Top
Image Alt

إعراب الآيات ومعاني الكلمات وبيان مدى عداوة اليهود لجبريل عليه السلام وبيان تصديق النبي صلى الله عليه وسلم للتوراة والإنجيل

  /  إعراب الآيات ومعاني الكلمات وبيان مدى عداوة اليهود لجبريل عليه السلام وبيان تصديق النبي صلى الله عليه وسلم للتوراة والإنجيل

إعراب الآيات ومعاني الكلمات وبيان مدى عداوة اليهود لجبريل عليه السلام وبيان تصديق النبي صلى الله عليه وسلم للتوراة والإنجيل

أولًا: إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:  

1. الآيات (97 100): قوله تعالى : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَن كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاّ الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}:

القراءات:

لا يوجد في الآيات وجوه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

ما زال الحديث مستمرًّا عن جرائم بني إسرائيل، وجحودهم، وسوء أدبهم مع الله، وأنبيائه ورُسُله.

اللغويّات:

{وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}: قال ابن كثير: “في جبريل وميكائل لغات وقراءات، تُذكر في كتب اللغة والقراءات، ولم نطوِّل كتابنا هذا بسرد ذلك، إلا أن يدور فهْم المعنى عليه، أو يرجع الحُكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان”.

قال: “ومن الناس، من يقول: “إيل”، عبارة عن “عبد”، والكلمة الأخرى هي اسم الله، لأن كلمة “إيل”، لا تتغيّر في الجميع، فوِزَانه: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الملك؛ فـ”عبد”، موجودة في هذا كلّه، واختلفت الأسماء المضاف إليها؛ وكذلك جبرائل، وميكائل، وإسرافيل، وعزرائل، ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدّمون المضاف إليه على المضاف -والله أعلم”.

قلتُ: الذي في الآثار القادمة: عكس ذلك، وأنّ معنى “إيل”: الله؛ فيكون على غرار كلام العرب.

{وَجِبْرِيلَ}: علَم ملَك كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وهو اسم أعجميّ، ممنوع مِن الصّرف للعلَميّة والعُجمة.

وأبعدَ مَن ذهب إلى أنه مشتق مِن: “جبروت الله”، وجعله مركبًا تركيب مزج مِن مضاف ومضاف إليه؛ فمنْعه من الصّرف للعلَمية والتركيب ليس بشيء؛ لأن ما يُركّب هذا التركيب يجوز فيه البناء والإضافة، ومنع الصرف؛ فكونه لم يُسْمع فيه الإضافة، أو البناء: دليل على أنه ليس من تركيب المزج.

وكذا “ميكائيل”، فيه لغات، منها: {وَمِيكَالَ} كـ “مِفعال”، وبها قرأ أبو عمرو، وحفص؛ وهي لغة الحجاز.

قال ابن جني: “العرب إذا نطقت بالأعجميّ خلطت فيه”.

والكلام في مْنع صرف “ميكائيل”، كالكلام في “جِبْريل”. واشتُهر أنّ معناه: “عبيد الله”، وقيل: “عبد الله”.

و”العدوّ”، للشخص: ضد الصديق، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والتثنية والجمع، وقد يُؤنّث ويُثنّى ويُجمع، وهو: الذي يريد إنزال المضارّ به.

والنَّبذُ: الرّمي بالذمام ورفضه.

وقرأ ابن مسعود: “نَقَضَه فريقٌ مِنْهُم”.

2. الآيات (101 103): قوله تعالى: {وَلَمّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101) وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ عَلَىَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـَكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ النّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّىَ يَقُولاَ إِنّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُواْ واتّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ اللّهِ خَيْرٌ لّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}:

المناسبة:

ما زالت الآيات تتحدث عن جرائم اليهود، وكفْرهم وعنادهم، وإنكارهم نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم ولما كانت سنّة الله جارية بأنه ما أمات أحد سُنّةً، إلا زاد الله في خذلانه بأن أُحيي على يديه بدعة، أعقبهم نبْذهم لكلام الله، إقبالَهم على كلام الشياطين.

