Top
Image Alt

اختصاص القضاة

  /  اختصاص القضاة

اختصاص القضاة

من المعلوم أن القضاء ولاية مستمدة من صاحب السلطان في البلاد، والقاضي وكيل عن صاحب هذا السلطان في تلك البلاد، وكما أن الوكيل يستفيد التصرف ممن يوكله، فكذلك القاضي يستفيد سلطته القضائية من الإمام، أو من السلطان، أو من الوالي، فيكون تصرفه أي: القاضي مقصورًا على المكان، والزمان، والنوع، والمذهب الذي خصصه له السلطان أو الوالي. وهذه التخصصات أنواع متعددة، سوف نتناولها على النحو الآتي:

أولا: الاختصاص الزماني: وذلك بأن يخصص صاحب السلطة في البلاد يعني: الإمام، يخصص القاضي بالقضاء ليوم أو أيام مخصوصة من أيام الأسبوع، فيكون نظر القاضي متعينًا في هذه الأيام دون غيرها، وبهذا أخذت النظم الوضعية كذلك.

فمثلا: إذا حدد الوالي للقاضي أن يقضي في يومي الاثنين والخميس، فليس له أن يقضي في غيرهما، وإذا قال له: اقض في كل الأيام ما عدا الخميس والجمعة مثلا، نفذ قضاؤه في كل الأيام ما عدا هذين اليومين. وإذا جاز لولي أن يقيد سماع بعض الدعاوى بزمن معين فلا مانع، وهذا من حقه، ومن سلطته، فيحدد له أن يمارس تلك القضايا، أو أن يقضي في تلك القضايا في أيام، أو أزمنة محددة. مع العلم بأن الفقهاء ذهبوا: إلى أنه لا يصح لولي الأمر أن يقيد سماع بعض الدعاوى بزمن معين. ومن ذلك: دعاوى الإرث، والوقف. ولعل الفقهاء استثنوا هذين النوعين من أنواع الدعاوى والقضايا؛ لأهميتهما، وخطورتهما، وأثرهما على المتقاضين.

ثانيا: الاختصاص المكاني: الاختصاص المكاني هو ما يعبر عنه في الاصطلاح الحديث: بالاختصاص المحلي، والمحلي يعني:  المكاني. والأصل في ولاية القضاء أنها من اختصاص رئيس الدولة -كما ذكرنا- فيمكن أن يشمل هذا الاختصاص جميع البلاد التابعة للدولة، كما يمكن جعله في إقليم، أو في بلد منها، أو في جزء معين من بلد معين، وذلك طبقا لنوع الاستخلاف في ولاية القضاء.

بالطبع، ليس للوالي أو الأمير أن ينقل إلى القاضي سلطة هي أوسع من سلطته هو؛ لأنه وكيل عنه. فإذا كان الوالي واليا على بلدة كبيرة أمكن أن ينيب عنه القاضي في بعض أنحائها، أو فيها كلها، أو في جزء معين منها، وذلك طبقا لنوع الوكالة، أو الاستخلاف، فيقضي فيه القاضي حسب التوكيل، أو هذه الإنابة، فيقضي في نفس المكان الذي حدده له صاحب هذه السلطة، أو الموكل دون غيره.

فإن قضى في غيره لم ينفذ قضاؤه، فمثلًا: إذا قال له:  أنت والٍ لي في شمال القاهرة، أو في جنوب القاهرة، فليس له أن يقضي في غرب القاهرة حسب ما حدده له صاحب السلطة من مكان على القاضي أن يلتزم به، فإن قضى في غيره لا ينفذ قضاؤه، فكأنه قضى في غير ما يخصه، أو كأنه وكيل تصرف في غير ما أذن له فيه موكله. ولذلك يقول الفقهاء: فإن قضى في غيره، يعني: في غير المكان الذي حدد له، كان قضاؤه باطلًا. وأحيانا يكون المكان المقصود به: من يرد على هذا المكان، وأحيانا يكون: سكان هذا المكان. فحسب ما هو متفق عليه في عقد التولية، إذا أطلق فالمراد: سكان هذه الجهة دون الواردين عليها.

