Top
Image Alt

ابن الرومي، ونماذج من شعره

  /  ابن الرومي، ونماذج من شعره

ابن الرومي، ونماذج من شعره

علي بن العباس بن جريج، نشأ على الولاء لعبد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور العباسي، وكان يوناني الأصل، وقد أشار هو إلى ذلك في شعره، كأنه يفتخر به فيقول:

ونحن بنو اليونان قومٌ لنا حِجا

*ومجدٌ وعيدان صلاب المعاجم

وكانت أمه فارسية، وكما افتخر بنسبه الرُّومي من جهة أبيه افتخر كذلك بنسبه الفارسي من جهة أمه، وجمع بين الفخر بالنَّسبين في قوله:

كيف أُغضي على الدنيَّة والـ

*ـفرس خئولي والروم أعمامي

وُلد ابن الرومي سنة مائتين وواحد وعشرين من الهجرة، وكان هزيلًا ضئيلًا نحيلًا دميم الوجه، تقتحمه العيون، وظلَّ طوال حياته ينعى على نفسه دقَّة جسمه، وقبح منظره، وله في ذلك أشعار كثيرة، وقد انضمَّ إلى هذه المساوئ صلعٌ أخذ معظم شَعره؛ فكان لا يخلع العمامة أبدًا، وله مقطوعة يصوِّر فيها صلعه، وقبحَ وجهه، يختمها بقوله:

شُغفت بالخرَّد الحسان وما

*يصلح وجهي إلا لذي ورع

كي يعبد الله في الفلاة ولا

*يشهد فيها مساجد الجُمع

ويذكر المؤرخون الذين كتبوا عنه أنه كان ضيِّق الصدر، سريع التغير والانقلاب، حادّ المزاج، وأنه كان كثيرًا ما يضيق ببعض ممدوحيه، فينقلب هاجيًا لهم، ويذكر معاصروه أنه من كان يلقاه كان يراه كالمتوجِّس الخائف المذعور، وكأنما كان في أعصابه شيء من الاختلال. ولذلك فابن الرومي هو أكبر شاعر متشائمٍ في عصره، بل يمكن أن يكون أكبر -أو من أكبر- الشعراء المتشائمين في تاريخ الأدب العربي كله.

وعن تشاؤمه وتطيُّره رَوَوْا بعض الأمور التي يمكن أن يكونَ للخيال دخلٌ فيها، فقد ذكروا من هذه الطرائف أنه أغلق باب داره ثلاثة أيام لمَّا تصادف أنه كان يصير إلى الباب، والمفتاح معه، فيضع عينه على ثُقب في خشب الباب فيرى جارًا له أحدب كان نازلًا بإزائه يقعد على الباب، فإذا نظر إليه رجع عن عزمه على الخروج، وخلع ثيابه وقال: لا يفتح أحدٌ الباب.

وافتقده في مجلسه بعض الأمراء، وكان يعلم حاله من التشاؤم، فأرسل له غلامًا يُسمَّى إقبالًا؛ ليتفاءل به عند سماع اسمه، غير أنه لم يكد يعزم على المضيِّ معه حتى بدا له اسمه معكوسًا، وعكس إقبال لا بقاء فقال: له امضِ إلى سيدك، وأنبأه بما في نفسه، ولم يذهب إلى مجلس الأمير.

وكان ابن الرومي شاعرًا، غزير الشعر، له شعر كثير، وله جَيد من هذا الكثير كثير، ويبدو من شعره أنه كان ذا عقل كبير، وثقافة عميقة، وقد ساعده هذا العقل الكبير، وهذه الثقافة على أن يكون مبدعًا في أكثر أغراض الشعر، فله في المديح مثلًا:

إذا أبو قاسم جادت يداه لنا

*لم يُحمد الأجودان البحر والمطر

وإن مضى رأيُه أو حدَّ عزمته

*تأخَّر الماضيان السيف والقدر

وإن أضاءت لنا أضواء غرَّته

*تضاءل النيِّران الشمس والقمر

ينال بالظن ما يعي العيان به

*والشاهدان عليه العين والأثر

ومن جيِّد مديحه وجديده قوله في علي بن يحيى المنجم:

لوذعيٌّ له فؤاد ذكيٌّ

*ما له في ذكائه من ضريب

ألمعيٌّ يرى بأول ظنٍّ

*آخر الأمر من وراء المغيب

لا يروِّي ولا يُقلِّب كفًّا

*وأكفُّ الرجال في تقليب

حازم الرأي ليس عن طول تجريب

*لبيبٍ وليس عن تلبيب

ليِّنٌ عِطفه فإن ريم منه

*مكسر العود كان جدَّ صليب

فهو يمدحه بالذكاء، وحسن البديهة، والنظر الثاقب، دون إبطاء في الرأي أو ندم، وهو حازم لبيب بالفطرة، وهو صلب العود صلابة شديدة، مع لين عطفه لمن يُخلصون له الوُدَّ والحب.

