Top
Image Alt

إنشاء بنوك اللبن

  /  إنشاء بنوك اللبن

إنشاء بنوك اللبن

صدر سؤال عن مدى جواز حفظ لبن الأمهات وبيعه، وخاصة بعد أن وردت معلومات مفادها أن جهات في بعض البلدان الصناعية تعمل على إنشاء مؤسسات، أو مصارف لبيع هذا اللبن، كأي سلعة أخرى بعد أن ثبت طبيًّا فوائده الصحية للأطفال في مراحل حياتهم الأولى.

والجواب: أن الأصل في تغذية الأطفال في السنتين الأوليين إرضاعهم من أمهاتهم باعتبار أن ذلك الوضع الطبيعي المتأتي من صنع الله، الذي وضع لكل مخلوق حاجاته وفق تنظيم وأسس من المعجزات.

وقد ظل لبن الأم هو الأصل لكل طفل أنَّى كان وحيثما كان، ولكن هذا لا يتيسر نتيجة ما قد يطرأ من أحوال، فقد لا تستطيع الأم إرضاع أطفالها لمرض أو لعجز، وقد لا يستطيع الرضاع من أمه لسبب عضوي أو نفسي، وهكذا يصبح اللجوء إلى البدائل أمرًا تقتضيه الضرورة، ولعل الزمن المعاصر أكثر الأزمنة خروجًا على الأصل في إرضاع الأطفال لأسباب عدة، ربما أهمها عزوف الأمهات عن إرضاع أطفالهن لأسباب نفسية، أو اجتماعية مما يجعل اللجوء إلى البدائل في الإرضاع أمرًا شائعًا، شجع عليه تنافس شركات الألبان في ملء الأسواق بالعديد من أنواع الحليب المجفف للأطفال، ونتيجة للأبحاث التي صاحبت هذا الوضع تبين أن لبن الأم ينفرد بالخصائص الطبيعية، التي أوجدها الباري عز وجل  وأن الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم يتفوقون صحيًّا ونفسيًّا على غيرهم من الأطفال، الذين يرضعون رضاعة صناعية، ولعل هذا هو السبب في محاولة جعل لبن الأمهات سلعة تجارية، وهذا يتطلب بيان الحكم الشرعي لأمرين:

الأول: حكم بيع لبن الأمهات.

الثاني: حكم الزواج بين شاربي ذلك اللبن.

أما عن بيع اللبن فمذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة جوازه؛ لأنه طاهر منتفع به فصح بيعه كما صحت إجارته؛ لأنه يمكن أن يستأجر الوالد مرضعة لابنه الذي لم تدر أمه لبنًا، أو وقع خلاف بينهما وافتراق يريد إرضاع ابنه، فإنه يستأجر له مرضعة، وكلنا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استرضع في بني سعد عند حليمة، مع أن أمه آمنة بنت وهب كانت موجودة، لكن كانت هذه عادة وهي الاسترضاع عند الآخرين، لما في ذلك من تقوية هؤلاء الأطفال وتغذيتهم بلبن أصح، وفي نفس الوقت راحة للأمهات الحقيقيات.

وذهب الحنفية أنه لا يجوز؛ لأنه ليس بمال وقد أجمع الصحابة على ذلك، والراجح هو قول جمهور الفقهاء، وهو صحة بيع اللبن؛ لأنه طاهر منتفع به.

وأما مسألة حفظ لبن الأمهات لبيعه كأي سلعة تجارية أخرى، فأمر يتعلق بعرف الزمان والمكان، فإذا اتفق أن قامت مؤسسات في بلد ما بالعناية بهذا اللبن وحفظه، ثم بيعه في الأسواق، فليس في تغذية الأطفال به حرج طالما أنه يجوز بيعه؛ لأن ما يجوز بيعه من المطعومات أو المشروبات يحل أكله وشربه، ولكن هذا الأمر يتعلق به مسألتان مهمتان:

المسألة الأولى: مدى صلاحية بيع هذا اللبن من الناحية الطبية، وتلك مسألة لها قواعدها وأحكامها الطبية، المهم أن يكون صالحًا لتغذية الأطفال به في مراحل حياتهم الأولى.

المسألة الثانية: الناحية الشرعية فالأصل أنه ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))، فإذا افترضنا صحة ما قيل في المسألة عن إمكانية بيع لبن الأمهات في الأسواق، فلذلك حالتان:

الحالة الأولى: إن عرف مصدر هذا اللبن من امرأة بعينها، عندئذٍ تطبق الأحكام الشرعية في مسائل الرضاعة لوضوح الأمر وظهوره.

الحالة الثانية: إذا لم يعرف مصدر هذا اللبن من امرأة بعينها، كما هو حال الدم الذي تستورده المستشفيات من الخارج، فنكون عندئذٍ أمام حالة جهالة الأم صاحبة اللبن، والجهالة في هذه الحالة ترفع التحريم بالنسبة للزواج بين المرتضعين منه؛ لأن ما يثبت به الرضاع هو الإقرار والبينة، وليس هنا إقرار ولا بينة؛ لأن هذا اللبن شرب منه فلان وفلان.

ومن هذا يتبين أنه:

أولًا: لا مانع من إنشاء بنوك اللبن لمصلحة الأطفال المحرومين.

ثانيًا: لا مانع من بيع ذلك اللبن؛ لأنه طاهر منتفع به.

ثالثًا: إن عرفت الأم صاحبة اللبن وعرف الرضيع ثبت التحريم الشرعي.

رابعًا: إذا جهلت الأم لم يثبت التحريم بهذه الجهالة.

error: النص محمي !!