Top
Image Alt

((إنما الأعمال بالنيات))، و”أول ما بُدئ به صلى الله عليه وسلم من الوحي”، وحديث لقاء أبي سفيان بهرقل

  /  ((إنما الأعمال بالنيات))، و”أول ما بُدئ به صلى الله عليه وسلم من الوحي”، وحديث لقاء أبي سفيان بهرقل

((إنما الأعمال بالنيات))، و”أول ما بُدئ به صلى الله عليه وسلم من الوحي”، وحديث لقاء أبي سفيان بهرقل

 أحاديث من “كتاب بَدء الوحي”:

إن أول حديث بدأ به البخاري كتابه: حديث:«إنّما الأعمال بالنِّيَّات».

1. حديث: «إنّما الأعمال بالنِّيَّات»:

شرح الحديث، وبيان ما ينضوي عليه من فقه:

قال جماهير العُلماء لفظة: “إنما”، موضوعة للحَصر تُثْبت المذكور، وتنفي ما سواه.

فتقدير هذا الحديث: أن الأعمال تُحسب بنِيّة، ولا تُحسب إذا كانت بلا نِيّة؛ فإذا كانت النِّية فيها فهي لله، وإذا كانت لغير الله تعالى، فهي كذلك، ولا يُثاب عليها المؤمن.

وفيه دليل على أنّ الطَّهارة، وهي: الوضوء، والغسل، والتّيمّم، لا تَصحُّ إلاّ بالنِّية، وكذلك: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والاعتكاف، وسائر العبادات.

وأما إزالة النجاسة: فالإجماع على أنها لا تفْتقر إلى نِية؛ لأنها من باب التُروك، والتَّرك: لا يحتاج إلى نِيّة.

وتدخل النِّية في الطَّلاق، والعِتاق، والقَذف، ومعنى: دخولِها: أنها إذا قارنت كِناية في هذه الأمور، صارت كالصريح، وإن أتى بصريح طَلاق ونوى طَلقتيْن أو ثلاثًا، وقَع ما نوى، وإن نوى بصريح غير مقتضاه دُيِّن، أي: تُركت نِيته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يُقبل منه في الظاهر.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: «وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»، قالوا: فائدة ذِكْره بعد: «إنما الأعمال بالنِّيَّات»: بيان أنّ تعيين المَنويّ شَرط؛ فلو كان على إنسان صلاة فائته، ويريد أن يقضيها، لا يَكفيه أن ينوي الصلاة الفَائِتة، بل يُشترط أن ينوي كونها: ظُهرًا، أو غَيرها…، يعني: يُعَيِّنها، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأوّل، يعني: لولا اللفظ الثاني: «وإنّما لكلِّ امرئ ما نوى»، لاقتضى الأوّل وهو: «إنّما الأعمال بالنِّيّات»؛ صِحَّة النية بلا تَعْيين، أو أوهم ذلك، وقوله صلى الله عليه  وسلم: «فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ».

2. حديث عائشة رضي الله  عنها: «أوّل ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه  وسلم من الوحي»:

شرح الحديث، وبيان ما ينضوي عليه من فقه:

في هذا الحديث بعض العبارات التي ينبغي أن نقف عندها:

ففي قول السيدة عائشة رضي الله  عنها: في الحديث : «أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه  وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة»، وهي الصادقة، وكان ذلك ليكون تَمْهيدًا لِمَا يتلقّاه رسول الله صلى الله عليه  وسلم في اليَقَظة.

و«مثل فَلَق الصبح»، أي: مثل ضِياء الصبح، وخُصّ بذلك التشبيه لظهوره الواضح الذي لا شكّ فيه.

«وحُبِّب إليه الخَلاء»، أي: الخَلوة؛ والسِّرّ فيه: أنّ الخَلوة فراغ القلب لِما يَتوجّه إليه.

«ويتحنّث»، هي بمعنى: يتحنّف، أي: يتَّبع الحنيفية، وهي دين إبراهيم عليه السلام أي: يتَعبّد، كما في عِبارة السيدة عائشة المُدرجة: وهوالتعبد.