وقد اشتهر ابن الرومي بالهجاء الساخر، وأنه يستطيع أن يرسم لمن يهجوه صورةً مضحكة، ساخرة هازئة، من ذلك قوله في الأحدب الذي كان يتشاءم من رؤيته، ولا يخرج من بيته إذا رآه -كما أسلفت- يقول فيه:

قصُرت أخادعه وغاب قذاله

*فكأنه متربِّصٌ أن يُصفع

وكأنما صُفعتْ قفاه مرة

*وأحسَّ ثانية لها فتجمع

كما كان ابن الرومي يُجيد فنَّ الرثاء، وقد مات له ثلاثة أبناء فبكاهم بكاءً حارًّا، ومما قاله في ابنه الثالث:

أبنيَّ إنك والعزاء معًا

*بالأمس لُفَّ عليكما كفنُ

ما في النهار وقد فقدتك

*من أنس ولا في الليل لي سكنُ

ما أصبحت دنياي لي وطنًا

*بل حيث دارك عندي الوطن

كما أن له رثاءً جيدًا في أمه، وفي أخيه، وفي بعض أصدقائه. وكان ينفذ إلى أخيلة ومعانٍ طريفة في أغراض شعره كلها، حتى في الرثاء، وفي ذكره للموت، من ذلك قوله عن الموت:

قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا

*للموت ألفُ فضيلة لا تُعرف

فيه أمان لقائه بلقائه

*وفِراق كلِّ مُعاشر لا ينصف

وله كذلك شعر جيد في الوصف، وقد كان ابن الرومي مشغوفًا بالطبيعة كَلِفًا بها، وقد جعلته قدرته على نقل المشاهد الحسِّيَّة يبرع في وصف مجالس الأنس، وما يجري فيها من لهوٍ وسماع، لكنه لا يتورَّط في المجون والإثم تورُّط أبي نواس وأمثاله.

وقد أكثر من وصف مجالس السماع، ومن وصف المغنِّين والمغنيات، وكانت أُذنه مرهفة، وشعوره حادًّا، كما اشتهر بإكثاره من وصف ألوان الطعام والفاكهة، وله شعرٌ جيدٌ في وصف الخباز، وفي وصف الرقاق، وفي وصف قالي ما يُسمى بالزلابية، وهي طعام من دقيق يُقلى في الزيت ويوضع عليه السكر، يقول فيه:

كأنما زيته المقلي حين بدا

*كالكيمياء التي قالوا ولم تُصب

يُلقي العجين لجينًا من أنامله

*فيستحيل شبابيكًا من الذهب

ويبدو أن هذا الجانب عنده -كما يقول الدكتور شوقي ضيف- جعله قريبًا من ذوق العامة، وأدنى إلى أن يُصبح شاعرًا شعبيًّا. ومن تتمَّة هذه الشعبية -كما يقول الدكتور شوقي ضيف- أن نراه يصف الحمَّالين والشَّوَّائين كما يصف الثياب البالية. ويضيف الدكتور شوقي: وأكبر الظن أن هذا الجانب الشعبي هو الذي جعله يهتمُّ بالزُّهَّاد والوعَّاظ، وليس في حياته ما يصله بالوعظ والزهد، وكأنما كان يتغنَّى بمشاعر الشعب في وعظه وتصويره للزهاد.

وفي شعره تشاؤم كثير -كما قلنا، وفيه زهد كذلك، والزهد في شعره نقمة على فقدان المتاع بالحياة؛ فصوَّر الحياة سوداء حالكة، وكما كانت لديه قدرةٌ على وصف كلِّ ما يقع عليه حسُّه؛ كانت لديه قدرة على النظرات الكلية الجامعة، فإذا هو يضع لبعض الأخلاق الذميمة صورًا مجسمة كصورة المتكبر، والأكول، والثقيل، وكان كذلك يضع صورًا مجسّمة للأخلاق المحمودة كالصبر والتجلُّد.

وكان ابن الرومي لا يعود إلى أشعاره بتنقيح ولا تهذيب، وكان إذا نظم أكثر، وامتدَّ نفَسه امتدادًا بعيدًا؛ فكان طبيعيًّا أن يكون في أشعاره ما يهبط درجات عمَّن حوله، ففيها المصقول وغير المصقول، وفيها ما يرتفع إلى الأفق الأعلى وما يدنو إلى الآفاق الدنيا بحكم أنه لا يُعاود عمله، ولا ينظر فيه بتنقيح ولا تهذيب، ولا إصلاح أو تعديل.

ويشفع له ما امتاز به من أفكار وأَخْيِلَةٍ نادرة، وما كان يحرص عليه من بثِّ الفنون الجديدة في أشعاره، وخاصة الجناس، وقد كانت له إذًا موسيقية رائعة، وكل ذلك حمى الصياغة عنده من الهبوط عن المستوى الرفيع، إلا ما كان يُريد أن يقترب فيه من الذَّوق الشعبي؛ لشعبيَّة كانت متأصِّلة في ذات نفسه. وعلى أية حال، كان ابن الرومي شاعرًا بارعًا من أكبر الشعراء في العصر العباسي.

error: النص محمي !!