وإذا اختلفت أماكن إقامة المتقاضين، فأين تكون المحكمة التي يتحاكمون إليها؟

العبرة عند اختلاف محل الإقامة هو موطن المدعى عليه، دون نظر لمحل المدعي، فينظر إلى محل إقامة المدعى عليه دون نظر لمحل إقامة المدعي، لماذا؟ لأن ذمة المدعى عليه بريئة حتى يثبت العكس، فليس من العدل تكليف المدعى عليه الانتقال والمشقة قبل شغل ذمته. فمثلا: لو كان هناك متقاضيان، أحدهما من شمال القاهرة، وآخر من جنوب القاهرة، فالمحكمة التي ينبغي أن يتحاكما إليها هي المحكمة التي يتبعها المدعى عليه، لماذا؟ لأننا لو احتكمنا إلى شمال القاهرة، وهو مقيم -أي: المدعى عليه- مقيم في الجنوب كلفه ذلك الانتقال، وهو بريء الذمة إلى الآن، إذا شغلت ذمته فعرفنا أنه مطلوب، في هذه الحالة، يمكن أن يطلب منه الانتقال، لكن طالما كان مدعى عليه من حقه ألا يكلف بما لا يطيق، ولا يكلف حتى بما يطيق، إنما ينتقل المدعي من مكان إقامته إلى مكان إقامة المدعى عليه.

فأقرب محكمة إلى المدعى عليه، فأقرب دائرة لهذه المحكمة يكون التقاضي فيها. ومع ذلك، فإن الفقهاء استثنوا بعض الدعاوى، من ذلك: دعوى الزوجة للنفقة، أو الحضانة؛ فإن لها الحق في تقديم الدعوى في المحكمة التي يتبعها محل إقامتها؛ وهذا من باب التكريم للمرأة، وهي لفتة طيبة من جانب فقهائنا -رحمهم الله؛ حيث راعوا أن المرأة ضعيفة، وأنها تطالب بحقها، فينبغي ألا يكون هناك مشقة عليها، فترفع الدعوى في أقرب مكان إلى محل إقامتها.

وكذلك، لو كان النزاع على عقار بيت، أو شقة، أو فيلا، أو أرض، أو ما إلى ذلك، فالعبرة بالدائرة التي يقع فيها العقار، فتكون المحكمة الخاصة هي محل اختصاص النظر في هذه القضية التي يقع في دائرتها ذلك العقار، وهذا في الواقع نوع من العدل؛ لأن  مكان النزاع هو سبب هذا الخلاف، وسبب القضية بصرف النظر عن المدعي والمدعى عليه، فمكان العقار هو الذي يحدد مكان التقاضي.

ويجوز تعدد القضاة في البلد الواحد، قاضيان أو ثلاثة في بلد واحد، أو في جهة واحدة، بل وفي محكمة واحدة. إذا كانوا في بلد واحد، لكن في أكثر من محكمة، هذا أمر متفق عليه، على أن يختص كل منهم بجهة منها.

لكن لا بأس أن يكون أكثر من قاضي في محكمة واحدة، وهذا ما سوف نشير إليه، لماذا؟ لأن فيه خلافًا، بعض الفقهاء أجازوا ذلك، وبعضهم رفضوا، ونحن مع الذين يجيزونه؛ لأن من حق صاحب السلطان -كما هو حق الموكل- أن يوكل أكثر من واحد. وتعددهم وإن أدى إلى بعض الاختلاف، لكن يمكن أن يصلوا إلى اتفاق في النهاية، وإذا لم يصلوا إلى اتفاق يرفع الأمر إلى محكمة أعلى.

ثالثا: الاختصاص النوعي: ومعناه: أن يخصص ولي الأمر القاضي عند تقليده، أو بعد ذلك بنوع من القضايا، كأن يخصه بقضايا الأموال، أو بقضايا الدماء، أو بقضايا الفروج، إلى غير ذلك. فإذا خصه الوالي بنوع من هذه الأنواع، فلا يجوز له الحكم في غيره.

مثلا: إذا ولاه القضاء على أن يكون قاضيا في الأموال، وقضى في الفروج، أو قضى في الجنايات، لا ينفذ حكمه، بل يصبح حكمه باطلًا، و كذلك إذا لم يلتزم بالنوع الذي حدده له صاحب السلطة؛ لأنه يصبح كالوكيل إذا خالف موكله.

