Top
Image Alt

إنشاء القوة البحرية الإسلامية على شرق البحر المتوسط، فتح قبرص، ردوس، القوقاز، وأرمينية

  /  إنشاء القوة البحرية الإسلامية على شرق البحر المتوسط، فتح قبرص، ردوس، القوقاز، وأرمينية

إنشاء القوة البحرية الإسلامية على شرق البحر المتوسط، فتح قبرص، ردوس، القوقاز، وأرمينية

أ. إنشاء القوة البحرية الإسلامية على شرق البحر المتوسط:

إن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله  عنه كان قد جعل معاوية مستمرًّا في ولاية الشام، وهذه الفكرة -فكرة إنشاء قوة بحرية إسلامية- كانت في الأصل من أفكار معاوية بن أبي سفيان رضي الله  عنه.

فمن المعروف أن معاوية أرسل إلى الفاروق عمر بن الخطاب قديمًا يستأذنه في إنشاء هذه القوة. ويلاحظ: أن الفاروق -كعادته- حاول أن يجمع أهل المشورة؛ ليستشيرهم في هذا الأمر.

ومن ثم راسل عمرو بن العاص في هذا الموضوع، فأرسل عمر إلى عمرو خطابًا يسأله عن موضوع البحر، ورد عمرو على عمر برسالة يصف فيها موضوع البحر هذا بعبارات بالغة، في منتهى الدقة؛ حيث يقول: “إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلقٌ صغير، ليس إلا السماء والماء؛ إن ركد خرق القلوبَ؛ وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد اليقين فيه قلة، والشك كثرة، وهم فيه كَدُودٍ على عُود، إن مال غرَقَ وإن نجا برق”.

لما قرأ عمر الكتابَ عرَفَ رأي عمرو بن العاص، ومن ثَم أرسل رسالة إلى معاوية يقول له فيها: “والذي بعَثَ محمدًا صلى الله عليه  وسلم بالحق، لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا…”، إلى أن قال: “والله لمسلم واحد أحبُّ إليَّ مما حَوْت الروم”.

وكان هذا الموقف من ابن الخطاب أكبرَ دليل على شِدة حرصه على المسلمين، وليس معنى ذلك أن معاوية لم يكن حريصًا على المسلمين؛ ولكن معاوية كان يعيش في هذه المنطقة، ويستشعر بأهمية أن يكون للمسلمين أسطول يدافعون به عن أنفسهم، ويحمون به هذه الفتوحات التي أكرمهم الله بها.

لم يكن أمام معاوية إلا أن يسكتَ أمام رفض الخليفة عمر؛ ولكنه أخذ يلح على موضوع آخر، ألا وهو: تحصين الثغور، وملء الثغور بالرجال وإعدادها، وبناء الحصون، وتدريب الرجال بدايةً على البحر، وعلى الدفاع في مناطق الثغور… إلى آخر ذلك، خاصةً أنه حاول أن يكثر العطاء لِمَنْ يرغبون في ذلك، ومَن عندهم استعداد لهذا الأمر، ألا وهو: المرابطة في الثغور، وتعلم أمور البحر وخلافه، ومن ثم حاول معاوية بن أبي سفيان أن يقر هذه الأمور وأن يقوم بها.

كل هذه الأحداث كانت البدايات الأولى لفكرة إنشاء القوة البحرية الإسلامية على شرق البحر المتوسط.

في عهد الخليفة عثمان رضي الله  عنه تم تجديد هذا الطلب، وراسل معاويةُ بن أبي سفيان الخليفةَ عثمانَ في هذا الأمر، وبيَّن له أهمية هذا المشروع، وهوَّن عليه خطر الغزو في البحر، وحقيقةً حاول الخليفةُ عثمان بن عفان أن يستشير مَن هم أقدر على الحكم على هذه الأمور؛ حتى يأخذ رأي جماعة المسلمين، خاصةً وأنه يعلم أن الخليفة عمر بن الخطاب كان قد سبق له رفض هذه الفكرة، ومن المعروف أن عمر فيه قدر لا بأس به من المجازفة، هذا القدر غير متوفر في الخليفة عثمان بن عفان.

