Top
Image Alt

ابن زيدون

  /  ابن زيدون

ابن زيدون

أحمد بن عبد الله بن زيدون، من سلالة بني مخزوم من بطون قريش التي نزحت إلى الأندلس بعد فتحها، كان أبوه قاضيًا من قُضاة قرطبة، ولكن القدر لم يمهله حتى يتمَّ تربية ابنه؛ فقد مات وسنُّ هذا الولد إحدى عشرة سنة. وقد أثرت هذه البيئة المنزلية؛ إذ كان بيته بيتَ علمٍ في نشأته، كما أثرت الحياة العقلية والأدبية التي كانت مزدهرةً في قرطبةَ، التي وُلِدَ فيها ونشأ، أثرت كذلك في اتجاهه إلى هذه الحياة الأدبية والأخذ منها ما شاء له تطلعه ونهمه؛ حتى أصبح من كبار شعراء الأندلس وكُتَّابها.

وكانت الكتابة والأدب في ذلك العصر يأخذان بصاحبهما إلى الصفوف الأولى في المجتمع؛ فقد أُسندت الوزارة إليه لكفاءته الأدبية.

والفترة التي عاشها ابن زيدون بعد أن شبَّ كانت فترةَ تقلُّباتٍ سياسيةٍ خطيرة؛ لأنها شهدت انتثار عقد خلافة الأمويين في الأندلس، وبدءُ ما يُسمى بعصر ملوك الطوائف؛ حيث كان كلُّ قائد يشعر في نفسه بالقوة، وبشيء من قوة العصبية المحيطة به، فيستقلُّ بإمارته، وكان هذا العصر عصرَ فتن؛ فالمكائد، والدسائس، والقتل، والثورة، وهذا ينقلب على ذاك، وملك يُقتل وآخر يُولَّى، فهذه الفترة كانت ذات أثر أيضًا في حياة ابن زيدون.

وكان ابن زيدون -كما ذكرنا- قريبًا من أحوال السياسة؛ لأنه تولَّى الوزارة لابن جَهْوَر، وكان تولِّيه الوزارة مثيرًا لحسَّاده الذين عانى منهم المكائد والدسائس؛ حتى إن ابن جَهْور انقلب عليه وسجنه، وجرَّده من مظاهر العزَّة والسلطان بعد أن كان وزيرًا له.

ومن أهمِّ المؤثرات في حياة ابن زيدون وشعره كذلك: أنه وقع في حبِّ ولَّادة بنت المستكفي، وولادة هذه ألهبت شاعريته، ومَلَكَت عليه جوانب حسه، وحنايا نفسه، وشغلت وقته وعقله، وألهمته كثيرًا من روائع الشعر يتغزَّل فيها، ويصف حنينه وشوقه إليها؛ فإذًا نشأته، وبيئته، والأحداث السياسية التي عاصرها، وتوليه الوزارة، وثقافته، وحبه لولادة، وما فعله به ابن جهور من السجن بعد أن كان وزيرًا له؛ كلُّ هذا أثَّر في حياته، وأثر في شعره كذلك.

وإذا كان الجانب الأدبي وما يتعلَّق بالشعر هو الذي نُركِّز عليه، فإننا نقول: إن الموهبةَ التي طُبع عليها هذا الشاعر مكَّنته من أن يكون شاعرًا كبيرًا، وشعره في الغزل، وفي وصف الطبيعة من أرقِّ الشعر وأجمله، ومن هذا الشعر الرقيق الجميل الذي ألهمته إيَّاه علاقته بولادة، وتعلُّقه بها قوله بعد اللقاء الأول بها:

ودَّع الصبر محبٌّ ودعك

*ذائع من سرِّه ما استودعك

يقرع السِّنَّ على أن لم يكن

*زاد في تلك الخُطى إذ شيَّعك

يا أخا البدر سناء وسَنَى

*حفظ الله زمانًا أرجعك

إن يَطُلْ بعدك ليلي فلكم

*بتُّ أشكو قصر الليل معك

وكانت ولادة التي أحبها شاعرة وأديبة، وكانت تبعث إليه بالأبيات التي تُلهب عاطفته وتفجر شاعريته، ومن أبياته التي يقولها ردًّا على عتابٍ لها منه، وأنها ذكرت في هذا العتاب أنه انصرف عنها؛ فقال:

أنَّى أُضيَّع عهدك


*أم كيف أُخلف وعدك

وقد رأتك الأماني

*رضًى فلم تتعدَّك

يا ليت ما لك عندي

*من الهوى ليَ عندك

فطال ليلك بعدي

*كطول ليليَ بعدك

سلني حياتي أهبها

*فلست أملك ردَّك

الدهر عبدي لما

*أصبحت في الحبِّ عبدك

ولابن زيدون في شكوى بُعْده عن ولَّادة وبعدها عنه قصيدة نونية مشهورة، تفيض بالعاطفة الصادقة، والمشاعر الرقيقة، وتَصِف عذاب الحب وضنى الشوق، يقول فيها:

أضحى التنائي بديلًا من تدانينا

*وناب عن طيب لقيانا تجافينا

ألا وقد حَانَ صُبح البين صبَّحنا

*حَيْنٌ فقام بنا للحَيْنِ ناعينا

والحين: هو الموت والهلاك، والتنائي: التباعد، والتداني: التقارب، ثم يقول:

من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم

*حزنًا مع الدهر لا يَبْلَى ويُبلينا

أنَّى الزمان الذي ما زال يضحكنا

*أنسًا بقربهم قد عاد يُبكينا

غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا

*بأن نغصَّ فقال الدهر آمينا

فانحلَّ ما كان معقودًا بأنفسنا

*وانبتَّ ما كان موصولًا بأيدينا

وقد نكون وما يُخشى تفرُّقنا

*فاليوم نحن وما يُرجى تلاقينا

يا ليت شعري ولم نُعتب أعاديكم

*هل نال حظًّا من العتبى أعادينا

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم

*رأيًا ولم نتقلَّد غيره دينا

ما حقنا أن تُقرُّوا عين ذي حسد بنا

*ولا أن تسرُّوا كاشحًا فينا

كنا نرى اليأس تُسلينا عوارضه

*وقد يئسنا فما لليأس يُغرينا

بنتم وبنَّا فما ابتلت جوانحنا

*شوقًا إليكم، ولا جفَّت مآقينا

نكاد حين تُناجيكم ضمائرنا

*يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا

حالت لفقدكم أيامنا فغدت سودًا

*وكانت بكم بيضًا ليالينا

إذ جانب العيش طلق من تألقنا

*ومربع اللهو صافٍ من تصافينا

وإذ هصرنا فنون الوصل دانية

*قطافها فجنينا منه ما شِينَا

ليُسْقَ عهدكم عهد السرور

*فما كنتم لأرواحنا إلا المُحبِّينا

والله ما طلبت أهواؤنا بدلًا منكم

*ولا انصرفت عنكم أمانينا

يا ساري البرق غادِ القصر واسقْ به

*من كان صرف الهوى والود يسقينا

واسأل هنالك هل عنَّا تذكرنا

*إلفًا تذكُّره أمسى يُعنِّينا

ويا نسيم الصبا بلِّغ تحيتنا

*من لو على البعد حيًّا كان يُحيينا

فهل أرى الدهر يقضينا مساعفةً

*منه وإن لم يكن غبًّا تقاضينا

ربيب ملك كأن الله أنشأه مسكًا

*وقدَّر إن شاء الورى طينا

أو صاغه وَرِقًا محضًا وتوَّجه

*من ناصع التِّبر إبداعًا وتحسينا

إذا تأوَّد آدته رفاهية

*توم العقود وأدمته البرى لينا

كانت له الشمس ظئرًا في أكلَّته

*بل ما تجلَّى لها إلا أحايينا

كأنما أُثبتت في صحن وجنته

*ظُهر الكواكب تعويذًا وتزيينا

ما ضرَّ أن لم نكن أكفاءه شرفًا

*وفي المودَّة كافٍ من تكافينا

يا روضة طالما أجنت لواحظنا

*وردًا جلاه الصبا غضًّا ونسرينا

ويا حياة تملَّينا بزهرتها

*منًى ضروبًا ولذَّات أفانينا

ويا نعيمًا خطرنا من غضارته

*في وشي نُعمى سحبنا ذيله حينًا

لسنا نسمِّيك إجلالًا وتكرمة

*وقدرك المعتلي عن ذاك يُغنينا

إذا انفردت وما شوركت في صفة

*فحسبنا الوصف إيضاحًا وتبيينا

يا جنة الخلد أُبدلنا بسدرتها

*والكوثر العذب زقُّومًا وغسلينا

كأننا لم نبت والوصل ثالثنا

*والسَّعد قد غضَّ من أجفان واشينا

إن كان قد عزَّ في الدنيا اللقاء بكم

*في موقف الحشر نلقاكم وتلقونا

وهذا البيت الأخير الذي يدل على يأس الشاعر من لقاء محبوبته في الدنيا، وأمله أن يلتقيها في يوم الحشر يدلُّ على ما كان يحمله في قلبه من حبٍّ لها وتعلق بها، ثم بعد ذلك يذكر أنه لم ينتهِ عن الحزن بسبب فراقها، حتى لو دعا إلى ذلك العقل، وأنه لا يستطيع الصبر عليها؛ فيقول:

لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت

*عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا

إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورًا

*مكتوبةً وأخذنَ الصبر تلقينا

أما هواك فلم نعدل بمنهله

*شُربًا وإن كان يُروينا فيظمينا

وتمضي القصيدة على هذا النحو من التصوير البديع لهذه العاطفة الصادقة، وهذه المشاعر الرقيقة إلى أن يقول في نهايتها مودعًا محبوبته:

عليك منا سلام الله ما بقيت

*صبابة بك نُخفيها فتخفينا

وبقي شعر ابن زيدون في ولادة شاهدًا على هذا الحب الذي اتَّقد في قلبه، والذي ألهمه هذا الشعر البديع.

error: النص محمي !!