Top
Image Alt

اتخاذ السترة أمام المصلي في الصلاة

  /  اتخاذ السترة أمام المصلي في الصلاة

اتخاذ السترة أمام المصلي في الصلاة

كتاب: (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار) للإمام الشوكاني:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فبداية مع أبواب السترة أمام المصلي، وحكم المرور دونها:

الباب الأول: باب استحباب الصلاة إلى السترة والدنو منها، والانحراف قليلًا عنها والرخصة في تركها.

الحديث الأول: ((إذا صلّى أحدكم فليصلِّ إلى سترة…)):

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلى أحدكم فلْيصل إلى سترة، ولْيدنُ منها)) هذا الحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه، قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء: حدثنا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلى أحدكم فلْيصلِّ إلى سترة، ولْيدن منها)) والحديث في إسناده محمد بن عجلان، وبقية رجاله رجال الصحيح، ومحمد بن عجلان وثّقه أحمد، والإمام ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي.

قوله: ((إذا صلّى أحدكم)) أي: إذا همّ أحدكم بالدخول في الصلاة، وعقد النية والعزم على ذلك، لا أنه صلّى بالفعل.

قوله: ((فليصل إلى سترة)) أي: يحجز مكان صلاته عن مرور الناس بجدار، أو بعصا، أو بساتر ما، والسترة بضم السين: هي الشيء الذي يضعه المصلي أمامه.

واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، كأنه دخل مثلًا في غرفة وأغلق على نفسه الباب وأمن أن يدخل عليه أحد أو أن يمر بين يديه أحد، اختلفوا في هذا، وهما قولان في مذهب مالك: قول يقول باتخاذ سترة، وقول يقول بعدم اتخاذ السترة إذا أمن مرور الناس أمامه. وسئل الإمام أحمد -رحمه الله-: هل يُصلي الرجل إلى سترة في الحضر والسفر؟ يعني: أثناء ما يكون مسافرًا في فضاء وفي الحضر، قال: نعم.

وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندما يصلي يضع بين يديه حربة أو عنزة ثم يُصلي، روى البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر؛ فمِن ثَمّ اتخذها الأمراء)) وروى البخاري أيضًا من حديث أبي جحيفة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة، الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، تمرُّ بين يديه المرأة والحمار)).

وعند مسلم من حديث أبي جحيفة قال: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ فصلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة، وكان يمرُّ من ورائها المرأة والحمار)) والعنزة بفتح العين والنون: عصا أكبر من الرمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة، روى ابن سعيد في (الطبقات): أن النجاشي كان أهداها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وروي أن العَنَزة التي كانت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوام يوم أحد، فأخذها منه صلى الله عليه وسلم فكان ينصبها بين يديه إذا صلى.

ويستفاد من هذه الروايات: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع الحربة أو العَنَزة بين يديه إذا كان في فضاء؛ حيث لا يوجد جدار أو سارية، كصلاته في السفر أو العيدين، وقد جاء منصوصًا على ذلك في رواية ابن ماجه، وابن خزيمة، والإسماعيلي؛ حيث زادوا في روايتهم: ((وذلك أن المصلّى كان فضاءً ليس فيه شيء يستره)).

مقدار السترة:

قال العلماء: قدر السترة في طولِها ذراع، قال الأثرم: سُئل أبو عبد الله -يعني: الإمام أحمد- عن آخرة الرحل: كم مقدارها؟ قال: ذراع، وبهذا قال عطاء، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد: أنها قدر عظم الذراع، وهذا قول مالك والشافعي.

والظاهر:

أن هذا على سبيل التقريب لا التحديد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدّرها بآخرة الرحل، وآخرة الرحل تكون تارة ذراعًا، وتارة تكون أقلّ من ذراع.

قال أبو سعيد: “كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة” وقال الأوزاعي: يجزئه السهم والسوط، وقال أحمد: وما كان أعرض فهو أعجب إليّ.

قوله: ((ولْيَدنُ منها)) أي: يقترب من سترته.