بالرغم من ذلك؛ فإن عثمان وافق على هذا الطلب، ولكن بعد وضع الضوابط والشروط التي تجعل هذا الأمر يمر بسلام دون أن يتحمل أوزار أحدٍ من المسلمين، ف طلب منه واشترط عليه: أن لا يُكرِه أحدًا على هذه المخاطرة، وكان ممن قال له: “لا تنتخب ولا تقرع بينهم، فمن اختار الغزو طائعًا، فاحمله وأعِنه”، يعني: من اختار الغزو في البحر، وأن يركب البحر، وأن تكون غزواته عن طريق البحر، لا بأس، احمله، وأعنه، ومَن رفَضَ لا علاقةَ لك به، ولا تأمره، ولا تطلب منه ذلك، وبذلك خرج عثمان من هذا المأزق خيرَ مخرج، وأحسنَ مخرج.

في هذه الأثناء كان على مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان من أشد المتحمسين لهذه الفكرة، ويعد هو اليد اليمنى لمعاوية بن أبي سفيان وللشام، ومن ثم نجد عبد الله وضع كل إمكانات مصر البحرية في خدمة المشروع، خاصةً أن مصر كانت تمارس هذا الدور البحري أيام الرومان، وعند المصريين خبرات تتعلق بموضوع البحر، سواء من حيث صناعة السفن أو ركوب البحر أو الحرب في البحر… وغير ذلك من أمور. ومن ثم قدَّم عبد الله كل ما في يده من إمكانات تصلح للمساعدة في هذا الأمر.

ومن ثم شرع معاوية رضي الله  عنه في إنشاء الأسطول في مواني مصر والشام، تلك المواني التي نزَحَ عنها الروم بعد جلائهم عنها، مستعينًا بالخبراء الذين كانوا يعملون فيها أيام الرومان، هذه الخبرات المتوفرة الموجودة في مصر وبالأخص وأيضًا في بلاد الشام، كان من الممكن أن تعين في إنشاء هذه القوة البحرية الإسلامية الضاربة الجديدة على شرق البحر المتوسط.

ومن المعروف أنه بالرغم من أن مصر كانت لا تنتج الأخشاب اللازمة لصناعة السفن، إلا أنها كانت تستورد هذه الأخشابَ من الشام، ثم تردها مرةً أخرى سفنًا ضخمةً، وظلت مصر تصدر السفن فترةً من الزمان رَفعت فيها من شأن العرب في البحر، كما ارتفع شأن العرب قبل ذلك في البر.

كذلك استعان معاوية رضي الله  عنه باليمنيين، ومن المعروف أن اليمنيين كانوا يعيشون على السواحل، سواء من حيث البحر الأحمر أو المحيط الهندي، ومن ثم فلهم خبرات واسعة ومجالات ضخمة في موضوع البحر، وهذا أمر لا ينكر عليهم، ومن ثم استعان بأمير بحري من اليمن يسمى أبا قيس الحارثي، كان ذلك عام ثمانية وعشرين من الهجرة.

كل هذه الأمور توجهنا إلى مدى قدرة العرب والمسلمين على الأخذ والعطاء والإفادة والاستفادة، وما لهم من استعداد فطري لتعلم العلوم، والمعارف، والتقنيات، في كل عصر وفي كل زمان وفي كل مكان، ولولا ذلك لَمَا وصل العرب والمسلمون لما وصلوا إليه في تلك العصور، التي هي محل حديثنا في هذه الدروس.

ب. فتح قبرص وردوس:

من المعروف أن جزيرة قبرص هذه تقع غربي بلاد الشام في البحر، وهي لوحدها، لها ذَنَب مستطيل إلى نحو الساحل مما يلي دمشق، وغربيها يعد أعرض أجزائها، فيها فواكه كثيرة ومعادن، وهي بلد جيدة.

تم فتح هذه الجزيرة على يدي معاوية بن أبي سفيان، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين، وكان معه عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان، معروف أنه نام رسول الله صلى الله عليه  وسلم ثم استيقظ يضحك، فقالت: “ما أضحكك، يا رسولَ الله؟ قال: ((ناس من أمتي عرضوا عليَّ يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسِرة))، فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: ((أنت منهم))، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك، فقالت: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: ((أنت من الأولين))”.

فكانت في هذه الغزوة، وماتت بها، وكانت الغزوة الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية.

