Top
Image Alt

ابن زيدون

  /  ابن زيدون

ابن زيدون

كان الكتاب كثيرين كما كان الشعراء كثيرين، ونحن إذ نتحدث عن بعض الأعلام لا نقصد أن نقول: إنه لم يكن هناك غير هؤلاء؛ كان هناك كتاب في الأندلس كثيرون، منهم ابن برد الأصغر، ومنهم لسان الدين بن الخطيب، ومنهم ابن عبد ربه، ومنهم القاضي عياض… كثيرون.

والملاحظ أن كثيرًا من الكتاب البارزين في الأندلس كانوا شعراء أيضًا، والجمع بين النبوغ في الكتابة والشعر قليلٌ؛ الذين عرفوا بالنبوغ في الكتابة والشعر معًا في المشرق العربي لم يكونوا كثيرين، أشهرهم أبو العلاء المعري؛ لكن الذين جمعوا بين النبوغ في الكتابة وفي الشعر في الأندلس كثيرون هذه ظاهرة تُسجَّل؛ ذكرت ابن برد الأصغر، ولسان الدين الخطيب، وأذكر الآن روادًا هم: ابن زيدون، وابن شُهَيْد الأندلسي، وابن حزم الأندلسي، وابن طفيل، وكلُّ هؤلاء جمعوا بين النبوغ في الشعر والنبوغ في الكتابة.

ابن زيدون:

وُلِدَ ابن زيدون في مدينة قرطبة سنة ثلاثمائة وأربع وتسعين من الهجرة، وتوفِّي بإشبيلية سنة أربعمائة وثلاثٍ وستين من الهجرة، وهو ثالث ثلاثة يسمون بهذا الاسم “ابن زيدون”:

أولهم: أبوه: أبو بكر عبد الله بن أحمد بن غالب، هذا هو الوالد.

والثاني: ابنه: أبو بكر، وكان وزيرًا للمعتمد بن عباد، ومات مقتولًا في آخر أيامه.

والثالث: ابن زيدون، الشاعر المشهور، والكاتب المعروف، وهو صاحب قصة الحب، وبطل هذه القصة التي نشأت بينه وبين ولَّادة بنت المستكفي.

كان أبوه قاضيًا مشهورًا بين قضاة قرطبة وعالمًا وأديبًا، مات سنة أربعمائة وخمس من الهجرة، وكان عمر ابنه إذ ذاك إحدى عشرة سنة، كان أبو الوليد -وهذه كنيته- منذ حداثته ميّالًا إلى العلم والتعلم؛ فاندفع في هذا الطريق ينشد لنفسه الكمال العقلي والأدبي، وكان قرطبة -التي نشأ فيها- مدينة علم وأدب، وكانت غنية بالشعراء والأدباء وغنية بالكتب، وكانت قِبلة طالبي العلم وطالبي التميز في الشعر والأدب؛ فاستطاع ابن زيدون أن يحصل لنفسه من الشعر والعلم والأدب ما جعله نابغة في هذا المجالات بما كان يتمتع به من موهبة أصيلة، صقل هذه الموهبة بالدرس والثقافة والقراءة، وصقلها أيضًا بالتجربة الغنية في السياسة، والاقتراب من قصور الخلفاء والوزراء وممارسته لها؛ إذ جعله ابن جهور وزيرًا له، وكان يعتمد عليه، ويأخذ برأيه، ومكنه من أن يمارس تصريف الأمور بنفسه، وكان يلقب بـ”ذي الوزارتين”؛ لأنه لم تقتصر وظيفته في الوزارة على المشورة؛ وإنما أسند إليه تصريف الأمور كذلك؛ فلقب بـ”ذي الوزارتين”.