المسافة التي ينبغي أن تكون بين المصلي وسترته:

اختلف العلماء في قدر المسافة التي ينبغي أن تكون بين المصلي والسترة، قال بعضهم: قدر ممر الشاة، أي: قدر المسافة التي تمر منها الشاة، وقال بعضهم: قدر ثلاثة أذرع، روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد قال: ((كان بين مصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاه)) ومن حديث سلمة بن الأكوع قال: ((كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها)) وروى أحمد والنسائي من حديث بلال رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فصلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع)) ومعنى قوله: ((كان بين مصلى رسول )) أي: مقامه في صلاته: ((وبين الجدار)) أي: جدار المسجد مما يلي القبلة، ومعنى قولِه: ((كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها)) أي: المسافة، وهي ما بين المنبر والجدار.

قال الكرماني: كان صلى الله عليه وسلم يصلي بجنب المنبر، ولم يكن لمسجده محراب. فتكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار؛ ونفهم من ذلك: أنهم قدروا المسافة التي بين المصلي والسترة بالمسافة التي بين أول منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين جدار المسجد، وهي قدر ممر الشاة، قال ابن بطال: هذا أقل ما يكون بين المصلي وبين السترة: قدر ممر الشاة، وقيل: أقلُّ ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال السابق.

وقد ترجم البخاري بابًا بهذا العنوان فقال في كتاب الصلاة: باب سترة الإمام سترة من خلفه، وساق تحته عدة أحاديث، منها: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (( أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررتُ بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد)) قال الإمام ابن عبد البر: حديث ابن عباس هذا يُخصص حديث أبي سعيد: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه)) فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأمّا المأموم؛ فلا يضره من مرّ بين يديه لحديث ابن عباس هذا، قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء، ونقل عياض الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا: هل سترتهم سترة الإمام، أم سترتهم الإمام نفسه، قال ابن قدامة: سترة الإمام سترة لمن خلفه، نصّ على هذا أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم.

الحديث الثاني: ((كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا…)):

عن طلحة بن عبيد الله قال: ((كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم ثم لا يضره ما مرّ بين يديه)) هذا الحديث أخرجه الإمام مسلمٌ، وأحمد، وابن ماجه، قال الإمام مسلم -رحمه الله-: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن نمير: حدثنا عمر بن عبيد الطنافسي.

قوله: ((كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا)) أي: في أثناء الصلاة. قوله: ((مثل مؤخرة الرحل)) أي: مقدار مؤخرة الرحل، ومؤخرة الرحل بضم الميم وكسر الخاء بينهما همزة ساكنة، ويصح أن تكون بفتح الخاء مع فتح الهمزة: مؤخرة الرحل، ويقال أيضًا: آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء، وهو العمود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب، وهو قدر عظم الذراع: نحو ثلثي ذراع، وقد تقدم مقدار الذراع بالسنتيمترات.

قوله: ((بين يدي أحدكم)) هذا مطلق في المسافة التي بين المصلي والسترة، والمعنى: أن يضع المصلي بين يديه مثل مؤخرة الرحل بغض النظر عن المسافة.

لكن الأحاديث التي فيها تقدير المسافة بممر الشاة وبثلاثة أذرع مقيدة لهذا الإطلاق.

قوله: ((ثم لا يضره ما مرّ بين يديه)) لأنه قد فعل المشروع من الإعلام بأنه يصلي، والمراد بقوله: ((لا يضره)) الضرر الراجع إلى نقصان صلاة المصلي الذي لا يتخذ سترة له، وبمعنى آخر: يعني: الإنسان إذا أراد أن يدخل في الصلاة ووضع سترة أمامه فقد كملت صلاته بوضع السترة، أمّا إذا لم يضع سترة ومر أحد أمامه فإن ذلك ينقص من صلاته.

الحديث الثالث: ((إذا صلى أحدكم فليجعل شيئًا تلقاء وجهه…)):

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا صلّى أحدكم فلْيجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطًّا، ولا يضره ما مر بين يديه)) هذا الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، وصححه أحمد، وابن المديني، وابن حبان، وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة، والشافعي، والبغوي، وغيرهم، وأورده ابن الصلاح مثالا للمضطرب، ونوزع في ذلك -يعني: خولف في أنه ذكره مثالا للمضطرب.

