Top
Image Alt

احتجاج الروافض في إكفار الصحابة بحديث: ((ليردن عليَّ الحوض))، و((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))

  /  احتجاج الروافض في إكفار الصحابة بحديث: ((ليردن عليَّ الحوض))، و((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))

احتجاج الروافض في إكفار الصحابة بحديث: ((ليردن عليَّ الحوض))، و((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))

الحديث الأول: الجواب عن احتجاج الروافض في إكفار الصحابة بحديث: ليردن علي الحوض، ثم ليختلجن دوني.

وجه الإشكال في الحديث: ذكر ابن قتيبة الإشكال المتوهم في هذا الأمر فقال: “والرافضة تتعلق في إكفارها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بروايتهم: ((ليرِدن عليَّ الحوض أقوام، ثم ليختلجن دوني، فأقول: أي ربي، أصحابي أصحابي. فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقتهم)).

واعلم أن محبة الصحابة، وتوقيرهم والدعاء لهم، والكف عن التعرض لهم بأي نوع من أنواع الطعن، من أعظم مقاصد الدين، فمن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم، ومراتبهم.

ومجمل قول العلماء في توجيه هذا الحديث مسلكان:

المسلك الأول: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الإسلام، وعلى هذا يكون المراد بالمذادين عن الحوض: أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه وكذا من أَظْهَرَ الإسلام في عهده صلى الله عليه وسلم وصحبه، وهو من المنافقين، فيجوز أن يُحشر هؤلاء المرتدون والمنافقون بالغرة والتحجيل؛ لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم من أجل السيما التي عليهم، أو لمعرفته إياهم بأعيانهم، وإن لم يكن لهم غرة ولا تحجيل، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقهم عليه من الإسلام.

وإلى هذا ذهب قبيصة بن عقبة، وابن قتيبة، والباجي، والقاضي عياض، والقرطبي، وغيرهم، وعزاه ابن بطال لبعض السلف.

المسلك الثاني: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الاستقامة، وذلك باقتراف السيئات، وترك الواجبات، والإحداث في الدين، وعلى هذا يكون المذادون عن الحوض: أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعهم عن الإسلام. فبناء عليه، فلا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله تعالى، فيدخلهم الجنة بغير عذاب.

وإلى هذا ذهب الخطابي، وابن بطال، وابن عبد البر، وغيرهم.

ويكون معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ((أصحابي أصحابي))، عموم أمته، ومطلق المسلمين، وليس المراد به ما عرف شرعًا من معنى الصحابة، وهم الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنين به. ومعرفته صلى الله عليه وسلم لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم بحكم الوصف، أو المكان الذي يجتمعون فيه، والله أعلم.

الحديث الثاني:

تخريج الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) رواه البخاري ومسلم.

وجه الإشكال في الحديث: والإشكال المتوهم في هذا الحديث: كونه نفَى عنه الإيمان بارتكاب الكبيرة. والأمر ليس كما توهم كما قرر ذلك العلماء.

قال النووي: “فالقول الصحيح الذي قاله المحققون: أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، ويراد نفي كماله، ومختاره، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة. وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: ((من قال: لا اله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وان سرق))، وحديث عبادة ابن الصامت الصحيح المشهور: ((أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يعصوا)) إلى آخره.

ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: ((فمَن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه، وان شاء عذبه)). فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله عز وجل: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48] مع إجماع أهل الحق على أن الزاني، والسارق، والقاتل، وغيرَهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عَفَا عنهم، وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة”.

وقال ابن رجب -رحمه الله: “لا يبلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير”. هذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في الصحيحين، وأن المراد بنفي الإيمان: نفي بلوغ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثير ما يُنفَى لانتفاء بعض أركانه وواجباته، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ))، وقوله: ((لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).

وقال في موضع آخر: “لمَّا نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) الحديث.

وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد، والغل، والغش، والحقد، وذلك واجب”. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: “والمراد بالنفي: كمال الإيمان.. وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد ولفظه: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان. ومعنى الحقيقة هنا: الكمال، ضرورة أنَّ مَن لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا”. انتهى.

وفي السنة ما يدل على معنى هذا الحديث، وهو ما جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأسه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه)).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: “قوله: ((خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة)) دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية، فإن الظلة تظلل صاحبها، وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط”.

وقال في موضع آخر: “وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، فنفى عنه الإيمان الواجب الذي يستحق به الجنة، ولا يستلزم ذلك نفي أصل الإيمان،وسائر أجزائه، وشُعبه وهذا معنى قولهم: نفي كمال الإيمان لا حقيقته، أي: الكمال الواجب، ليس هو الكمال المستحب”.

وقال ابن كثير: “فقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه؛ لقوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].

وفي الصحيحين: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)). فيسلبه الإيمان، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه.والخلاصة: أن الزاني ليس بمؤمن مطلق الإيمان، وإن لم يكن كافرًا.

error: النص محمي !!