الخلاصة:

أن معاوية رَكِبَ البحر فيما ركب وقصد الجزيرة المعروفة بقبرص، ومعه جيش عظيم من المسلمين، وذلك بأمر عثمان بن عفان رضي الله  عنه وقد كان معاوية قد سأل عمر بن الخطاب في هذا الأمر، ألا وهو: فتح قبرص، ورودس، وخلافه، ولكن الخليفة عمر رفض ذلك؛ ولكن في عصر عثمان كرر الطلب، وقبل عثمان هذا الأمر، ألا وهو: فتح قبرص ورودس كان السبب في ذلك: موضوع البحر، والخوف على المسلمين من البحر، والقتال في البحر. على أية حال، بعد إلحاح قبل عثمان وأذن له، فركب في سنة 28 هجريَّة، بعد أن تم إعداد البحرية الإسلامية وحشدها في ميناء “عكا”.

وفي عدد محدود من السفن يكفي لحمل حوالي سبعة آلاف جندي، أبحرت السفن بهم، واستقرت على سواحل جزيرة قبرص، وكان هذا أول غزو إسلامي بحري للعرب، وأنزل العرب ما يخصهم من عتاد وقوات على شاطئ الجزيرة، وبدءوا في مراسلة المسئولين عن الجزيرة بهدف هذه الغزوة، وبينوا لهم أن الغرض من هذه الغزوة هو الاتفاق على سلامة الشواطئ الإسلامية، إلا أنهم لم يقبلوا من المسلمين هذا العرض الداعي إلى السلام، طبعًا هذا تحت ضغط الرومان، ومن ثم حاصر المسلمون الجزيرة، واقتحموا عاصمتهم مما حملهم على قَبول الصلح.

بالنسبة لشروط هذا الصلح، كانت أهم بنود هذا الصلح هي:

أولًا: ألا يساعدوا الروم في اعتدائهم على سواحل المسلمين.

ثانيًا: أن يدفعوا جزية سنوية نظير حمايتهم وأمنهم.

ثالثًا: أن يخبروا المسلمين بتحركات عدوهم، وألا يساعدوا أحدَ الطرفين على الآخر، معنى ذلك: أنهم يكونوا على الحياد، لا يساعدوا المسلمين على الروم ولا الروم على المسلمين.

رجَعَ المسلمون -على أي حال- وهم يتمتعون بفرحة أول انتصار لهم في البحر، على الرغم من أنهم خَسِرُوا في بداية الهجوم ذلك الأمير اليمني -الذي تحدثنا عنه قبل ذلك-: وهو أبو قيس الحارثي، لكن جنده من اليمن قادوا الهجومَ على الجزيرة؛ حتى استسلمت القوة الرومانية فيها.

واستمرت حركة هذا الفتح بنفس هذه القوات وهذه الجنود، وتمكنوا بعد ذلك من التحرك إلى منطقة أخرى، ألا وهي: جزيرة “وردوس” في البحر المتوسط أيضًا، ومن ثم كانت هذه التحركات وهذه الانتصارات، التي تمت في قبرص إيذانًا بالتحول إلى هذا الفتح العظيم الآخر، ألا وهو: فتح جزيرة “وردوس”، وبالفعل تحركت القوات واستطاعت أن تبسط سيطرتها على جزيرة “ردوس”، التي سقطت في أيدي المسلمين كذلك.

ج. فتح أرمينية، وبلاد القوقاز:

أرمينية هي التي تُحد شمالًا بالبحر الأسود، ومن الشرق بأجزاء من بلاد فارس، ومن الجنوب بالجزيرة، ومن الغرب بآسيا الصغرى، هذا فيما يخص أرمينية. بالنسبة لبلاد القوقاز تُحد شمالًا ببلاد روسيا، وبعض بلادها تدخل في تركيا، وتُحد جنوبًا بتركيا وآسيا الصغرى، وشرقًا ببحر الخزر، وغربًا بالبحر الأسود.

هذه الفتوح تمت أساسًا على يد الوليد بن عقبة، الذي استطاع أن يفتح قبل ذلك “الري” و”أذربيجان” كان ذلك عام أربعة وعشرين من الهجرة. في هذه المرحلة كان هناك -حوالي- أربعون ألفًا من المجاهدين، رابط منهم عشرة آلاف بـ”الري”، ومثلهم في “أذربيجان” بعد الفتح.