اللغويات:

{وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}: جمْع ظهر، وهو معروف، ويجمع أيضًا على: ظُهران، وقد شبّه ترْكهم كتاب الله تعالى وإعراضهم عنه، بحالة شيء يُرمى به وراء الظهر؛ والجامع: عدم الالتفات وقلة المبالاة، ثم استعمل ها هنا ما كان مستعملًا هناك، وهو: النبذ وراء الظهر، والعرب كثيرًا ما تستعمل ذلك في هذا المعنى، ومنه قول تميم بن مر:

لا تكوننّ حاجتي بظهْر

*ولا يعيى عليك جوابُها

{سُلَيْمَانَ}: اسم أعجمي، لنبي الله الكريم سليمان بن داود -عليهما السلام- وامتنع من الصرف للعلَمية والعجمة، ونظيره من الأعجمية، في أن آخره ألف ونون: “هامان”، و “ماهان”، و “شامان”؛ وليس امتناعه من الصرف للعلَمية وزيادة الألف والنون، كـ “عثمان”؛ لأن زيادتهما موقوفة على الاشتقاق والتصريف، وهما لا يدخلان الأسماء الأعجمية.

و{السّحْرَ}: في الأصل مصدر: سحَر يَسحَر، -بفتح العين فيهما- إذا أبدى ما يدقّ ويخفى؛ وهو من المصادر الشاذة، ويُستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به: أمر غريب يُشبه الخارق وليس به؛ إذ يجري فيه التعلّم، ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح؛ قولًا: كالرّقَى التي فيها ألفاظ الشرك، ومدح الشيطان وتسخيره، وعملًا: كعبادة الكواكب، والتزام الجناية وسائر الفسوق، واعتقادًا: كاستحسان ما يوجب التقرب إليه ومحبّته إياه.

وذلك لا يستتب إلا بمن يناسبه في الشر وخبث النفس، فإن التناسب شرط التّضامّ والتعاون؛ فكما أن الملائكة لا تعاون إلّا أخيار الناس المشبّهين بهم في المواظبة على العبادة والتقرب إلى الله تعالى بالقول والفعل، كذلك الشياطين لا تعاون إلّا الأشرار المشبّهين بهم في الخيانة والنجاسة قولًا وفعلًا واعتقادًا؛ وبهذا يتميّز الساحر عن النبي، والولي.

وأمّا ما يُتعجب منه، كما يفعله أصحاب الحِيَل بمعونة الآلات المركّبة على النسبة الهندسية تارة، وعلى صيرورة الخلاء ملاء أخرى، وبمعونة الأدوية كالنارنجيات، أو يريه صاحب خفّة اليد، فتسميته سحرًا على التجوّز؛ وهو مذموم أيضًا عند البعض، وصرح النووي بحرمته.

{بِبَابِلَ}: بلد في سواد الكوفة، وقيل: بابل العراق.

وقال قتادة: “هي مِن نصيبين إلى رأس العين”.

{هَارُوتَ وَمَارُوتَ}: عطف بيان للملكَيْن، وهما اسمان أعجميان لهما، مُنعا من الصرف للعلَمية والعجمة، وقيل: عربيان مِن: الهرت والمرت، بمعنى: الكسر. وكان اسمهما قبل: عزا وعزايا، فلما قارفا الذنب سُمِيا بذلك؛ ويشكل عليه منعُهما من الصرف، وليس إلا العلمية. وتكلّف له بعضهم، بأنه يحتمل أن يُقال: إنهما معدولان من الهارت والمارت.

والفتنة: هي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:

وقد فُتن الناس في دينهم

*وخَلَّى ابنُ عفان شرًّا طويلا

وكذا قوله تعالى -إخبارًا عن موسى عليه السلام حيث قال-: {إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ}، أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك: {تُضِلّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ}.

و{الْمَرْءِ}: عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويُثنّى كل منهما، ولا يجمعان، والأفصح: فتح الميم مطلقًا.

وقد جاء جمْعه نادرًا بالواو والنون، فقالوا: المرءون.

والزوج: امرأة الرجل، وقيل: المراد به هنا: القريب، والأخ الملائم، ومنه: قوله تعالى: {مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}، وقوله: {احْشُرُواْ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ}.

والخَلاق: النصيب؛ قاله مجاهد، أو القِوام؛ قاله ابن عباس، أو القدْر؛ قاله قتادة.

ومنه قول الشاعر:

فما لك بيتٌ لدى الشامخاتِ

*وما لك في غالبٍ من خَلاقِ

قال الزجاج: “وأكثر ما يُستعمل في الخير، ويكون للشر على قلّة”.

والمثوبة: “مَفْعَلَة” -بضم العين- مِن: الثَّواب، فنُقِلَت الضمة إلى ما قبْلها؛ فهو مصدر ميمي.

وقيل: “مَفْعُولَة”، وأصلها: مَثْوُوبَة، فنُقلت ضمة الواو إلى ما قبْلها، وحذفت لالتقاء الساكنيْن؛ فهي من المصادر التي جاءت على “مَفْعُولة”، كمَصْدُوقة، كما نقله الواحدي.