قصة حبه لولادة كانت ذات أثر كبير في شعره وفي نثره، وكانت ولادة بنت المستكفي الخليفة الأموي شهرةٌ عظيمةٌ في قرطبة؛ لجمالها، وعلمها، وأدبها، وكانت تحضر مجالس الشعر والأدب، ووقع في غرامها وحبها كثيرٌ من الذين عاصروها ورأوها، وكان من هؤلاء الذين وقعوا في حبها ابن زيدون، ونافسه في الحصول على مكانته، والحصول على قلب ولادة كذلك، وحسده على منزلته وقربه من هذه الفتاة الجميلة الوزير أبو عامر بن عبدوس.

ويبدو أن ابن عبدوس هذا كانت عنده من الحيل والقدرة ما مكنه من أن يتسلل إلى ولادة وأن يفسد عليها حبها لابن زيدون؛ ولهذا نشأت عداوة شديدة بين ابن عبدوس وابن زيدون، وكان من أثر هذه العداوة أن ابن عبدوس لم يألُ جهدًا في إفساد حياة ابن زيدون، ولم يكُن ابن عبدوس وحده هو الذي يحسد ابن زيدون ويكيد له، وأثمرت هذه المكائد وهذا الحدث مصائب ومحنًا كثيرة أتت على ابن زيدون؛ منها: تغير ولادة عليه وانقطاع ما بينه وبينها من حب، ومنها: أن ابن جهور أيضًا تغير عليه وفسدت الصلة بينه وبينه، فسجنه.

وأخذ ابن زيدون يكتب إلى ابن جهور من سجنه يستعطفه ويعتذر إليه، ويوضح له أن الحُسَّاد هم الذين أفسدوا ما بينهما؛ ولكنه لم ينجح في استعطافه فهرب من السجن، واختفى بقرطبة إلى أن استشفع بأبي الوليد بن جهور عند أبيه حتى شفع له، ثم جعله أبو الوليد بعد موت أبيه من المقدمين في دولته؛ ولكن ابن زيدون لم يأمن على نفسه من بقائه في قرطبة؛ فهاجر إلى إشبيلية سنة أربعمائة واحد وأربعين من الهجرة، ودخل في حاشية المعتضد بن عباد، وصار وزيرًا لابنه المعتمد وبقي هناك إلى آخر عمره.

أما نثر ابن زيدون وكتابته؛ فإن المؤرخين للأدب والمؤرخين لحياة ابن زيدون يذهبون إلى أنه يأخذ مكانة عالية في مجال النثر الأدبي، وأن الخصائص التي يمكن أن تميزه والسمات الواضحة في كتابته تتمثل في:

  • الإطناب الذي يبدو عليه في تكرار المعاني الواحدة بألفاظ مترادفة، وعبارات متقابلة، وجمل متنوعة، يمكن أن يغني بعضها عن البعض الآخر.
  • الإكثار من التمثيل بالأبيات الحِكَمِيَّة يحكيها باللفظ أو يجيء بها بالمعنى.
  • إيراده الأمثال بلفظها أو الإشارة إليها، واستخدام التاريخ والحوادث والأعلام المشهورة.
  • التهويل في المعاني وعدم التزام السجع إلا ما جاء عفوًا.

ومع أن ابن زيدون كان كثير النتاج، غزير الأدب في شعره وفي نثره، تدفعه إلى ذلك عاطفة صادقة، وموهبة أصيلة، وثقافة عريضة، وتمكُّنٌ من اللغة؛ فإن أشهر رسائله النثرية رسالتان: الرسالة الجدية والرسالة الهزلية.

الرسالة الجدية:

الرسالة الجدية كانت في الاستعطاف والمدح، أرسلها من محبسه، أو من سجنه إلى الوزير ابن جهور يستعطفه ويستميله ويعتذر إليه، وأحيانًا يخرج من هذا الاستعطاف، والاعتذار، والمدح إلى الفخر بنفسه والإشادة بشِيَمه، وتشتمل هذه الرسالة على كثير من الأشعار، والأمثال، والحِكَم، والحوادث، وأسماء الرجال، وقد جاءت جامعة لكثير من المعاني؛ كالمدح، والاعتذار، والاستعطاف، والفخر، والامتنان، وذم الزمان، ولوم الأعداء، وإظهار الغضب منهم، وبيان الصبر والتجلد… كلُّ ذلك بعبارات بليغة سائغة تدل على تمكُّن صاحبها في الأدب، واللغة، والتاريخ.