استمرت الفتوحات ووصلت إلى أرمينية الواقعة في شمال البحر الأسود، وخرجت على الحكم الإسلامي بعد أن كانت خاضعةً للدولة الإسلامية، وامتنعت عن دفع الجزية والخَراج.

أرسل إليها الوليدُ أحدَ قواده، ألا وهو: سُليمان بن ربيعة الباهلي، فتحت هذه البلاد على يد سليمان بن ربيعة الباهلي الذي أعادها إلى الطاعة. ومن المعروف أن هذا هو شأن الأرمن في كل وقت وحين، ينتهزون الفرص للتخلص من الحكم الإسلامي، خاصةً وأن بلادهم كانت بعيدة عن مركز القوات الإسلامية. هذا الفتح تم في عهد معاوية رضي الله  عنه.

وبالفعل تحركت هذه القوات؛ لتستمر في عملية الفتح، وتتمكن بعد ذلك من الوصول إلى القوقاز؛ حيث كان فتح أرمينية إيذانًا بفتح القوقاز بعد ذلك؛ حيث توجهت هذه الجيوش وتمكنت من فتح القوقاز، كل ذلك كان في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله  عنه وإبَّان ولاية معاوية بن أبي سفيان على بلاد الشام، وكانت القيادة للوليد بن عقبة.

د. تتمة فتح بلاد فارس:

من المعروف أن الأحنف بن قيس هو الذي أشار بتوسع المسلمين في الفتوحات في بلاد فارس، على أساس أن المسلمين يستطيعون أن يضيقوا على كسرى “يزدجرد”؛ لأنه هو الذي يحثُّ الفرس والجنود على قتال المسلمين.

هذه الأحداث بدأت منذ عصر الخليفة عمر رضي الله  عنه حيث ركب الأحنف في جيش كثيف إلى خُراسان قاصدًا حرب “يزدجرد” فدخل خراسان، وافتتح “هُراة” عُنْوةً، واستخلف عليها “صُحَار العبدي”، ثم سار إلى “مرو الشاهجان” وفيها “يزدجرد”، وبعث الأحنف بين يديه مطرف بنَ عبد الله إلى نَيْسابور، والحارثَ بن حسان إلى “سَرْخس”، ولما اقترب الأحنف من “مرو الشاهجان” ترحَّل منها “يزدجرد” إلى “مَرْو الروم”، وتبعه الأحنف إلى هناك. هذه الأحداث كانت في عصر الفاروق.

وفي عصر الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله  عنه تولى عملية تتمة الفتح في بلاد فارس عبد الله بن عامر، ويعد عبد الله بن عامر صاحب أكبر الفتوحات في فارس؛ تم في عصره فتح خراسان، وكذلك تم إخماد كل الثورات التي قامت في هذه المناطق -بلاد فارس- وخاصةً في خراسان تم إخماد هذه الثورات على يديه.

كذلك خرجت بعض الأقاليم وحاولت أن تتخلص وتتملص من الوجود الإسلامي؛ لكنهم لم يقدروا على الوقوف أمام المسلمين، مِمَّا جعلهم يطلبون الصلحَ، وهنا تظهر صفات المسلمين، حيث أمضَى ابن عامر لهم شروطَ هذا الصلح ووافق على ذلك، كذلك كان موقف نيسابور التي طلبت الصلح من غير قتال، وبالفعل وافق عبد الله بن عامر على ذلك.

لكن أيضًا لا يُنكر دور الأحنف بن قيس، وهذا الرجل تم على يديه فتح مدن “طخارستان” وصالح أهل “بَلْخ”، ولم تمتنع عليه سوى “خُوارَزم” وهي على نهر “جَيْحُون” في “تركستان الغربية” ويقال: إنه تمكن من فتحها.

عبد الله بن عامر هو الذي قام بعملية تتمة فتح بلاد فارس، وفُتحت له في هذه البلاد ما لم يفتح لغيره على الإطلاق، وما لم يقم به أحد قبله، فيعتبر -حقيقةً- الشخصية العظيمة التي ينسب إليها الفتح في هذه المناطق أو أغلب هذه المناطق، هي شخصية عبد الله بن عامر.