قال ابن حجر: الفاء تُبدل ثاءً في كَثير من كلامهم، يعني: الفاء في: “يتحنف”، أبدلت ثاءً في: “يتحنث”، وهذا كثير -كما يقول ابن حجر- في كلام العرب.

قوله: «وهو: التَّعبُد»، هذا مُدرج في الخَبر، وهو تفسير من الزُّهري،

«الليالي ذوات العَدَد»: يتعلّق بقوله: «يتحنث»، يعني: يتحنث ويتَعبّد الليالي ذوات العدد، وإبهام العدد لاختلافه، وكان ذلك في شهر رمضان، يَعني: لم يقُل كم من الليالي كان يتَعبّد، وهي مَرّات عدة.

«فيتزوّد لمِثلها»: أي: يَصْطحبُ الزَّاد لمثل هذه الليالي.

«حتى جاءه الحَق»: وهو الأمر الحَق، وهو الوحي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق} ، أي: لا تقرأ هذا بقوّتِك ولا بمعرفتِك، ولكن بحول ربك وقوته وإعَانته؛ فهو يُعلِّمك كما خَلَقك، وكما نَزع عنْك عَلَق الدَّم، وغَمْز الشيطان في الصِّغر، وعَلَّم أمتك حتى صارت تَكْتب بالقَلم بعد أن كانت أمِّيَّة، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم } [العلق:1 – 5].

«فغَطَّني»: أراد: ضَمني وعَصرني.

«حتى بلغَ مني الجَهد»: أي بلغ الغطُ مني غَايةَ وسْعِي.

«لقد خَشِيت على نفسي»: أي: خَشِيتُ المَوت من شِدة  الرُّعْب، أو المَرض.

وقوله: «زمِّلوني»، “فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع: أي: لفُّوه حتى ذهب عنه الفَزع.

فقالت خديجة: “كلاّ والله! ما يُخْزِيك الله أبدًا!”: فدلَّت على ما أقسمتْ عليه مِن نفْي ذلك أبدًا، بأمر استقرائي وصفَتْه بأصول مَكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إمّا إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإمّا بالبََدن أو بالمال، وإمّا على مَن يستقلّ بأمره، أو من لا يستقلّ بأمره، وذلك كلُّه مَجْموع فيما وصفتْه به.

“الكَلّ”: مَن لا يستقل بأمره.

“والمُعْدوم”: أي: الفقير.

“كلاّ والله! ما يخزيك الله أبدًا!؛ إنك لتَصل الرّحم، وتَحمِل الكَلّ، وتُكْسب المَعْدوم، وتُقْري الضَّيف، وتُعين على نوائِب الحَق”.

“هذا الناموس الذي نَزَّل الله على موسى”.

الناموس: صاحب السِّر، والمراد به هنا: جِبريل عليه السلام.

قول وَرقة لرسول الله صلى الله عليه  وسلم “يا ليتني فيها جَذَعا!”.

الجَذع: الصغير من البهائِم، كأنه تمنّى أن يكون عندَ ظُهور الإسلام شابًّا ليكون أمكن لنُصرته.

“نصرًا مُؤزّرًا”: مأخوذ من الأزْر، وهو: القوّة، يعني: نصرًا قويًّا.

“ثم لم يَنْشَب ورقة”، أي: لم يَلبث، وأصل النُّشوب التَّعَلّق: أي: لم يتَعلّق بشيء من الأمور حتى مات.

قول رسول الله صلى الله عليه  وسلم: «فرُعِبْتُ منه»، أي: فَزِعت، قال ابن حجر: دلَّ على بَقية بَقيت معه مِن الفزع الأوّل الذي كان في غار حِراء، ثم زال بالتَّدريج.

وكان هذا كلّه تهيئة لرسول الله صلى الله عليه  وسلم على شِدّة الوحي عندما ينزل عليه، فهو شَديد: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر } [المدَّثر:1، 2]، أي: حذِّر من العذاب مَن لم يؤمن بك، {وَرَبَّكَ فَكَبِّر}  [المدَّثر:3]، أي: عظِّم ربك، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر * وَالرُّجْزَ فَاهْجُر} [المدَّثر: 4، 5]، أي: مِن النَّجاسة.