ولا تجري الرسالة على نسق واحد من التزام السجع أو الترسُّل؛ فإن كثرة الاقتباس أحيانًا بمناسبة وبغير مناسبة تجعل الكاتب لا يسير على نسق واحد، وربما كثرة الإشارات التي وردت إلى الأحداث، والأيام، والرجال تجعل القارئ ينصرف عن الغرض الأصلي الذي كُتِبتْ من أجله الرسالة.

ونأخذ من الرسالة الجدية هذا النموذج، يقول:

“يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتدادي به، واعتمادي عليه، ومَن أبقاه الله ماضيَ حد العزم، واري زندِ الأمل، ثابت عهدِ النعمة، إن سلبتني -أعزك الله- لباسَ نعمائك، وعطَّلتني من حُلى إيناسك، وأظمأتني إلى وِرد إسعافك، ونقضتَ بي كفَّ حياطتك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، وأحس الجماد باستنادي إليك؛ فلا غرو قد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفى به، ويُؤتى الحذر من مأمنه، وتكون منية المتمنِّي في أمنيَّته، والحَيْنُ -أي: الهلاك- قد يسبق جهد الحريص:

كلُّ المصائب قد تمرُّ على الفتى

*وتهونُ غير شماتة الحساد

وإني لأتجلَّد وأُري الشامتين أني لغيب الدهر لا أتضعضع، فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها وجبين عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهريٌّ عرضه على النار مثقفه، وعبدٌ ذهب سيده مذهب الذي يقول:

فقسى ليزدجروا ومن يكُ حازمًا

*فليقسُ أحيانًا على من يرحم

هذا العتبُ محدودٌ عواقبُه، وهذا النبوة غمرةٌ ثم تنجلي، وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تُقشَعُ، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه أو تأخر غير ضنين غَناؤه، فأبطأ الدلاء فيضًا أملؤها، وأثقل السحائب مشيًا أحفلها، وألذ الشراب ما أصاب غليلًا، ومع اليوم غدٌ، ولكلِّ أجلٍ كتابٌ، له الحمد على اهتباله، ولا عتب عليه في إغفاله”.

الرسالة الهزلية:

وجهها ابن زيدون إلى غريمه ومنافسه في حب ولادة: ابن عبدوس، وهو يسخر منه ويسوقها على نسق من الاستهزاء، ومما جاء فيها قوله:

“أما بعد: أيها المصاب بعقله، المورط بجهله، البيِّن سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب؛ فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسَه أصوب، وإنك راسلتني مستهديًا من صلة ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصديًا من خُلَّتي لما قرعتُ دونه صنوف أشكالك، مرسلًا خليلتك مرتادة، مستعملًا عشيقتك قوَّادة، كاذبًا نفسك أنك ستنزل عنها إليَّ، وتخلف بعدها عليَّ:

ولست بأولَ ذي همة

*دعته لما ليس بالنائل

ولا شك أنها قلتك إذ لم تظن بك، وملتك إذ لم تغر عليك، فإنها أعذر في السفارة لك، وما قصَّرت في النيابة عنك؛ زاعمة أن المروءة لفظٌ أنت معناه، والإنسانية اسمٌ أنت جسمه وهيولاه، قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال، واستعليت في مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال؛ حتى خُيِّلتَ أن يوسف # حاسَنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت…”.

وهكذا تمضي الرسالة في السخرية حتى نهايتها، والرسالتان فيهما هذه السمات التي أشرنا إليها من قبل.

error: النص محمي !!