ومن ثم جعل عبد الله بن عامر شكره لله تعالى أن يخرج مُحْرِمًا بِعُمْْرَة من “نيسابور” يعني: كما لو كان نذرًا عليه أنه لو أكرمه الله سبحانه وتعالى بهذه الفتوحات العظيمة، التي تمت في بلاد فارس، أن يشكر الله على هذه الفتوحات العظيمة التي تمت على يديه، فجعل شكره لله أن يحرم بعمرة لله سبحانه وتعالى، ولكنه جعل بدايةَ إحرامه من نيسابور، وهذا مخالف لِمَا هو معروف؛ لأن الإحرام يكون في مواضع الإحرام المعروفة: لِمَن يأتي من العراق، لمن يأتي من الشام، لمن يأتي من مصر، لمن يأتي من اليمن، هناك مواضع إحرام معروفة حددها الفقهاء، يُحْرِمُ منها المسلمون عندما يرغبون في الحَج والعمرة، ولكنه أحرم من نيسابور -كما ذكرت-؛ حتى تقول بعض الروايات وبعضُ المصادر: إن الخليفة عثمان رضي الله  عنه عاتبه في ذلك؛ لأنه -بهذه الصورة- يخالف أمرًا معروفًا فقهيًّا.

على أية حال، أحرم بالعمرة ثم عاد إلى الخليفة عثمان، وكان قد استخلف على خراسان قيس بن الهيثم.

في ذلك الوقت أراد الفرس أن يحدثوا نوعًا من الانتقام الرهيب نحو المسلمين، وأن يقوموا بعمل حربي ضخم يستطيعون به إزاحةَ المسلمين، وإعادة الوجود الفارسي مرةً أخرى، وإزاحة الوجود الإسلامي عن هذه المناطق؛ لعلهم يمسحون به بعض ما لحقهم من العار على أيدي المسلمين: كان على رأسهم أحد القواد الشجعان منهم ويسمى “ترن”، وهو من كِبار قوادهم؛ ولكن وقفت إرادة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين، وجاء نصر الله للمسلمين، وانهزم الفرس شر هزيمة، وغنِمَ المسلمون ما كان في عسكرهم وسبوا سبيًا كثيرًا منهم.

لكن لا أريد أن أنهي الحديث عن هذا الموضوع، دون أن أشير إلى أن مملكة فارس أيام العرب في هذه المراحل وهذه الأثناء، كانت تشتمل على بلاد واسعة جدًّا، جزء من هذه البلاد بلاد “الأفغان”؛ كذلك إقليم “أذربيجان” و”كردستان”، وأجزاء من “أرمينية” مما يلي بحر قزوين، وقد تم فتح أكثر ذلك في عهد عمر بن الخطاب، يعني: مناطق كثيرة من هذه المناطق التي تعد جزءًا رئيسًا من بلاد فارس، تم فتحها في عصر الفاروق عمر بن الخطاب.

وتوطد مُلك المسلمين في بعض هذه البلاد -بلاد فارس- بينما لم يتوطد ملك المسلمين في بعض آخر، يعني: بلاد أخرى من بلاد فارس لم يتوطد فيها الحكم الإسلامي.

وهذه البلاد التي لم يتوطد فيها الحكم الإسلامي مناطق بعيدة عن التمركز الإسلامي والوجود الإسلامي والقوات الإسلامية، هذه المناطق البعيدة مثل “طخارستان”، وكذلك مثل “بلخ”، وكذلك مثل “سجستان”.

هذه المناطق الرئيسة لبلاد فارس في هذه المناطق، كانت تشتمل على أربعة أقسام رئيسية:

  • قسم شمالي: وهو يلي أرمينية غربًا والقوقاز.
  • وقسم غربي: ويُعرف بالعراق العجمي.
  • وقسم جنوبي: ويعرف بفارس وكِرمان ونُقران… وغيره.
  • وقسم شمالي شرقي: ويُعرف بخراسان وطخارستان، وأغلب هذا القسم يقع في أفغانستان -المعروفة الآن- وأشهر مُدنه: خراسان، ونيسابور الواقعة في الجهة الشمالية الغربية.
error: النص محمي !!