8].

{بِنَآءً} البناء: مصدر سُمّي به المبنيّ، بيتًا كان أو قبة أو خباء. وأبنية العرب: أخبيتهم، ومنه: بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدًا.

{أَندَاداً}: النّد: المِثل، ولا يقال إلاّ لِلمِثل المخالف المناوئ.

قال جرير:

أتيمًا يجعلون إليّ ندًّا

*وما تيم لذي حسب نديدَا

{بِسُورَةٍ}: السُّورة: الطائفة من القرآن التي أقلّها ثلاث آيات. وواوها إن كانت أصلًا، فإمّا أن تُسمّى بسور المدينة؛ وهي حائطها؛ لأنها طائفة من القرآن محدودة، كالبلد المسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلْم وأجناس من الفوائد، كاحتواء سور المدينة على ما فيها.

والشهداء: جمع شهيد، بمعنى: الحاضر، أو القائم بالشهادة.

{مّن دُونِ اللّهِ}: الدّون: أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدّون، وهو: الدنيء الحقير، ودوّن الكُتب إذا جمعها، لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض، وتقليل المسافة بينها، يقال: هذا دون ذاك، إذا كان أحط منه قليلًا.

ودونك: هذا أصله: خُذْه، من: دونك، أي: من: أدنى مكان منك؛ فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب، فقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلْم.

والوقود: ما ترفع به النار، وأمّا المصدر فمضموم، وقد جاء فيه الفتح، والوقود: الحطب.

{أُعِدّتْ} هُيّئت لهم، وجُعلت عُدّة لعذابهم.

4. الآية (25): قال تعالى: {وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هَـَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}:

لغويّات: (مفردات، وبلاغة):

قوله: {وَبَشّرِ}: البُِشارة -بالكسر والضم-: اسم مِن: بشَّر بِشْرًا وبُشورًا، وتُفتح الباء فتكون بمعنى: الجمال.

وهي الإخبار بما يُظهر سرور المخبَر به على بشَرته؛ ومن ثمّ قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيّكم بشّرني بقدوم فلان فهو حر! فبشّروه فُرادى، عتق أوّلهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال -مكان: “بشّرني”-: أخبَرَني، عُتقوا جميعًا، لأنهم جميعًا أخبروه. ومنه: البَشَرة لظاهر الجِلد، وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه.

وأمّا: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، فمِن العكس في الكلام، الذي يُقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزئ به، وتألّمه واغتمامه، كما يقول الرجل لعدوّه: أبشرْ بقتل ذريّتك، ونهْب مالِك! ومثله قوله: فأعتبوا بالصيلم، أي: السيف.

وفي الفعل لغتان: التّشديد، وهي العليا، والتخفيف: وهي لغة أهل تهامة، وقُرئ بهما في المضارع منه في مواضع من القرآن الكريم.

{الصّالِحَاتِ}: الصالحة: نحو: الحسنة، في جريها مجرى الاسم، وهي كلّ ما استقام من الأعمال، بدليل العقل والكتاب والسُّنّة، واللام للجنس.

{جَنّاتٍ}: الجَنّة في الأصل: المرّة مِن الجَنن بالفتح، مصدر: جَنّه إذا ستره. ومدار التركيب على السّتر، ومنه: المِجنّ، الذي يستتر به المحارب. وقوله: ((الصّومُ جُنّة))، وقوله: ((الإمام جُنّة))، ونحو ذلك.

سمّي بها: البستان الذي سترت أشجارُه أرضّه، أو كلّ أرض فيها شجر ونخل، فإنْ كان ما به كرم، فاسمه: فردوس.

وأطلقت الجَنّة أيضًا، على الأشجار نفسها، ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب؛ إذ فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مما هو مغيّب الآن عنا.

{تَحْتِهَا}: تحت: ظرف مكان لا يتصرّف فيه بغير “مِن”، والضمير للجنات.

{وَأُتُواْ بِهِ}: أي: جيئوا، مِن: أَتَى، بمعنى: جاء، بخلاف “آتى” التي بمعنى: أعطى. وأُبهم الفاعل، والمراد: الخَدم من الولدان.

و{الأنْهَارُ}: جمع ” نَهَرو نَهْر” بفتح الهاء وسكونها، والفتح أفصح، وأصله: الشّقّ.

{أَزْوَاجٌ}: جمْع زوْج، ويطلق على الذّكر والأنثى، وهو الأفصح فيها؛ قال تعالى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:90]، وقال: {وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ}، وقال: {بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدّلَ بِهِنّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ} [الأحزاب:52]. ويصحّ أن يقال: زوجة وزوجات.

{مّطَهّرَةٌ}: المعنى: وجماعة أزواج مطهّرة.

والتطهير -كما قال الراغب-: يُقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعًا، فيكون عامًّا هنا.

فإن قلت: هَلَّا قيل: طاهرة، قلت: في {مّطَهّرَةٌ}:  فخامة لصفتهنّ ليست في “طاهرة”، وهي الإشعار بأن مطهِّرًا طهّرهنّ، وليس ذلك إلا الله عز وجل المريد بعباده الصالحين أنْ يخوِّلهم كل مزيّة فيما أعدّ لهم.