شرح الحديث:

قوله: ((فليجعل تلقاء وجهه شيئًا)) يؤخذ من هذه العبارة: أن السترة لا تختص بنوع، بل بكل شيء ينصبه المصلي تلقاء وجهه؛ فيجوز أن تكون السترة حقيبة، أو كرسيًّا، أو منضدة، أو ما شابه ذلك من الأشياء، شريطة ألا يكون هذا الشيء لافتًا، أو مزخرفًا؛ حتى لا ينشغلَ المصلي بهذه الأمور عن الصلاة.

الحديث الرابع: ((أن النبي صلى في فضاء…)):

عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء)).

عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف عبد قصي الهاشمي القرشي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن، ومفسر التنزيل، ومبين التأويل، وُلد رضي الله عنه قبل الهجرة بثلاث سنين، روى البخاري في صحيحه: أنه رضي الله عنه قال: ((ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: اللهم علّمه الحكمة)) وفي رواية: ((اللهم علمه الكتاب)).

قوله: ((صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء)) فيه دليل على أن اتخاذ السترة غير واجب، وهذا الحديث قرينة صرفت الأوامر التي في الأحاديث السابقة من الوجوب إلى الندب، ومعلوم في أصول الفقه: أن الأمر في الكتاب أو السنة يُراد منه الوجوب ما لم تأتِ قرينة تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب، وهذا الحديث قرينة، أو فيه قرينة صرفت الأمر في الأحاديث السابقة من الوجوب إلى الندب.

الباب الثاني: باب دفع المار, وما عليه من الإثم، والرخصة في ذلك للطائفين بالبيت:

الحديث الأول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس…)):

عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فلْيدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان)) هذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. أخرجه البخاري مطولا بزيادة قصة سنذكرها في أثناء الشرح -إن شاء الله تعالى- وأخرجه مسلم بلفظ: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، ولْيدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان)).

وقوله: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع)) هذا مطلق، مقيدٌ بما في حديث الباب من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره…)) فلا يجوز الدفع والمقاتلة إلا لمن كان له سترة، قال النووي: واتفقوا على أن هذا كلّه لمن لم يفرط في صلاته، بل احتاط وصلّى إلى سترة، أو في مكانٍ يأمن المرور بين يديه.

ويُستفادُ من قوله صلى الله عليه وسلم: ((فلا يدع أحدًا يمر بين يديه)) يُستفاد تحريم المرور بين يدي المصلي إلى سترة. قوله: ((فأراد أحد أن يجتاز بين يديه)) يجتاز بمعنى: يعبر أو يمر بين يديه وهو يصلي، قوله: ((فلْيدفعه)) أي: يمنعه بيده من المرور.

قوله: ((فلْيقاتله)) انتقل من الأسهل إلى الأشد، فبدأ أولًا بالمدافعة، ثم انتقل إلى ما هو أشد وهي المقاتلة، والمقاتلة من المفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين بخلاف القتل.

قوله: ((فإنما هو شيطان)) وفي رواية: ((فإن معه القرين)) و((القرين)) كما في (القاموس): المقارن، والصاحب، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، وهو المراد في الحديث، والشيطان هو الشخص المارّ بين يدي المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس أمرٌ شائعٌ وذائع، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112].

الحديث الثاني: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي…)):

عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم عبد الله بن الحارث الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟ لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة)) أخرجه الجماعة، وهم أصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه.

قوله: ((بين يدي المصلي)) أي: أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين: لماذا قال: ((بين يدي المصلي))؟ لأن اليدين أكثر الشغل يقع بهما، واختُلف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين مقدار رمية بحجر.

قوله: ((ماذا عليه؟)) في رواية للبخاري: ((من الإثم)) تفرد بها الكُشْمَيْهَنِي، قال ابن حجر: ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا؛ فيُحتمل أن تكون ذُكرت في أصل البخاري حاشية، فظنها الكشميهني أصلًا: مكتوبة في الهامش، وأنكر ابن الصلاح على من أثبتها، قال ابن عبد البر: لم يُختلف على مالك في شيء منه، قال ابن حجر: وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها -يعني: بدون لفظ: ((الإثم))- وذكره النووي في (شرح المهذب) بدون ذكر هذا اللفظ، وقال: وفي رواية رويناها في (الأربعين) -يعني: (الأربعين النووية)- لعبد القادر الهروي: ((ماذا عليه من الإثم؟)).