قال ابن حجر: وقيل: الثياب: النفس، وتطهيرها: اجتناب النَّقائص. {وَالرُّجْزَ} هنا معناه: الأوثان، أي: اهجر الأوثان.

والرُّجْز في اللغة: العَذاب، وسمى الأوثان رجزًا؛ لأنها سبب تؤدي عبادتها إلى العذاب.

“فحَمِي الوحي”: أي: جَاء كثيرًا، “وتتابع”: تأكيد لقوله: “فحَمي الوحي”.

وبهذا نكون قد فهِمنا هذا الحديث بشيء من الاختصار.

3. حديث ابن عباس في قصّة أبي سفيان مع هِرقل:

نتناول هنا حديث هِرقل إلى أبي سفيان في شأن الكتاب الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى هِرقل يَدعوه إلى الإسلام، وكلام أبي سفيان عن الرِّسالة كما يَفْهمها.

وهو حديث يوضّح لبّ رسالة رسول الله صلى الله عليه  وسلم ودَعوته الناس كَافة، وموقف بعضُ المُشركين كأبي سفيان، وأهل الكتاب كهِرقل، الذين فَهِموا دعوته وصدَّقوها، ولكنهم لم يؤمنوا بها، وغير ذلك من الفوائد الجَمّة التي يتضمّنها هذا الحديث الشريف.

أ. متن الحديث، وبيان روايات البخاري وغيره له:

قال الإمام البخاري: حدثنا أبو اليَمان الحَكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزُّهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنّ عبد الله بن عبَّاس أخبره: أنّ أبا سفيان بن حَرْب أخبره: أنّ هِرقل أرسل إليه في ركب من قُريش، وكانوا تُجَّارًا بالشام في المُدّة التي كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم مادًّا فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مَجْلسه وحَوله عُظماء الروم، ثم دَعاهم ودعا بتُرجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجُمانه: قُل لهم: إنّي سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كَذبني فكَذِّبوه، فو الله لولا الحياء مِن أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبتُ عنه، ثم كانَ أوّل ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قُلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول مِنكم أحدٌ قطّ قبْله؟ قُلت: لا. قال: فهل كان مِن آبائه من ملِك؟ قُلت: لا، قال: فأشراف الناس يتَّبعونه أم ضُعَفاؤهم؟ فقلت: بل ضُعَفاؤهم. قال: أيزِيدون أم يَنقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يَرتدَّ أحد منهم سَخطة لدِينه بعد أن يَدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كُنتم تَتَّهمونه بالكَذب قَبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يَغْدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدّة لا نَدري ما هو فاعل فيها. -قال: ولم يُمْكنّي كَلمة أُدْخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة-. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إيّاه؟ قلت: الحرب بيْننا وبيْنه سِجَال، ينال منَّا وننال مِنه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والزكاة والصِّدق والعَفاف والصِّلة.

فقال للتُرجمان، قل له: سألتك عن نسَبه، فذكرتَ أنه فيكم ذو نَسب؛ فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها. وسألتك هل: قال منكم أحد هذا القول؟ فذكرتَ أن لا. فقلتُ: لو كان أحد قال هذا القول قَبْله لقُلتُ: رجل يأتسّى بقول قيل قبْله. وسألتك: هل كان مِن آبائه من مَلِك؟ فذكرتَ أن لا. قُلتُ: فلو كان مِن آبائه مِن مَلِك قلتُ: رجل يَطْلب مُلْك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرتَ أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذَر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضُعفاؤهم؟ فذكرتَ أنّ ضُعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ أنهم يزيدون؛ وكذلك أمْر الإيمان حتى يَتمّ. وسألتك: أيرتَدّ أحدٌ سخْطة لدِينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرتَ أن لا؛ وكذلك الإيمان حين تُخالط بشاشتُه القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرتَ أن لا؛ وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بمَ يأمُركم؟ فذكرتَ أنه يأمُركم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمُركم بالصّلاة، والصِّدق، والعَفاف؛ فإن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قَدميّ هاتيْن. وقد كنتُ أعلم أنه خارج، لم أكن أظنّ أنه مِنكم. فلو أني أعلم أني أخْلُص إليه لتجَشّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغَسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بُصرَى، فدفعه إلى هِرقل، فقرأه؛ فإذا فيه:

«بسم الله الرحمن  الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هِرقل عظيم الروم، سَلام على مَن اتّبع الهدى، أما بعد:

فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تَسلم، يؤتك الله أجْرَك مرّتيْن، فإن توليت فإنّ عليك إثم الإريسيِّين، و {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران:64])).

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفَرَغَ من قِراءة الكتاب، كَثُر عنده الصَّخَب، وارتفعت الأصوات، وأُخْرِجنا، فقلت لأصحابي حين أخْرِجنا: لقد أمرَ أمرُ ابن أبي كَبشة؛ إنه يخافه ملِك بني الأصفر. فما زِلت مُوقنًا أنه سَيظهر حتى أدْخَل الله عليَّ الإسلام. وكان ابن النَّاظور صاحِب إيلياء، وهِرقل سُقُفًَّا على نصارى الشام يحدِّث أنّ هِرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خَبيث النفس، فقال بعض بطَارقته: قد استنكرنا هَيئتك. قال ابن الناظور: وكان هِرقل حزَّاءً -ينظر في النجوم- فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلةَ حين نظرت في النجوم مُلْك الخِتان قدْ ظَهر، فَمَن يَخْتتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يَخْتتِن إلاّ اليهود؛ فلا يهمّنك شأنهم، واكتب إلى مَدَاين مُلكِكَ فيقْتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أُتِيَ هِرقل برَجل أرسل به مَلِك غَسَّان يُخْبر عن خَبر رسول الله صلى الله عليه  وسلم. فلما استخبره هِرقل، قال: اذهبوا فانظروا أمُختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فَحدَّثوه أنه مُخْتتن. وسأله عن العَرب، فقال: هُم يَخْتتِنون. فقال هِرقل: هذا مُلْكُ هذه الأمّة قد ظَهر. ثم كتب هِرقل إلى صَاحب له برومية، وكان نَظِيره في العِلم. وسَار هِرقل إلى حِمْص فلم يَرِم حِمْص، حتى أتاه كتابٌ من صاحبه يوافق رأي هِرقل على خُروج النبي صلى الله عليه  وسلم وأنه نبي، فأذن هِرقل لعُظماء الرّوم في دَسْكَرة له بحِمْص، ثم أمر بأبوابها فغُلِّقت، ثم اطّلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأنْ يَثْبُت مُلككم، فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حَيصة حُمر الوَحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غُلِّقت، فلما رأى هِرقل نَفْرتهم وأيِس من الإيمان، قال: رُدُّوهم عليَّ، وقال: إني قُلت مقَالتي آنفًا أخْتبِر بها شِدّتكم على دِينكم، فقدْ رأيتُ، فسَجدوا له ورضُوا عنه، فكان ذلك آخِرُ شأن هِرقل.

ذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه في أربعة عشر موضعًا:

الأول: هنا -في الموضع الذي ذكرناه.

الثاني: في الجهاد.

الثالث: في التفسير.

الرابع: فيه أيضًا.

الخامس: في الشهادات.

السادس: في الجِزية مختصَرًا.

السابع: في الأدب مُختصَرًا أيضًا.

الثامن: فيه أيضًا مُختصَرًا.

التاسع: في الإيمان.

العاشر: في العلْم.

الحادي عشر: في الأحكام.

الثاني عشر: في المَغازي.

الثالث عشر: في خَبر الواحد.

الرابع عشر: في الاستئذان.

وأخرجه مسلم في المَغازي”، عن خمسة من شيوخه، وأخرجه أبو داود في “الأدب”، والتِّرمذي في “الاستئذان”، والنسائي في “التفسير”، ولم يخرجه ابن ماجه.

ب. رواة الحديث:

شُعيب: هو ابن أبي حمزة، وهو من أثبات أصحاب الزُّهري.