{خَالِدُونَ}: الخلد: الثبات الدائم، والبقاء اللازم الذي لا ينقطع، ويُطلق على المكث الطويل، وإن انقطع.

قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مّتّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34].

ثانيًا: بقية صفات المنافقين:

بعض الآثار الواردة:

قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}:

عن ابن عباس، في قوله: {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ}، قال: “كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبيّ أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم، {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ}، وهم إخوانهم، {قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ}، أي: على مثل ما أنتم عليه، {إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}، قال: ساخرون بأصحاب محمد.  {اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} قال: يسخر بهم للنقمة منهم {وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ}، قال: في كفرهم، {يَعْمَهُونَ} قال: يتردّدون”.

وعن ابن مسعود، في قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ}، قال: “رءوسهم في الكفر”.

وعن مجاهد، في قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ}، قال: “أصحابهم من المنافقين والمشركين”.

وعن قتادة في قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ}، قال: “إلى إخوانهم من المشركين، ورءوسهم وقادتهم في الشر، {قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}، يقولون: إنما نسخر من هؤلاء القوم، ونستهزئ بهم”.

وعن ابن عباس: قالوا: {إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}: “ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم”، وكذلك قال الربيع بن أنس، وقتادة.

وعن السّدّي بأسانيده: {وَيَمُدّهُمْ} “يُملي لهم”.

وعن ابن عباس: {وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}: “في كفرهم يتردّدون”.

وعن ابن مسعود، في قوله: {وَيَمُدّهُمْ}، قال: “يُملي لهم في طغيانهم {يَعْمَهُونَ} قال: في كفرهم يتمادَوْن”.

وعن ابن عباس، في قوله: {يَعْمَهُونَ} قال: “يتمادوْن”.

وعن السّدّي بأسانيده: {الّذِينَ اشْتَرُواْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ}، قال: “أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى”.

وعن مجاهد: “آمنوا ثم كفروا”.

وعن ابن عباس، في قوله: {أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرُواْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ}، قال: “الكفر بالإيمان”.

وعن قتادة، في قوله: {أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرُواْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ}، قال: “استحبوا الضلال على الهدى”.

{فَمَا رَبِحَتْ تّجَارَتُهُمْ}، قال: “قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنّة إلى البدعة”.

أقوال المفسِّرين في معناها:

يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين، {قَالُوَا آمَنّا}، وأظهروا لهم الإيمان، والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين، ونفاقًا، ومصانعة، وتقيّة، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم. {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ}، يعني: إذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم، فضمَّن {خَلَوْاْ} معنى: انصرفوا، لتعديته بـ”إلى” ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به.

قال ابن كثير: “ومنهم من قال: “إِلَى” هنا بمعنى: مع، والأوّل أحسن وعليه يدور كلام ابن جرير. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مرَدته، ويكون الشيطان من الإنس والجنّ، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112]”.

وقوله تعالى، جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: {اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قال ابن جرير: أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة، في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13]، وقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ} [آل عمران:178]. قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله -تعالى ذِكْره- وسخريته، ومكْره، وخديعته للمنافقين، وأهل الشرك به عند قائل هذا القول، ومتأوّل هذا التأويل. قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم: توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ارتكبوا من المعاصي والكفر به سبحانه.

وقوله: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}: في ضلالتهم وكفرهم الذي غمَرهم دنسُه وعلاهم رِجْسُه، يتردّدون حيارى، ضلالًا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛  لأنّ الله قد طبع على قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها، فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلًا.

وحاصل قول المفسِّرين فيما تقدّم: أنّ المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة.

صلة الآيات بما قبلها:

أولًا: الآيات (14 – 16):

مازلنا في استكمال أوصاف صنف المنافقين، قال أبو السعود -رحمه الله-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ}: شروع في تعديد بعض قبائحهم المتفرِّعة على ما حكي عنهم من الكفر والنفاق.

ثانيًا: الآيات (17 – 20):

لما جاء الله سبحانه بحقيقة صِفة المنافقين، عقّبها بضرب المثّل؛ وذلك زيادة في الكشف، وتتميمًا للبيان. ثم ثنّى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر، ليكون كشفًا لحالهم بعد كشف، وإيضاحًا بعد إيضاح. وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أنْ يُجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يُفصّل ويُشبع.

ثالثًا: الآيات (21 – 24):

لما عدّد الله تعالى فِرق المكلّفين من المؤمنين، والكفار، والمنافقين، وذكَر صفاتِهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصّت به كلّ فرقة ممّا يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند الله ويُرديها، أقبل عليهم بالخطاب؛ وهو مِن الالتفات الذي يُحرِّك السامع وينبّهه.

رابعًا: الآية (25): فإن الله سبحانه وتعالى مِن عادته في كتابه الكريم، أنْ يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار، إرادة التنشيط لاكتساب ما يُزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يُتلف. فلمّا ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفّاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة، بالثواب الجزيل.

error: النص محمي !!