ج. الآيات (104 107): قوله تعالى: {يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مّا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْكُمْ مّنْ خَيْرٍ مّن رّبّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ}:

المناسبة:

لمّا ذكَر -سبحانه- إجرام اليهود باتّباعهم السِّحر، وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ذكَر نوعًا آخر مِن إيذائهم إيّاه بنوع مِن سحْر البيان، وهو: استخدامهم لفظًا يريدون به غير ظاهره، ونهى المسلمين عن مشابهتهم في استعمال هذا اللفظ، ثم عطف سبحانه بموقف آخر من مواقفهم في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بطعنهم في دِينهم؛ لِما فيه مِن تغيير لبعض الأحكام المُنزلة؛ وهو: موضوع النسخ.

اللغويّات:

{رَاعِنَا}: قال الأخفش: “هو: “فَاعِلْنا” مِن: المُراعاة، على معنى: أَرْعِنَا سَمْعَك، ولكن الياء ذهبت للأمر، وهو مِن: أَرْعَيْتُه سمعي: إذا أَصْغَيْتُه إليه”.

قال: “ويقال: راعِنًا -بالتنوين- على إعمال القول فيه، كأنه قال: لا تقولوا فُحْشًا، ولا تقولوا هجرًا، وهو مِن: الرُّعُونة. وبه قرأ الحسن”.

والرّعي: حفظ الغير لمصلحته، سواء كان الغير عاقلًا، أو لا.

{وَقُولُواْ انْظُرْنَا}، أي: انتظرنا، وتأنَّ علينا، أو انظر إلينا؛ ليكون ذلك أقوى في الإفهام والتعريف، وكان الأصل أن يتعدّى الفعل بـ “إلى”، لكنه توسّع فيه، فتعدّى بنفسه، على حدّ قوله:

ظاهِراتُ الجَمالِ وَالسَروِ يَنظُر

*نَ كَما يَنظُرُ الأَراكَ الظِباءُ

{مّا يَوَدّ}:

الودّ: محبة الشيء، وتمنِّي كونه، ويُذَكَّر ويُراد كلّ واحد منهما قصدًا، والآخر تبعًا، والفارق كون مفعوله جملة إذا استعمل في التّمنّي، ومفردًا إذا استعمل في المحبّة؛ فتقول على الأوّل: وددت لو تفعل كذا، وعلى الثاني: وددْت الرجل.

والنسخ لغة: إزالة الصورة، أو ما في حكْمها عن الشيء، وإثبات مثل ذلك في غيره، سواء كان في الأعراض، أو في الأعيان؛ فمن الأول: نَسَخَت الريحُ الأثرَ، أي: أزالته، ومن الثاني: نَسَخْتُ الكتاب، إذا أثبت ما فيه في موضع آخر.

ثانيًا: بيان مدى عداوة اليهود لجبريل عليه السلام لأنه ينزل بكلمات الله:

أقوال المفسّرين:

قال ابن جرير: “أجمع أهل العلْم بالتأويل جميعًا، أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك؛ فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوّته.

وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك مِن أجل مناظرة جرتْ بين عمر بن الخطاب وبينهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم”.

وأما تفسير الآية، فقوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ}، أي: مَن عادى جبريل فلْيعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم، على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسُل الله ملَكيّ، ومن عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، كما أنّ مَن كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً} [النساء: 150، 151]، فحَكم عليهم بالكفر المحقَّق إذا آمنوا ببعض الرُّسل، وكفروا ببعضهم.

وكذلك مَن عادى جبريل، فإنه عدوّ لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: {وَمَا نَتَنَزّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64]، وقال تعالى: {وَإِنّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ (193) عَلَىَ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 192- 194].

وقد روى البخاري في (صحيحه)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن عادى لي وليًّا، فقد بارزني بالحرب)).

ولهذا غضب الله لجبريل على مَن عاداه، فقال: {مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، أي: مِن الكتب المتقدّمة، {وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، أي: هدًى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة؛ وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيَ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مّكَانٍ بَعِيدٍ} [فُصِّلَت: 44].

وقوله: {فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ}، الضمير الأول البارز لجبريل، والثاني للقرآن.

وقيل: الأول لله تعالى، والثاني لجبريل، أي: فإن الله نزّل جبريل بالقرآن على قلبك، وفي كلّ من الوجهيْن إضمار يعود على ما يدل عليه السياق؛ وفي ذلك من فخامة الشأن ما لا يخفى.

ثم قال تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ}، يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسُلي -ورسُله تشمل رسُله من الملائكة والبشَر، كما قال تعالى: {اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ} [الحج: 75]- {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}؛ وهذا من باب عطف الخاصّ على العامّ، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خصّصا بالذِّكْر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه “مِيكَالَ”، في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوّهم، وميكائل وليّهم، فأعلَمَهم تعالى أنّ مَن عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا، ولأنه أيضًا ينزل على الأنبياء بعض الأحيان.