ج. شرح ألفاظ الحديث وعباراته:

«بسم الله الرحمن  الرحيم. من محمدٍ عبد الله ورسوله، إلى هِرقل عظيم الروم. سَلام على مَن اتّبع الهُدى. أما بعد:

فإني أدعوك بِدعَاية الإسلام. أسلِم تَسلَمْ. أسلِم يؤتِك الله أجرك مرّتيْن. فإن توَلّيَت فإنّ عليك إثْم الأريسيِّين، و {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} ».

قال أبو سفيان: “فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كَثُر عنده الصَّخب، وارتفعت الأصوات، وأُخْرِجنا. فقلت لأصحابي حين أُخْرِجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كَبشة؛ إنه يَخَافُه مَلِك بني الأصفر. فما زلت مُوقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام”.

و لقد أرسل رسول الله صلى الله عليه  وسلم، وصية بكتابه هذا إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وكان ذلك في المحرم سنة سبع من الهجرة، ودِحية هو: ابن خليفة الكلبي، صحابيّ جليل. كان أحسن الناس وجهًا، وأسلم قديمًا.

“بُصرى” -بضمّ أوّله والقصر-: مَدينة بين المَدينة ودمشق، وعَظيمها هو: الحَارث بن أبي شَمَّر الغَّساني.

قوله: «مِن محمّد» صلى الله عليه  وسلم في أوّل الكتاب ما يدلُّ أن السُّنّة: أن يبدأ الكتاب بنفسه، وهو قول الجمهور.

وقوله: “عَظيم الروم”: فيه عُدول عن ذكْره بالمُلك والإمرة -يعني: من محمد عبد الله ورسوله، إلى هِرقل عظيم الروم؛ فعَدل رسول الله صلى الله عليه  وسلم في كِتابه عن ذِكْره بالمُلك أو الإمرة؛ لأنه في حكم المعْزول عن ذلك بالإسلام؛ لكنه صلى الله عليه  وسلم لم يُخْلِهِ من إكرامٍ لمصلحة التَّألُّف، يعني: تَألّف قَلبه.

قوله صلى الله عليه  وسلم: «سَلامٌ على مَن اتّبع الهُدى»، وفي رواية البخاري في “الاستئذان”: «السَّلام على مَن اتّبع الهُدى» -بالتعريف- وقد ذُكرت في قصّة موسى وهارون مع فرعون، وظاهر السياق يدلُّ على أنه من جُملة ما أُمِرا به أن يقولاه. فإن قيل: كيف يُبدأ الكَافر بالسلام؟، فالجواب: أن المفسِّرين قالوا: ليس المراد مِن هذا التحية، إنما معناه: سَلِمَ من عذاب الله مَن أسلم، ولهذا جاء بعده في قصّة موسى وهارون: {أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه:48].

«فإنْ تولّيتَ فإنّ عليك إثم الأريسيِّين»؛ فمحصّل الجواب: أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قَصْدًا، وإن كان اللفظ يُشْعر به، لكنه لم يَدخل في المراد؛ لأنه ليس ممّن اتّبع الهُدى، فلَم يُسلِّم عليه.

«فإنّي أدعوك بدعَاية الإسلام»، ولمُسلم: «بداعِية الإسلام»، أي: بالكلمة الداعِية إلى الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله.

وقوله: «أسلِمْ تَسْلَم» غاية في البلاغة، وهو نوع من البَديع، وهو:  الجِناس الاشتقاقيّ.

قوله صلى الله عليه  وسلم: «يُؤتِك اللهُ أجْرَك مرّتيْن»: جواب ثانٍ للأمر، وفي “الجهاد” للبخاري: «أسْلِم أسْلِم يُؤتِك» بتَكرار: «أسْلِمْ»، فيَحْتمل التأكيد، ويَحْتمل أن يكون الأمر الأوّل للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ } [النساء:136].