كما يجوز جعل النوع الواحد في القضاء على درجات، فمثلا: في الفروج من الممكن أن يخصه صاحب السلطة بالقضاء في الزواج فقط، أو في قضايا النفقة فحسب.ذلكمثلا: إذا كان الأمر يتعلق بالجنايات، كأن يخصه في الجنايات بالقصاص، أو في التعزيرات، أو في الجنح، أو في المخالفات، أو ما إلى ذلك من أنواع، وتفاصيل النوع الواحد. ومثلا: إذا كان في الأموال، ممكن أن يخصه بمبلغ معين من المال، كأن يقول له: وليتك قضايا المالية في بلد كذا أو في مكان كذا على أن لا تقضي بأكثر من ألف دينار، أو تقضي فيما زاد على مائة ألف دينار، أو نحو ذلك. فإذا فعل هذا، وحدده في خطاب التقليد، على القاضي أن يلتزم بما حدد له، وإذا خالفه كان قضاؤه باطلًا.

فهل يجوز أن يخص ولي الأمر القاضي بقضية معينة بين خصمين، أو بين أناس معينين؟ فإن كان، فلا يتعداهم إلى غيرهم، كأن تكون هناك مثلا قضية خطيرة في مدينة مثل: الإسكندرية في مصر مثلا، فيقول له: عينتك أن تقضي في القضية المحددة، بعنوان كذا، في مشكلة كذا، في الإسكندرية. فإذا قضى فيها انتهت توليته. أو يقول له: اقض يا فلان في القضية الخاصة بين فلان وفلان، أو بين العائلة الفلانية، والعائلة الفلانية، فإذا فعل انتهى ما كلف به.

رابعًا: الاختصاص المذهبي: يعني: يخصص له مذهبا من المذاهب،  كأحد المذاهب السنية الأربعة، أو مذهب الإباضية، أو غير ذلك من المذاهب. فإن كان القاضي مجتهدا، فلا يجوز أن يحكم بغير ما أداه إليه اجتهاده حيث اتضح له وجه الصواب، فإن لم يتضح جمع القاضي وجوه العلماء، واستشارهم.

وفائدة الشورى بالنسبة للقاضي المجتهد: ظهور ترجيح دليل يعمل به، إذ قد يتنبه بالمشورة، ويتذكر ما نسيه بالتذكرة، فإن اتفق المستشارون، وليس له رأي حكم برأيهم، أو برأي الأكثر عند الاختلاف، ولا يعتبر ذلك من جانبه تقليدًا لأحد، فهو رجل مجتهد.  

وقد اتفق الفقهاء على أن القاضي المجتهد لا يجوز تخصيصه بمذهب، إنما اختلفوا في القاضي المقلد، هل يقتصر على مذهب إمامه؟ أو هل لا يخرج على مذهب إمامه، ويقتصر في الحكم عليه؟

مذهب الجمهور: أنه يلزم بالاقتصار على مذهب إمامه؛ لأنه مقلد. وذلك بناء على قاعدة التخصيص، فإن صاحب السلطة إذا ولى قاضيا مقلدًا، ويعلم أنه سيتبع مذهب إمامه، وعلى القاضي المقلد أن يلتزم الحكم بالراجح في مذهب إمامه، دون المرجوح.

وإذا اشترط ولي الأمر على القاضي المقلد الحكم بالراجح في مذهب إمامه وجب عليه التزام ذلك؛ لأنه ينبغي عليه الالتزام به في الأصل، وما شرط ولي الأمر إلا تأكيد لهذا الأصل. وإن قيده بالحكم بالضعيف من مذهب إمامه، أو بغير مذهبه، فإن القاضي لا يتقيد بذلك، وبخاصة إذا كان من أهل النظر. فعليه ما دام مقلدا أن يلتزم بالراجح في مذهب إمامه.  ويرى جمهور الفقهاء جواز تعدد القضاة في نظر الدعوى، واستدلوا بأن القاضي وكيل عن ولي الأمر. ويجوز للوكيل أن يوكل أكثر من واحد، وأن التعدد يؤدي إلى تخفيف الأعباء عن القضاة، ولأن القاضي يجوز له أن يستخلف أو ينيب عنه. وعند الاختلاف بين هؤلاء القضاة -إذا تعددوا- يرفع الأمر إلى قاض أعلى ينهي هذا النزاع بينهم.

error: النص محمي !!