قوله: ((لكان أن يقف أربعين)) يعني: أن المار بين يدي المصلي لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار أن يقف المدة المذكورة؛ حتى لا يلحقه ذلك الإثم، قال الكرماني: جواب ((لو)) ليس هو المذكور: قوله: ((لكان أن يقف أربعين خيرًا له)) بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. قال ابن حجر: وليس ما قاله متعيَّنًا -يعني: لازمًا.

قوله: ((أربعين)) ذكر العدد وأبهم المعدود؛ تفخيمًا للأمر وتعظيمًا، لكن ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، لكن الراوي شكّ في ذلك، فلم يدرِ: أربعين يومًا، أم شهرًا، أم سنة.

الحديث الثالث: ((أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي…)):

عن المطلب بن أبي وداعة: ((أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مما يلي باب بني سهل، والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة)) رواه أحمد وأبو داود، ورواه ابن ماجه والنسائي ولفظهما: ((رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من سُبْعة جاء حتى يحاذي بالركن، فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطواف أحد)) وهذا الحديث من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهله عن جده، ففي إسناده مجهول؛ لذلك إسناد هذا الحديث ضعيف، والمطلب وأبوه لهما صحبة، وهما ممن أسلم في فتح مكة.

قوله: ((والناس يمرون بين يديه)) فيه دليل على أن مرور المار بين يدي المصلي مع عدم اتخاذ السترة لا يبطل الصلاة. قوله: ((وليس بينهما سترة)) قال سفيان: يعني: ليس بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكعبة سترة، وفيه دليل على عدم وجوب السترة -كما تقدم- قوله: ((من سُبْعة)) بضم السين المهملة وسكون الباء بعدها عين مهملة أي: من أشواطه السبعة.

قوله: ((في حاشية المطاف)) أي: جانب المطاف.

الباب الثالث: ما يقطع الصلاة بمروره:

الحديث الأول: ((يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار))

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار)) رواه أحمد، وابن ماجه، ومسلم، وزاد مسلم في روايته: ((ويقي من ذلك مثل آخرة الرحل)) تقدم معرفة: ((آخرة الرحل)) أو معناها.

وعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: المرأة، والحمار، والكلب الأسود قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان)) رواه الجماعة إلا البخاري.

في هذين الحديثين بيان ما يقطع الصلاة، وهو: المرأة، والكلب الأسود، والحمار.

وروى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجليّ، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)) وروى البخاري أيضًا من حديث مسروق عن عائشة: ((أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي النبي صلى الله عليه وسلم فأنسل من عند رجليه)).

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: وقد اختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث، فمال الطحاوي وغيره إلى أن حديث أبي ذر ومن وافقه منسوخ بحديث عائشة وغيرها، ورُدّ هذا الرأي بحجة أن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عُلِمَ التاريخ وتعذر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق، والجمع لم يتعذر.

وهكذا نجد أن العلماء سلكوا ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: يذهب إلى النسخ.

المذهب الثاني: يذهب إلى التأويل.

المذهب الثالث: يذهب إلى الترجيح.

قال الإمام أحمد:

يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي النفس من الحمار والمرأة شيء، وفسر ابن دقيق العيد هذا الكلام فقال: لم يجد الإمام أحمد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديث ابن عباس الذي رواه البخاري وذكرناه قبل ذلك، وفيه: ((أقبلت راكبًا على حمار أتان, وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع, ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد)) ووجد في المرأة حديث عائشة.

وروي عن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه: ((يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والمرأة الحائض)) ولم يقل أبو داود ((الأسود)).

وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنه يقطعها الكلب الأسود فقط، وحكاه ابن المنذر عن عائشة، ودليل هذا القول: أن حديث ابن عباس أخرج الحمار، وحديث عائشة أخرج المرأة، وتقييد الكلب بالأسود أخرج ما عداه من الكلاب، وذهب مالك، والشافعي، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف: أنه لا يبطل الصلاة شيء.

قال النووي: وتأوّلوا حديث القطع على أن المراد بالقطع نقص الصلاة؛ لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطال الصلاة.

error: النص محمي !!