قوله صلى الله عليه  وسلم: «أسْلِم تسلَمْ، يُؤتك الله أجْرك مرّتيْن» استُنبِط  منه أنّ كل مَن دان بدين أهل الكتاب كان في حُكمهم في المناكحة والذبائح؛ لأن هِرقل هو وقومُه ليسوا من بني إسرائيل، وهم ممّن دَخل في النصرانية بعد التَّبديل. وقد قال له ولقومِه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}[آل عمران:65]، فدلَّ على أنّ لهم حُكم أهل الكتاب.

قال صلى الله عليه  وسلم: «فإن تَولَّيت»، أي: أعرضْت عن الإجَابة إلى الدُّخول في الإسلام؛ وحقيقة التّولِّي إنما هو بالوجْه، ثم استُعْمل مجازًا في الإعراض عن الشيء، وهي: استعارة تَبعيّة. «فإنما عليك إثْمُ الأريسيِّين»، هو: جَمع أريسيّ، قال ابن سيده: الأريس: الأكّار، أي: الفلاح. وقد جاء مُصرّحًا به في رواية ابن إسحاق، عن الزُّهري، بلفظ: «فإنَّ عليك إثْمَ الأكَّارِين».

وقد اشتملت هذه الجُمل القليلة في قوله صلى الله عليه  وسلم: «أسلِم تَسلَم. أسلِم يُؤتِك الله أجْرك مرّتيْن»، على الأمر بقوله: «أسْلِم»، والترغيب بقوله: «تَسْلَم» و«يُؤتك الله أجْرك مرّتيْن»، والزَّجر: «فإن تَولّيْت» في قوله صلى الله عليه  وسلم: «فإن تَولّيتَ فإن عليك إثْمَ الأريسيِّين»، والتَّرهيب بقوله: «فإنّ عليك»، يعني: فإن عَليك إثْمَ الأريسيِّين، والدَّلالة بقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران:64].

فقوله: { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا }؛ لأنّ اليهود قالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} [التوبة:30]، فأشركوا بالله، وقالت النصارى: { الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ }، فأشركوا بالله. { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ }، حين شرّعوا لهم فأحلّوا الحرام، وحرّموا الحلال – ففي كل هذا من البَلاغة ما لا يخفى، وكيف لا؟ وهو كلام مَن أوتي جوامع الكلام.

قول أبي سفيان: “أَمرَ أمرُ ابن أبي كَبْشة”:

“أَمِرَ” -هو بفتح الهمزة، وكسْر الميم- أي: عَظُم.

و”ابن أبي كبشة”: أراد به: النبي صلى الله عليه  وسلم لأن أبا كَبْشة: أحدُ أجْداده، وعادة العرب إذا انتَقَصت نَسبت إلى جدّ غَامض. وذَكر ابن حَبيب جماعة من أجْداد النَّبي صلى الله عليه  وسلم مِن قِبَل أبيه ومِن قِبَل أمّه، كلّ واحد منهم يُكنَى: “أبا كَبْشة”. وقِيل: هو أبوه من الرَّضَاعة، واسمه الحَارث بن عبد العُزّى.

وقولُ أبي سفيان: “مَلِك بني الأصفر”، إنما لُقِّب: “الأصفر”، لأن جدَّته سَارة -زوج إبراهيم- حلّتْه بالذهب.

يقول أبو سفيان: “حتى أدخل الله عليَّ الإسلام”، يعني: قال: فما زِلت مُوقنًا أنه سيظهر، أي: رسول الله صلى الله عليه  وسلم ويَقْوَى أمرُه، حتى أدخل الله عليّ الإسلام، أي: فأظهرت ذلك اليَقين، وليس المراد أنّ ذلك اليَقين ارتفع.

بعد ذلك، بقيّة الحديث: “وكان ابن النَّاظور صاحِب إيلياء وهِرقل سُقُفًَّا على نصارى الشام… إلخ”.

هـ. المناسبة مِن قُدوم هِرقل إلى إيلياء:

قوله: “حين قَدِم إيلياء” -يقصد: هِرقل- يعني: في هذه الأيام، وهي: عند غَلبة جُنوده على جُنود فَارس وإخْراجِهم؛ وكان ذلك في السَّنة التي اعتمر فيها النبيصلى الله عليه  وسلم عُمرة الحُديبية، وبَلغ المُسلمين نُصرة الرُّوم على فَارس ففرِحوا.