كما قُرن إسرافيل برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكال موكل بالنبات والقطر، هذاك بالهدى، وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالصُّور للنفخ للبعث يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل، يقول: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)).

وعداوة الكافر لله عز وجل هنا مجاز، إمّا عن مخالفته تعالى وعدم القيام بطاعته لِما أنّ ذلك لازم للعداوة، وإمّا عن عداوة أوليائه. وصدر الكلام بذكْره تعالى، لتفخيم شأن أولئك الأولياء، حيث جعل عداوتهم عداوته تعالى.

وقوله تعالى: {فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ} فيه إيقاع المُظهر مكان المُضمر حيث لم يقل: فإنه عدو للكافرين، بل قال: {فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ}، كما قال الشاعر:

لا أرى الموتَ يسبق الموتَ شيءٌ

*سبق الموتُ ذا الغنى والفقيرَا

وقال الآخر:

ليت الغراب غَداة ينعَب دائبًا

*كان الغراب مُقَطَّع الأوداجِ

وإنما أظهر الاسم ها هنا لتقرير هذا المعنى، وإظهاره، وإعلامهم أنّ مَن عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومَن عادى الله فإن الله عدو له؛ ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدّم الحديث: ((مَن عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب)).

وفي الحديث الآخر: ((إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحَرِب)).

وفي الحديث الصحيح: ((ومَن كنتُ خصمَه خصمْتُه)).

وقال ابن جرير، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ} “أي: أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالات على نبوّتك. وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله تعالى مِن خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عمّا تضمّنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلّا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم، وبدّلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة.

فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمَن أنصف نفسه، ولم يدْعُه إلى هلاكها الحسدُ والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديقُ من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصف، من غير تعلّم تعلّمه من بشَريّ، ولا أخذ شيئًا منه عن آدمي”.

قوله: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاّ الْفَاسِقُونَ}، أي: إلا المتمرِّدون من الكفَرة.

قال الحسن: “إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي، وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من كفْر أو غيره، فإذا قيل: هو فاسق في الشرب، فمعناه: هو أكثر ارتكابًا له، وإذا قيل: هو فاسق في الزنى، يكون معناه: هو أشد ارتكابًا له”.

واللام في: {الْفَاسِقُونَ} للجنس، والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب.

قوله: {أَوَكُلّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً}.

نزلت في مالك بن الضَيِّف، وقيل: في اليهود، عاهدوا إن خرج لنؤمننّ به ولنكوننّ معه على مشركي العرب، فلما بُعث كفروا به.

وقال عطاء: “في اليهود، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهود، فنقضوها كفعْل قريظة، والنضير”.

ومعنى: {نّبَذَهُ} هنا، أي: نقضه وترَك العمل به.

وقال: {فَرِيقٌ مّنْهُم} لأن منهم من لم يَنقض.

{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بالتوراة، وليسوا مِن الدِّين في شيء، فلا يَعدّون نقض المواثيق ذنبًا ولا يُبالون به.

ويحتمل أن يراد بالأكثر: النّابذون، وأن يراد مَن عداهم، فعلى الأول، يكون ذلك ردًّا لِما يُتوهّم أنّ الفريق هم الأقلون، بناءً على أن المتبادر منه القليل، وعلى الثاني، ردّ لِما يُتوهّم أنّ مَن لم ينبذ جهارًا يؤمنون به سرًّا.

فالقوم ذمّهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعْته وصفته وأخباره، وقد أُمروا فيها باتباعه ومؤازرته ومناصرته، كما قال:  {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ} [الأعراف: 157].

ثالثًا: النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب الذي نزل عليه، يصدق ما جاء من عند الله، في التوراة، والإنجيل:

أقوال المفسّرين:

اليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا! وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا! قال تعالى: {الّذِينَ عَاهَدْتّ مِنْهُمْ ثُمّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرّةٍ}. والهمزة للإنكار، بمعنى: ما كان ينبغي. وفيه إعظام ما يُقدمون عليه مِن تكرّر عهودهم ونقْضها، حتى صار سجيّة لهم وعادة؛ وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكترث بأمرهم، وأن لا يصعب عليه مخالفتهم. والواو للعطف على محذوف، أي: أكَفروا بالآيات وكلّما عاهدوا؟ وضُمِّن {عَاهَدُواْ} معنى: “أعطوا”؛ ولذا قال: {نّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم}.

error: النص محمي !!