و. لماذا قيل: “خبيث النفس”. مع النهي عن ذلك؟

قوله: “أصبحَ يوميا خَبيث النفس” -يعني: هِرقل-: أي: رَديء النَّفس غَير طَيّبها، أي: مَهمومًا، وفي (الصحيح): «لا يقولنَّ أحدُكم: “خَبُثتْ نَفسي”»، وكأنه كرِه اللفظ، والمراد بقوله صلى الله عليه  وسلم هذا: خِطاب المسلمين، وأمّا في حقِّ هِرقل، -كما هنا- فغيرُ مُمتَنَع وصفه بهذا الوصف.

و”البَطارقة”: جمْع بِطْريق -بكسْر أوّله- وهم: خَواص دولة الروم.

قوله: “وكان هِرقل حزَّاءً ينْظُر في النجوم”، حزَّاءً، أي: كاهِنًا، يُقال: حَزا، بالتَّخفيف يَحْزو حَزوًا، أي: تَكهَّن.

وقوله: “يَنْظر في النُّجوم” أي: يتَكهَّن عن طريق ذلك؛ فالكَهَانة تارةً تَسْتند إلى لقاء الشياطين، وتارةً تُسْتفاد من أحكام النجوم. وكان كلٌ من الأمريْن في الجاهلية شائِعًا ذائعًا، إلى أنْ أظهرَ الله الإسلام فانْكَسرت شَوكَتهم، وأنكَر الشرع الاعتمادَ عليهم، في قوله صلى الله عليه  وسلم: «مَن أتى كاهِنًا أو عرَّافًا، فقدْ كَفر بما أُنزِل على محمدٍ صلى الله عليه  وسلم».

قوله: “إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم مُلْك الختان قد ظهر”: قوله: “مُلْك الختان” -بضم الميم، وإسكان اللام- “قد ظهر” أي: قد غَلب، يعني: دلّه نظرُه في حُكم النجوم: أنّ مُلك الخِتان قد غَلب؛ لأن في تلك الأيام كان ابتداء ظُهور النبي صلى الله عليه  وسلم ومُقدِّمة الظُّهور ظُهور.

قوله: “فمنْ يَخْتتن من هذه الأمة؟”، يعني: مِن أهلِ هذا العَصر، وإطلاق الأمّة على أهل العَصر كلِّهم فيه تَجوُّز؛ وهذا بخِلاف قوله بعد هذا: “مُلك هذه الأمّة قد ظهر”، فإن مُراده به: العرب خاصّة. والحَصر في قولهم: “إلا اليهود” يعني: قالوا: ليس يَخْتتن إلاّ اليهود. “فلا يَهُمّنك شأنهم”.

وقوله: “يُخْبر عن خَبر رسول الله صلى الله عليه  وسلم، في الحديث: “فلما استخبره، أُتيَ هِرقل برجلٍ أرسل به مَلك غَسَّان يُخْبر عن خَبر رسول الله صلى الله عليه  وسلم”، فسَّر ذلك ابن إسحاق في روايته، فقال: “خَرج من بين أظهُرنا رجُلٌ يزْعُم أنه نَبيّ. فقد اتّبعه ناس، وخالفه ناس؛ فكانت بينهم ملاحِم في مَواطِن، فتركتُهم وهم على ذلك”، فبيّن ما أجْمَل في حديث الباب؛ لأنه يوهم أنّ ذلك كان في أوائل ما ظَهر النبي صلى الله عليه  وسلم. وفي رواية ابن إسحاق أيضًا: أنه قال: “جَرِّدوه! فإذا هو مُخْتتِن، فقال: هذا والله الذي رأيت، أعْطِه ثَوبه”.

قوله: “حتى أتاه كتابٌ مِن صاحبه يُوافق رأي هِرقل على خروج النبي صلى الله عليه  وسلم وأنه نبيّ”، وفي حديث دِحية: “فلما خَرجوا، أدْخَلني عليه، وأرسَل إلى الأسْقُف -وهو صاحب أمرِهِم، فقال: هذا الذي كنَّا ننتَظر، وبَشَّرنا به عيسى. أمّا أنا فمُصدِّقه ومُتَّبِعه. فقال له قيصر: أمَّا أنا، إنْ فعلتُ ذلك ذَهب مُلكي”. فذكر القصة، وفي آخره: “فذَكر لي الأسْقُف، وقال لي: خُذْ هذا الكِتاب، واذهب إلى صاحِبك، فاقرأ عليه السلام، وأخبرْه: أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، وأني قدْ آمنتُ به وصدَّقْته، وأنهم قد أنكروا عليَّ ذلك، ثم خَرَج إليهم فقَتلوه”.

قوله: “وأنه نَبي”: يعني: حتى أتاه كِتاب من صاحبه يوافق رأي هِرقل على خُروج النبي صلى الله عليه  وسلم، ويُوافقه على أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم نَبيّ.

قوله: “فأذِن هِرقل لعُظماء الرُّوم في دَسْكَرة له بحِمْص”.

“فأذن”: هي بالقَصر، مِن: الإذْن.

و”الدَسْكَرة” -بسكون السِّين المهملة-: القَصر الذي حوله بيوت.

وكأنه دخَل القَصر ثم أغْلقه، وفتح أبواب البيوت التي حوله، وأذن للروم في دخولها، ثم أغلقها، ثم اطلع عَليهم  فخاطبهم.

قوله: “والرشد” في قوله: “هل لكم في الفَلاح والرَشَد -أو الرُشْد- وأن يَثْبُت مُلككم”؛ لأنهم إن تمادوا على الكُفر، كان سببًا لذهاب مُلكهم، كما عرف هِرقل ذلك من الأخبار السابقة.

“فحاصوا حيصة حُمر الوحش”، يعني: عندما سَمِعوا دعوته لهم إلى الإسلام، شبّههم بالوحوش؛ لأنّ نفرتها أشدّ من نفرة البهائم الإنسيّة. وشبّههم بالحُمر دون غيرها من الوحوش، لمناسبة الجهل وعدم الفِطنة، بل هم أضلّ.

“وأيس من الإيمان”، أي: من إيمانهم، لِما أظهروه، ومن إيمانه؛ لأنه شحّ بمُلكه، وكان يُحبُّ أن يُطيعوه فيستمرّ مُلكه، ويُسْلِم، ويُسْلِموا بإسلامه.

 وقوله:: “إني قلت مقالتي آنفًا، “آنفًا” أي: قريبًا، وقوله: “فقد رأيت”، زاد في رواية: “التفسير” عند البخاري: “فقد رأيت منكم الذي أحببْتُ”.

“فكان ذلك آخر شأن هِرقل”، أي: فيما يتعلّق بهذه القصة المتعلّقة بدعائه إلى الإيمان خاصّة؛ لأنه انقضى أمره حينئذٍ ومات، أو لأنه أطلق الآخِريّة بالنسبة إلى ما في علْمه، وهذا أوجَه.

د. مناسبة الحديث لـ”كتاب بدء الوحي”:

لمَّا كان أمرُ هِرقل في الإيمان مُستبهَمًا؛ لاحتمال يَحتمِل أن يكون عَدمُ تصريحه بالإيمان خوفا على نفسه من القَتل، ويحتمِل أن يكون استمرّ على الشكِّ حتى مات كافرًا، وقال الراوي في آخر القصة: “فكان ذلك آخرُ شأن هِرقل”، لمّا كان كذلك، ختم به البخاري هذا الباب الذي استفتحه بحديث الأعمال بالنِّيّات، كأنه قال: إن صَدَقت نِيّته انتفعَ بِها في الجُمْلة، وإلاّ فقد خَاب وخَسر كما أن الآية المكتوبة إلى هِرقل للدّعاء إلى الإسلام مُلتئمة مع الآية التي في ترجمة الباب، وهي قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} [النساء:163]، وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا}الآية[الشورى:13]، فبان أنه أوحى إليهم كلّهم: أن أقيموا الدِّين، وهو معنى قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون}.

error: النص محمي !!